تحالف -سائرون-! (3)

طلال الربيعي
2018 / 2 / 3

تحدد "كلمة الرفيق رائد فهمي في اعلان تحالف -سائرون- (لاحقا "الكلمة" فقط)
"إن رسالة مشروع سائرون هي إخراج البلاد من دوامة الأزمات والصراع على مغانم السلطة والنفوذ، عبر بناء دولة المواطنة الديمقراطية المدنية"
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=586300

ويقول الحزب الشيوعي العراقي في نداءه الذي اصدره بمناسبة عقده مؤتمره العاشر في عام 2016 (لاحقا "النداء" فقط) :
"ان الاصلاح الحقيقي والشامل هو المدخل لاجراء التغيير في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولدفع عملية الاصلاح والتغيير قدما حتى الخلاص من المحاصصة والفساد وتحقيق المصالحة الوطنية المجتمعية، ولبناء وتوطيد ركائز الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.
والتغيير المطلوب لن يتحقق إلا عبر بناء بديل...ويؤسس لوعي اجتماعي جديد، وتوجه ثقافي يشكل نفيا لثقافة الاستبداد ولنزعات العودة الى الماضي المناهضة للحداثة والتنوير..."
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=541125

و عند مقارنتنا النصين مع بعضهما, نجد ان كلاهما يؤكدان على تحقيق مشروع الدولة المدنية الديمقراطية. ولذلك سنكون نحن محقين بتساؤلنا: هل ان التيار الصدري مؤهل لان يكون طرفا فعالا في الهدف المحدد؟ ولكن قبلها هنالك تحفظان او اعتراضان من قبلنا على توصيف المشروع نفسه, مما سيعني ان المشروع سيبقى حبرا على ورق. وهذان التحفظان هما, اولا, بصدد مفهوم الدولة المدنية, و ثانيا, بصدد مفهوم الدولة الديموقراطية. وهذان التحفظان يصدقان على كل تحالف يعقده الحزب الشيوعي العراقي, بغض النظر عن طبيعة اطرافه, ويقضيان بالكامل على مصداقيته اذا لم يكن هدف التحالف هو تفكيك العملية السياسية والكشف عن حقيقتها كقناع يتستر على المشروع الرأسمالي-نيوليبرالي الذي اسسه بول بريمر في العراق والذي اشرت اليه في الحلقة الثانية. ولكن هذا القناع يصبح اكثر سمكا بعقد هذا التحالف "سائرون" لان الزعم القائل ان التيار الصدري هو اسلام (سياسي) معتدل هو وهم قاتل. لا يستخدم الحزب الشيوعي تعبير الاسلام السياسي في اي من النصين اعلاه, ولكنه في احد النصين, النداء, يتكلم عن "توظيف الدين لخدمة مطامح سياسية ومصالح اقتصادية ضيقتين (ضيقة!)", ولكن حتى هذه الاشارة الخجولة الى اساءة استخدام الدين قد سقطت او اسقطت من "الكلمة" لاسباب لربما تتعلق بان التيار الصدري نفسه هو تيار استخدم ويستخدم الدين ايضا لتحقيق مآربه الفاسدة او غير النزيهة طوال فترة مشاركته المستمرة في العملية السياسية ولحد هذه اللحظة. فاليس التحالف مع الفاسدين تزكبة لهم وفسادا بحد ذاته؟ ام ان الحزب الشيوعي, حاله حال رب العالمين كما يقال ويشاع, غفور رحيم؟ واذا كان الحزب الشيوعي, مثله مثل رب العالمين, غفورا رحيما, فنحن سنفهم حق الفهم ان دعوة الحزب الى مكافحة الفساد لا تعني محاسبة الفاسدين, بل (قد) تعني التحالف معهم من اجل تغييرهم واقناعهم بالعدول عن الفساد لربما من خلال عقد محاضرات اخلاقية او سمينارات تثقيفية يعقدها الحزب في مقراته! واذا اعترض البعض ان الدروس والمواعظ الاخلاقية كاسلوب تغيير لا تتفق مع المفاهيم الماركسية فقط بل وتعارضها ايضا فنحن سنتفق معه كل الاتفاق. ونحن سنعترض ايضا ان الله, حسب الروايات المتداولة, هو مالك الارض والسماوات, في حين ان الفساد يطال المال العام وليس المال الخاص للحزب او لقيادته!

فكلمة "المدنية" هنا هي كلمة غامضة والعديد من القوى السياسية في العراق تصف نفسها بالمدنية. ولكن لا يجتهد هؤلاء نظريا للخروج بتعريف واضح ودقيق لمصطلح المدنية. فهل يعني النظام المدني انه النقيض للنظام العسكري؟ ولكن الحكم في العراق الآن ليس عسكريا رغم وجود المافيات الدينية وانتشار ظاهرة عسكرة المجتمع. واذا كانت المدنية تعني العلمانية فينبغي ذكر ذلك بشكل واضح وصريح, والا ما الفائدة من وضع برنامج ما, ان صحت تسمية "الكلمة" كبرنامج, بدون فهم واضح ودقيق للمفاهيم؟ علما ان هنالك فروق جوهرية بين مفهوم المدنية ومفهوم العلمانية ولكني سوف لا اناقشها الآن او لاحقا الا اذا اقتضت الضرورة! وكيف سنعلم اننا حققنا الهدف اذا لم نعلم ماهية الهدف بشكل مضبوط؟ وهكذا يبدو ان الدولة المدنية تعني بشكل ضمني او تقريبي بكونها الدولة العلمانية. ولكننا اذا كنا محقين في فهمنا هذا, فنحن سنكون محقين اكثر لو عبرنا عن استغرابنا الشديد في كيفية تحقيق هذا الهدف, الدولة المدنية كصنو للدولة العلمانية, من خلال تحالف مع تيار يقوده رجل دين يعترف هو نفسه بمعاداته الشديدة للعلمانية. وكلامه هذا مؤرخ في 02 يناير 2016.

"قال المرجع الشيعي وزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، إن بعض أصحاب العمائم منافقون، ويعصون الله في السر، داعيا إياهم إلى الورع ومخافة الله، في أيام وصلت فيها التيارات الإلحادية والعلمانية إلى مستويات عليا في الحوزة العلمية، فضلا عن الناس العاديين.

وفي لقاء مع خطباء الجمعة، شدد الصدر على أن الخطباء يجب أن لا يتركوا الدين وينغمسوا في السياسة، وذلك من أجل إرجاع المجتمع إلى الله بدلا من أن ينساق وراء العلمانية والإلحاد.

وتطرق الصدر في كلمته إلى العديد من الأمور التي تخص خطباء الجمعة المنتمين لتياره، وذلك كي لا تسقط قيمة الحوزة العلمية أمام عامة الناس." (ونحن لا نفهم معنى كلامه بسقوط الحوزة العلمية! فالحوزة ليست علمية بل دينية, و كما اوضحت في الحلقة الاولى فان فتوى السيد السيستاني بخصوص الكلاب والقطط وتربية الاطفال لها هي فتوى مناقضة بالكامل للعلم والطب وساقطة علميا وليس للموضوع من علاقة بالعَلمانية او الالحاد).
الصدر: التيارات الإلحادية متفشية ووصلت الحوزة العلمية (فيديو)
https://arabi21.com/story/880264/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%B4%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%88%D8%B5%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88

وكملاحظة قد تبدو هامشية فاننا لم نسمع اعتراضا من قبل مقتدى الصدر نفسه او تياره على تسميته ب "المرجع الشيعي"! ولكن من سيكترث بتفاصيل دقيقة كهذه؟

والتحفظان لا يتعلقان فقط بمعاني الكلمات رغم اهميتها, ولكنهما يعنيان بالضبط ان بناء دولة مدنية/علمانية-ديموقراطية في ظل العملية السياسية الحالية هو امر غير ممكن او انه ضرب من المستحيل!

ونحن لا نفهم ايضا كيفية التغلب على المحاصصة الطائفية بدون منع الاحزاب الدينية, او بالاحرى الاحزاب الاسلامية. فالاسلام, والاسلام السياسي, هو طائفي اوتوماتيكيا, اي ان الشخص ليس مسلما فقط, بل وينتمي تلقائيا الى هذه الطائفة او تلك. لذلك ان وجود احزاب دينية يعني بالضرورة انها احزاب طائفية. و"الكلمة" لا تشير الى الغاء او حظر الاحزاب الاسلامية لان اشارة كهذه ستعني تعريض التحالف "سائرون" نفسه الى ضربة قاتلة تمحيه من اساسه او تجعل تجعل عبثية ظاهرة بوضوح للاعيان!

والبعض يزعم ان الصدر او تياره ينتمي الى "الاسلام المعتدل!". ولكن التفريق بين اسلام سياسي معتدل واسلام سياسي غير معتدل او متطرف هو وهم كبير وخداع للنفس وللآخرين. فما فرق بين ما يقوله مقتدى الصدر من حيث الجوهر او المظهر عما يقوله الآخرون من رجال السياسة او الدين في العملية السياسية, والذين لا يمكن وصفهم باي حال بالمعتدلين, بخصوص عدائهم للعلمانية, وبالتالي للديموقراطية وحقوق الانسان ,وكمخالفة صريحة حتى لدستور العملية السياسية نفسها الذي يؤكد على حرية الرأي والمعتقد؟ وفي البلدان التي تحترم شعوبها ودستورها فان القضاء يحاسب ويعاقب الساسة الذين يدلون بتصريحات مناقضة للدستور.

ونحن يمكننا ان نقتبس بعض الامثلة فقط للدلالة فقط. فما فرق العداء للعلمانية من قبل مقتدى الصدر, من جهة, وعداء رئيس وزراء العراق السابق ونائب رئيس الجمهورية حاليا نوري المالكي, للعلمانية, من جهة اخرى؟

فقد التقى رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» مع المالكي على هامش مؤتمر القمة الإسلامية في القاهرة عام " 2013 و كتب تقريرا بعنوان (المالكي في حوار مع «الشرق الأوسط»). ولابراز ما يقوله المالكي وعلاقته المباشرة بالموضوعة قيد النقاش اقتبس التقرير ببعض الاسهاب.

"المالكي القادم من حزب الدعوة العراقي، الذي كانت له علاقات تاريخية مع الإخوان المسلمين يقول إنه يقرأ لمحمد باقر الصدر ومحمد حسين فضل الله ومحمد مهدى شمس الدين، وكتب سيد قطب ومحمد عمارة، ومن الكتاب الخليجيين، الكاتب الكويتي عبد الله النفيسي. واستهل الحوار معه بالخلفية التاريخية عن كيفية انضمامه إلى حزب الدعوة الإسلامية في عام 1970.

* انضممتم الى إلى حزب الدعوة في شبابكم، هل يمكن ان تحدثونا عن الأسباب التي كانت وراء ذلك، هل لأنه كان الحزب الأبرز على الصعيد الشبابي داخل العراق وقت الانضمام إليه؟

- هي في الحقيقة مجموعة عوامل، بعضها طبيعي، وبعضها استكمالي، والطبيعي هو أنني من عائلة متدينة تدينا واعيا وليس شكليا، وجدي كان أحد وكلاء المرجعيات.

* أي مرجع؟

- في مرجع محمد تقي شيرازي في ثورة العشرين، ثم أصبح ممثل المرجعية في المجلس الوطني لقيادة ثورة العشرين، وهو شاعر فحل من فحول الشعراء، وكان ينظم الشعر ارتجالا وهو معمم، ثم أصبح وزيرا للمعارف عام 1926. هذه هي الأرضية التي نشأنا فيها، كذلك بعض أعمامنا كانوا أيضا مراجع في النجف.

وفي الجانب الثاني المحفز، ساد في العراق الفكر الشيوعي الإلحادي، واستفز مشاعر الحوزات العلمية (العلمية ابضاا!)، وتحول العراق إلى المد الأحمر، وبحكم النشأة، لا يمكن أن نقبل الإلحاد ولا الشيوعية، وهذا ما انعكس على الحوزة العلمية في زمن السيد محمد باقر الصدر، الذي استشهد على يد صدام حسين، فقام بمبادرته في مواجهة المد الأحمر والتيار الشيوعي، وهذه المبادرة باركها الله وكبرت ونمت، وكتب لها كتابين يعتبران منهجنا في ذاك الوقت لمواجهة الشيوعية: «اقتصادنا» و«فلسفتنا»، ولعلهما أفضل ما كتب ودرس في كثير من دول العالم.

* وكان له علاقة جيدة في مصر – مع جماعة الإخوان في فترة من الفترات؟

- كانت له علاقة قديمة مع الإخوان في مصر، ونحن لدينا علاقة، وهذه هي الأسباب التي دعتنا لأن نلتحق بهكذا حركة، وهي أولا تعكس إسلاما حقيقيا، وليس إسلام خرافات، وإنما إسلام واع وحقيقي، ويأخذ الإسلام من منابعه الحقيقية، وليس من الشكليات والتحريفات والتزويرات.

ففكرنا وتراثنا الإسلامي، مشحون بكثير من المشاكل التي زرعتها الإسرائيليات، وزرعها المستشرقون والآخرون، وصارت تنشئة لأجيال من الشيعة والسنة عليها مع الأسف الشديد، وهي ليست من الإسلام في شيء.

ولذلك كنا نبحث عن حركة إسلامية واعية تعطينا الفكر الإسلامي الصحيح، فكانت حركة حزب الدعوة، ثم بالنسبة لي شخصيا حدثت انتكاسة يونيو(حزيران) في 67، وكنا قد تفاعلنا معها تفاعلا شديدا، لأنها كانت انتكاسة مروعة للأمتين العربية والاسلامية، وبدأنا نبحث عن حركة تجمع بين الإسلام الصحيح الواعي، وبين العمل السياسي لمواجهة النكسة فوجدت حزب الدعوة الاسلامية، بل وجدني حزب الدعوة الإسلامية لأن أكون عضوا فيه، لأن الحزب كان آنذاك سريا، ولا أحد يعرف به – وكانت هذه الأمور في مرحلة الجامعة – وكان حزب الدعوة يختار المنضمين إليه، وعلى ضوء وعيهم وتنشأتهم، وهذه كلها خلفية الانضمام لحزب الدعوة.
http://www.akhbaar.org/home/2013/2/142054.html

اما ممثل المرجعية الدينية فهو يعتبر الشيوعيين والعلمانيين بمثابة من هم "بعثيين" او غير الشرفاء ومن الذين لا يصلون ويدنسون حرمة المضيف العشائري!
بالفديو...
خطيب جمعة الديوانية : مطالبة المرجعية بمحاربة الفساد -خلط للأوراق-
https://www.facebook.com/kabr.ajal.iq/videos/1861098813908590

اذن نحن لا نجد فرقا جوهريا بخصوص الموقف من العلمانية والديموقراطية لا بين الصدر والمالكي ولا بين الصدر ورجال الحوزة الدينية في النجف, بل هناك تطابق تام . وهذا يؤكد ما اشرت اليه اعلاه ان مفهوم الاسلام السياسي المعتدل هو وهم وخداع ولا تدعمه الحقائق على ارض الواقع بالمرة. وقد اخترع هذا الوهم, كما يبدو, لتزكية الاسلام السياسي نفسه ولاظهار تمايز بخصوص الموقف من العلمانبة وحقوق الانسان, وهو تمايز لا اساس له في الواقع .

في الخلقة القادمة ساستكمل مناقشة استحالة قيام دولة مدنية في العراق في ظل العملية السياسية, كما وساناقش ايضا المعضلات التي تجعل من السعي لتأسيس دولة ديموقراطية في العراق وتحقيق الاهداف المعلنة من خلال العملية السياسية او من خلال تحالف "سائرون" لا يعنى سوى المراهنة على حصان خاسر.
يتبع