اللغة في مجموعة -أبعاد- خليل إبراهيم حسونة

رائد الحواري
2018 / 2 / 2

اللغة في مجموعة
"أبعاد"
خليل إبراهيم حسونة
هذا العمل الثاني الذي أقرأه "لخليل إبراهيم حسونة" فاللغة المستخدمة كافية لوحدها لتشدني للمجموعة، حيث أن الكاتب يستطيع أن يمتعنا من خلال اللغة، ومن خلال الأسلوب الذي يستخدمه، وبما أن المرأة كانت حاضرة في غالبية قصص المجموعة أعطا القارئ دفعه اضافية ليتقدم أكثر منها، وإذا ما أضفنا إلى ما سبق الهم الوطني الفلسطيني، إن كان من خلال حضور المخيم بسكانه إن كانوا صغارا أم كبارا، أم من خلال حديثه عن فلسطين كما جاء في قصة "الممر" التي يتحدث فيها عن معناة الفلسطيني العائد لوطنه والطريقة التي يعامل بها على الجسر، وعدم تمديد فترة تصريحه، وإذا ما توقفنا عند هذه العبارة: "لم يسمحوا له بتجديد إقامته في وطنه" ص35، لوحدها كافية لمعرفة واقع الفلسطيني والحرمان الذي يعاني منه، فإذا كان سيجدد إقامته في وطنه فما باله في الأماكن الأخرى!!، إذن هو في وطنه يعتبر غريب، وهذه القصة رغم أنها كانت قاسة في فكرتها إلا أن القاص قدم فيها بعض المشاهد التي تخفف من قسوة الأحداث كما جاء في هذا المشهد: "بدأت السيارة تنهب الأرض بجنون.. كل يلذ له أن ينظر من الشباك...الطريق متعرج يضع على جانبيه بساتين الزيتون و "بيارات" البرتقال. وأطفال الصهاينة يقطفون فرحا كان لنا.. من هنا وهناك" ص32، الإشارة التي جاءت في نهاية المشهد تعطي فكرة واضحة على أن هذه الأرض/الخير/الفرح لنا وليس للمحتل، ومن ثمة علينا العمل على أخذ حقنا المغتصب.
كما نجد اللغة المستخدمة استثنائية، التي تخففت من وطأة الأفكار والأحداث الصعبة التي يطرحها القاص كما جاء في بداية القصة: "أرضية الجسر مصابة بذهول أزلي.. هي ضيقة حتى الاختناق، رمال ركعت لتصلي فركعت فوقها امرأة مقطوعة من جذع حلمها "المجدلي" ورموش "عكية" تبتهل بعينين مقلوعتين حيث يصبح القهر اليومي قضية وطن" ص27، من هنا نقول أننا أمام مجموعة استثنائية ليس بسبب الأفكار التي تحملها فحسب بل لأن اللغة المستخدمة فيها جميلة، وبسبب الصور الأدبية التي ينثرها القاص بين ثنايا الأحداث.
في قصة "التراب" نجد أن القاص حاضر بعقله الباطن أكثر من عقله الواعي، فهو يكرر لفظ "التراب" ومشتقاته بشكل ملفت، فيبدأ القصة بهذا المشهد: " عندما تتمدد ذاكرتك عبر شواطئ النسيان وحده التراب يظل عالقا بها، تتغير ملامحك، تتبدل كلماتك.. أناس يجيئون...آخرون يذهبون ..أشياء تتزاحم، وأمور كثيرة تنطلق من عقالها، تستقر الأمنيات عبر جذوع النوى... وتدخل رائحة التراب كل شيء" ص15، إذا ما توقفنا عن عبارة " تتغير ملامحك، تتبدل كلماتك" والتي تشير إلى مرور الزمن وتغير المكان، ومع هذا يبقى التراب/الوطن حاضرا في الوجدان، وهذه الأسلوب يكاد أن يكون أقرب إلى أسلوب الشعراء من كتاب القصة أو الرواية، فالقاص يتعمد أن لا يحدثنا عن مشاعره بشكل مباشر وبالصوت العالي، وكأنه يقول من خلال هذه الاشارة إلى أنه يخجل/يضطرب/يتألم من الخوض في التفاصيل المتعلقة بالوطن والغربة، لهذا وجد هذا الشكل الأنسب له وللمتلقين، ويقول في موضع أخر: "تتلصص مع الليل عبر ذاتك. يطحنك النوى. برد همجي يلبس ثوب وجلك، يلسع عظامك وأطرافك. وفجأة تحتضنك رائحة عطرية نفاذة...تراب أرضك... تحس بدفء أنفاسك... تتحسسها تحتويك قسماتها... فترسها علامات على الصدر، وفي القلب" ص23، فهنا جعل القاص رائحة التراب هي التي تخلصنا من ألم البرد، وتحول الشدة إلى متعة، فالتراب ليس شيء جامد بل حي وله مفعول وأثره فينا حاضرا.
المرأة كانت حاضرة وفاعلة في المجموعة، ففي قصة "الحاجز" كانت "زينب" هي الشخصية الأهم في القصية، وتتمحور حولها الأحداث، يقول عنها الراوي: "وزينب ليست من النوع الذي يذهب عندما يغلق الباب... إنها ضحت وتضحي... والتضحية قاسية مهما كانت نبيلة" ص185، "فزينب" كانت أقوى من الأحداث وأقوى من رجلها، لأنه انزلق في وحل الحياة، بينما هي وقفت في وجه الاعصار وصمدت. ويخلص لنا القاص حالة "زينب" الصامدة في معترك الحياة فتقول لرجلها: "دعني أبكي فقط هذه المرة من أجلك، لأنك نسيت، ولم تتعلم من الماضي... ضاعت تجربتك بين التبغ الرخيص والفاخر... بين الحب الحقيقي والبغاء" ص183، وكأنها بهذا المشهد تقول نحن النساء أقوى وأنقى من الرجال، الذي سرعان ما ينزلقون عند أول منحنى يواجهون.
من الأفكار الرائعة التي يقدمها القاص فكرة الصراع الداخلي، إن كان عند زينب أم عند رجلها، يقدم لنا القاص هذه الصراع من خلال هذا المشهد: "الوهج الروحي يمطر أحيانا من خلال النكسات، وتنكسر النفس.. لكن المطر ينزل، وأمواج البحر تقع. وحده ماء البحر قادر على غسلك من الخطايا" ص181، وإذا ما توقفنا عند فعل "غسلك" والذي يعطي هنا مدلولا للظهارة الجسدية والروحية معا، يتأكد لنا قدرة القاص على استخدام أدوات غير مباشرة في التعبير عنما يريده من أفكار، تخدم أحداث القصة وأيضا تمتع القارئ.
المجموعة من منشورات الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان. طرابلس، ليبيا، الطبعة الأولى 1987.