الجار قبل الدار بخصوص الجنة والنار

سعود سالم
2018 / 2 / 3

‫السيد داغر النحّاس، مواطن يعيش مع زوجته وأولاده في أحد الأحياء البرجوازية من المدينة منذ سنوات عديدة دون مشاكل تذكر، يمارس عمله كمدرس للرياضيات في الجامعة، حتى ذلك الصباح المشؤوم الذي سقطت عليه قذيفة أثناء إخراج سيارته من الكاراج للذهاب إلى العمل. بطبيعة الحال لم يعرف سبب موته إلا فيما بعد، ذلك أنه بعد تفجير السيارة لم يستعد وعيه إلا في المستشفى لعدة ساعات، ولم ينجح الأطباء في ترقيع أوصاله الدامية وبعدها فارق الحياة واتجه مباشرة للسماء. استيقظ السيد داغر ليجد نفسه فيما يشبه صالة إنتظار ضخمة المقاييس، حيث آلاف البشر من كل لون ومن كل الأعمار ينتظرون في صمت يشبه صمت الأموات. منهم من يتحرك ويتمشى من مكان لآخر ومنهم من هو جالس أو مستلق على الأرض ومنهم من هو نائم ومنهم من هو جالس على المقاعد العديدة الموزعة بطريقة عشوائية على أرضية الصالة التي يبدو أنها بلا حدود ولا نهاية. كان يشعر بالدوار في البداية وكأنه في حلم غريب بين اليقظة والنوم، وتدريجيا بدأت الأمور تنتظم والصورة تتضح وتنقشع الغيوم من أمام ناظريه. في البداية تحسس جسده ليتأكد من أنه ما يزال كاملا بيديه وقدميه وبطنه ورأسه، إنه لا يحلم، لقد حدث شيء ما، إنه فيما يسمونه العالم الآخر، إنه بكل بساطة ميت ويعد من بين الأموات. يتذكر الإنفجار في لحظة خاطفة، ويتذكر المستشفى والممرضين والممرضات، ويلاحظ انه ما يزال في ملابس المستشفى الزرقاء، حافيا وبدون نظاراته. اكتشف أن العديد من هؤلاء الذين يهيمون في هذا الفضاء مثله يشبهونه ويشاركونه بطريقة ما فيما يحدث وفيما سيحدث له. من حين لآخر كان هناك صوت يعلن وينادي عن إسم شخص ما ويطلب منه التوجه إلى أحد الأبواب العديدة المتواجدة على جانبي الصالة الضخمة. في البداية لم يهتم بهذه الإعلانات الصوتية، وتدريجيا اكتشف أن الناس ينتظرون هذه الإعلانات وأن سبب وجودهم في هذا المكان هو أن يسمعوا إسمهم في لحظة ما ليتوجهوا إلى أحد هذه الأبواب المغلقة. وسوف لن نهتم بما عاناه السيد داغر في هذه اللحظات الطويلة من الملل والقلق والإنتظار، ولا بالمقابلات والمعارف العديدة التي كونها طوال هذه المرحلة من رحلته نحو الآخرة، سنذهب مباشرة إلى اللحظة التي سمع فيها إسمه ينطق بصوت عال وجهوري في مكبر الصوت ويطلب منه الإتجاه إلى الباب رقم ٢٢ك. لا يدري بالضبط الوقت الذي قضاه للوصول إلى الباب المعين، فيبدو أن الوقت هنا لا وجود له على الإطلاق، لقد اجتاز العديد من الصالات المشابهة وعشرات الممرات التي تؤدي بدورها إلى صالات وممرات أخرى، وتمكن أخيرا بعد رحلة طويلة وشاقة من الوصول إلى الباب المعني، فطرق على الباب رغم عدم وجود اللافتة : اطرق قبل الدخول، ودخل إلى ما اعتبره مكتب الإستقبال حسب ما استنتجه من مظاهر المكتب والموظفين الذين يشغلونه. كانت هناك سيدة‬ جالسة‫ ‬وراء مكتب‫ مقابل للمدخل وسيد يجلس إلى مكتب جانبي وأمامه عدة كمبيوترات وملفات ورقية، وفي عمق الصالة كان هناك عدة موظفين وموظفات يشتغلون في صمت ونظراتهم مركزة على شاشات أجهزتهم العديدة. قالت له السيدة فور دخوله : السيد داغر النحّاس،‬ أهلا وسهلا،‫ تفضل واجلس، ونحن متأسفون لهذا التأخير ونعتذر لكل هذا الوقت الطويل من الإنتظار، لقد ازداد الطلب على خدماتنا في السنوات الأخيرة، وهذا يحصل دائما في فترة الأزمات والحروب، وينقصنا كما لاحظت بعض الموظفين.‬ لم يرد السيد داغر ال٫ي مايزال يحاول أن يتأقلم مع هذا الجو الإداري الذي يبعث في نفسه القلق بل والرعب أحيانا. واصلت السيدة وهي تعاين بعض الأوراق :‫ السيد داغر، ملفك كامل وجاهز وما عليك سوى التوقيع في أسفل هذه الورقة. أما السيد داغر فلم يدرك حقا حتى الآن ‬ما هو الهدف من هذه اللعبة ولا ماهية المكان الذي‫ يتواجد‬ فيه‫ رغم أن العديد من ‬الرجال والنساء الذين قابلهم‫ حاولوا‬ كل على طريقته‫ أن يشرح له ‬هذا الموقف‫، ولكن يبدو أنه كان ينقصه شيء ما لتفهم الوضع بأكمله. وأعطته‬ السيدة‫ الوثيقة مفتوحة على الصفحة المعنية وأعطته أيضا قلما للتوقيع. بقي لحظات طويلة وهو يفكر، ويتردد والقلم في يده، ثم قال للسكرتيرة : ماذا سيحدث لو لم أوقّّع على هذه المذكرة ؟ آه، لا شيء، قالت له السكرتيرة، لا شيء على الإطلاق بالنسبة لنا، أما بالنسبة لك فلا شك أنك ستعود من حيث أتيت، وعليك أن تجد عقدا آخر، هناك إختيارات لا حصر لها، ونحن نشكرك بطبيعة الحال لإختيارك لوكالتنا، ربما سيعرضون عليك أن تتحول إلى شخصية أخرى‬ ومحاولة تجريب حياة جديدة‫، أو تتحول مؤقتا إلى حيوان أو نبات أو حجر وربما سيقترحون عليك أن تندثر نهائيا. نحن هنا‬ لا نقدم هذه الخدمات‫ ‬و‫الإختيار‬ عندنا‫ في غاية البساطة، نضمن لك الحياة الأبدية، الحياة الأبدية لك أنت كما كنت في الحياة الدنيا، بأخطائك وسيئاتك وحسناتك. وحك السيد داغر رأسه عدة لحظات، ثم قال : ولكن ما هو الثمن الذي سأدفعه لهذه الحياة الأبدية، وهل أنا الآن حي أم ميت ؟ أنا لا علم لي بكل هذه التفاصيل، إذا كنت ميتا كيف أحتفظ بجسدي، وما هو هذا الجسد الذي تركته هناك مستلقيا على السرير في المستشفى ؟.. إسمع، قالت له السكرتيرة، أعتقد أنك قد دفعت الثمن، فعادة ما ندفع الثمن مقدما، ووجودك هنا يعني أنك قد وقعت عقدا مع إحدى وكالاتنا، ولكننا لا نعالج هذه الأمور على مستوى السكريتاريا، بخصوص التفاصيل والعقود والأسعار والتخفيضات وما شابه من الأمور الإدارية وكذلك المسائل المتعلقة بالموت والجسد والإنتقال، ستجد كل ذلك في المكتب المجاور مع مسؤولك الرئيسي والمباشر، ولكن لابد من التوقيع على هذه الوثيقة أولا قبل الخطوة التالية. وانتهى به الأمر إلى التوقيع في أسفل الصفحة ومد المذكرة للسكرتيرة التي وضعتها في الملف المفتوح الذي كان أمامها ثم قالت له : شكرا على تعاونك معنا، لقد انتهت إجراءات الدخول، والآن ما عليك إلا أن تذهب لمكتب المسؤول عن الإقامة والذي سيحدد لك مكان إقامتك. واقتادته إلى باب جانبي وأدخلته صالة أخرى كبيرة ذات إضاءة خافتة وأشارت له بالجلوس على أحد المقاعد في مواجهة الباب الضخم الذي يؤدي فيما يبدو إلى مكتب الرئيس أو المسؤول الأعلى. وقالت له وهي تقفل الباب ورائها : عندما تسمع رنين الجرس سترى إشارة ضوئية فوق المدخل، عندها يجب أن تدخل بدون خوف، سترى، الأمر كله لا يتعدى عدة دقائق. وأغمض عينيه محاولا أن ينظم أفكاره ويسترجع الأحداث التي مرت به منذ استيقاظه هذا الصباح، حيث استيقظ متأخرا وأعد قهوته بسرعة‬، الأطفال كانوا قد ذهبوا إلى المدرسة وزوجته عادة ما تذهب إلى عملها قبله بساعة أو ساعتين‫.‬ والآن‫ ها هو في هذا المكان الغريب، كأنه في أحد المطارات الدولية الضخمة أو إحدى صالات الإنتظار، في ملابس المستشفى حافي القدمين، ينتظر المسؤول المباشر عن مصيره الأبدي‬، وتمنى لو يستطيع أن يتصل بزوجته أو بأطفاله‫. وهب واقفا عندما سمع رنين الجرس ورأى النور الأخضر في أعلى الباب، واتجه نحو المدخل المظلم ليجد نفسه في مكان معتم تماما في البداية، وعندما بدأت عيناه تتعودان على العتمة رأى انه يوجد في مكان يشبه البلكونة مفتوحة من احد جانبيها على ‬سماء رمادية‫ ‬تتناثر فيها بعض النجوم الباهتة‫، بينما خط احمر في الأفق يعلن عن ظهور ما يشبه الشمس‬، وتذكر أن هذا المنظر يشبه ما يسمونه بالفجر على الأرض.‫. وأحس بالهواء البارد على وجهه ورائحة ا‬لندى‫. تفضل إجلس، قال له صوت غليظ لم يدرك مصدرة لأول وهلة. السيد داغر النحّاس، لقد وصلت الآن إلى‬ نهاية الرحلة بالسلامة، وصلت إلى النقطة‫ الحاسمة، لحظة الحق و‬تجلب ‫الحقيقة، والأمر بطبيعة الحال يخصك أنت وحدك، فهل تعرف ماذا تريد؟ إن ملفك يسمح لك بأن ‬تعبر عن كل‫ ما ترغب فيه.. وكمن يستيقظ من النوم، اكتشف السيد داغر بأنه واقف وراء كائن ضخم يجلس على كرسي كبير من الخشب موليا له ظهره، وتسائل السيد داغر بينه وبين نفسه إن كان هذا الكائن هو الله بلحمه ودمه؟‬ وأنتابته نوبة من الخوف الميتافيزيقي، كما لو كان قد أحس بوجود شبح أو أحد الأرواح الخبيئة وأحس بقشعريرة تحتل كل أعضائه.‫ وحاول أن يتذكر أحد أسماء الله ليتوجه له بالدعاء أو على الأقل لمحاولة تجميع أفكاره، وتمتم بصوت خافت : سيدي العظيم، أنت المحيي والمميت وأنت الحسيب والرقيب، أنت التواب والمنتقم، الرؤوف .. وقاطعه الصوت : لا وقت لنا لهذه المجاملات المزيفة، أنت الآن ميت، فاترك هذه الخزعبلات للأحياء. أنت ميت لأن قنبلة سقطت على رأسك هذا الصباح، ولأن الطبيب الذي كان يمكنه أن يرقّعك قد ذهب لشراء خروف العيد لأطفاله بدل الذهاب إلى حجرة العمليات، فما دخل الله في موتك؟ .. والآن ماذا تريد؟‬ ليس لك إختيارات عديدة،‫ هل تريد دخول الجنة أم تريد دفء الجحيم وصهد جهنم؟ أم أنك لا تعرف ما تريد؟ لقد انتهينا من قصة العقاب والثواب وكل هذا الكلام الفارغ، هنا نحن أيضا في مملكة الديموقراطية‬ ‫.. ‬تستطيع أن تختار مكان إقامتك. وحاول السيد داغر أن يستعيد رباطة جأشه وقال‫ متلعثما وغير مصدق أذنيه : الجنة، الجنة،‬ بالتأكيد الجنة،‫ لقد حلمت بذلك طوال حياتي الدنيوية، ولكن‬ .. ولكن ..‫ المشكلة‬ إنني لا أعرف سكان الجنة ولا سكان النار، وتعرفون سيدي المثل القائل الجار قبل الدار..‫ هناك العديد من الناس الذين لا أريد أن أقضي حياتي الأبدية معهم، وقد أفضل الجحيم إذا كان هؤلاء الناس سيكونون معي في الجنة‬ والعكس‫ .. زين .. زين قال له الرئيس الأعلى وهو ينهض من عرشه الخشبي متثاقلا : ليس لدينا الوقت لتنظيم زيارة سياحية لا للجنة ولا للجحيم، بالإضافة إلى أن ملفك لا يسمح لك بالحصول على جناح خاص، ستكون مع عامة الشعب‬، وستتأقلم بسرعة، بالإضافة إلى إمكانية تقديم طلب للإنتقال من الجنة إلى النار وبالعكس - تحت شروط معينة بطبيعة الحال …‫ ما عليك الآن سوى أن تأخذ هذا الممر، سيقودك إلى خارج القصر حيث ستجد بوابتين متشابهتين تماما ومتجاورتين، إحداهما بوابة الجنة والأخرى بوابة الجحيم، وإذا أردت أن تدخل الجنة فما عليك إلا أن تعرف أيهما البوابة التي تقود إلى الجنة وتدخل حتى دون أن تطرق على الباب، هل هذا واضح؟؟ زين، لهذا السبب ستجد أمام كل بوابة حارسا أو بالأحرى موظف إستعلامات ليجيب على أسئلتك، أوكي؟ ولكن إنتبه جيدا ليس لك الحق إلا في سؤال واحد لا أكثر، سؤال واحد فقط، ولذلك عليك أن تختار الموظف الذي ستطرح عليه السؤال، علما .. علما بأن الحارسين بدورهما متشابهين تماما، ماعدا أن أحدهما يسمى الصادق وهو يقول الحق دائما ولا يستطيع أن يكذب، أما الآخر فهو نقيضه بالضبط ويسمى الكاذب والذي لا يستطيع إلا أن يكذب طوال الوقت.. يللا إذهب الآن وليكون الحظ معك .. وأسرع السيد داغر وأخذ الممر الطويل الذي أشار له المدير بأخذه وهو يفكر في نفس الوقت كيف سيستطيع التعرف على موظف الإستعلامات الصادق حتى يستطيع أن يسأله : أين هي بوابة الجنة، أو أين هي بوابة الجحيم. و‬فكر في البداية ‫بما أنه فعلا ليس لديه رغبة حقيقية في قضاء الأبدية مع بشر لم يكن يحتملهم في حياته المؤقتة او حياته الدنيا كما يسمونها، ‬فلماذا لا‫ يجعل الصدفة وحدها تقوده وتقرر مصيره. ولكنه في نفس الوقت لم يكن يحب الحر والصهد ولا يرغب في أن يكون مشويا إلى الأبد. كان ما يزال يفكر‬ مترددا‫ عندما وجد نفسه في نهاية الممر في مواجهة ضوء ساطع يكاد يمنعه من الرؤ‬ية‫ بعد عتمة الممر الطويل، وفي ما يشبه صحراء مسطحة تمتد على مرمى البصر، تتكون من الرمال والأحجار مضاءة بشمس محرقة. وترائى له من بعيد في وسط هذا الفراغ السرمدي ما أعتقد انه لا بد أن يكون البوابتين المعنيتين. وسار طويلا قبل أن يصل إلى هذا الهدف الذي يبعث في نفسه قلقا لا يوصف لعلمه بأنه لا يعرف كيف يتصرف عند وصوله ولا يعرف ما الذي يريده ولم يجد حلا للغز أبوالهول. في هذا الفراغ القاحل، لاحظ مع ذلك العديد من البشر‬، رجال ونساء وأطفال وحيوانات‫ يهيمون في ‬جماعات‫ متفرقة بدون هدف واضح، وكأنهم ينتظرون شيئا ما، حلا سماويا أو معجزة تنقذهم من هذا العجز الأنطولوجي اللامحتمل. ووصل في نهاية الأمر إلى البوابتين، وأمامهما كان يجلس موظفي الإستعلامات كل على كرسيه خلف مكتبه وكأنهما تمثالين من الشمع. كانا شبيهين لدرجة تبعث على القلق، كأن أحدهما إنعكاس أو نسخة للآخر، والذي يبعث على الرعب أنهما يقرآن نفس الكتاب، نفس الصفحة، هذا إذا كانا يقرآن حقا، وحركاتهما‬ القلية والبطيئة‫ تبدو متزامنة ويبدوان كصورة منعكسة في مرآة. وبحركة عفوية اقترب من أحدهما ليرى ما يقرأه، ولكن نظرا لعدم حمله لنظاراته الطبية فإنه لم يستطع أن يرى سوى خربشة نملية مغبشة ولم يتمالك نفسه من القول : ماذا تقرأ؟ وهنا تخلخلت الأرض من تحت قدميه وغابت الأشياء وعم ضباب كثيف غامق، ورأى الحارسين ينهضان ويبتعدان ثم يختفيان في الضباب، ثم سمع صوتا ‬مألوفا‫ ‬على مقربة منه‫ : الحمد لله، لقد عدت إلى وعيك،‬ كنت متأكدة من ذلك، ‫إنني أقرأ كتابا‬ مملا‫ لشاعر إيطالي، في إنتظار أن تستيقظ.‬