نقد الحالة النفسية والذهنية لأصحاب الفكر الإيمانى

سامى لبيب
2018 / 2 / 2

- نقد الحالة النفسية والذهنية لأصحاب الفكر الإيمانى -جزء أول .
- لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون (42) .

هذا المقال هو مشاكسة لثقافتنا وأدائنا وثوابتنا وتحليل لنهجنا فى الحياة , ورصد لنفسية وذهنية الإنسان وكيف أنتج فكرة الآلهة والمعتقدات والأديان كسبيل لإيجاد التوازن النفسى فى وجود غير معتنى , ومن هنا جاء الإيمان بالميتافزيقا لأقدم هذه الرؤى من خلال تأملات تعبر عن رؤيتى وفكرى متوسما أن أستكملها وأستفيض فى تبيانها مستقبلاً .

كما ذكرت فى هذه السلسلة من "لماذا يؤمنون وكيف يعتقدون" أن الإيمان بفكرة الإله شديدة الثراء والتنوع فهى كالموزاييك ثرية بالالوان والخطوط المختلفة لتفى احتياجات نفسية للإنسان فى الأساس , وهى ليست متجانسة ولا ذات نهج واحد لتجمع كل التناقضات فى ذات الوقت كفكرة الإله الرحيم والمنتقم , لأرى أن هذا التباين شئ طبيعى لتباين الحالة النفسية والمزاجية والثقافية للإنسان .. ولكنها لا تكتفى بذلك لنحظى على ذهنية ونفسية إيمانية متناقضة إزدواجية لا تخلو من التسطيح والهشاشة .

الإله كأعظم استراتيجية للتبرير وتبديد الغموض .
- الله عبر التاريخ لم يكن سوى صوت الضعف والخوف والجهل والطمع في الداخل الانسانى .. نخاف الحياة ومجهوليتها ووحدتنا فنصرخ مناديين بإله ينقذنا ويبرر لنا كل ذلك , نخاف من تلك العدمية التي قد تنتظرنا في حال موتنا ورحيلنا فنتوق لإختلاق ذلك الإله الكريم الذي يرحب بنا فى حياة أخرى أبدية اكثر ديمومة ليعوضنا عن هذه الحياة القصيرة التي لم نعش فيها سوى ما يرغمنا على الشعور بالظلم وعدم الكفاية , نشعر بالضعف من هذه الحياة فنلجأ لاختلاق كائن أكثر قوة منا , وأعلى منا بقوته وقدرته ليوفر لنا الحماية والأمان ويعوض ما فى داخلنا من نقص مغروس بنفوسنا منذ الولادة , منذ تلك الصرخة الخائفة التي نعلنها مع اللحظة الأولى في هذه الحياة , وتلك الحاجة النفسية التي تتوق إلى وجود ما هو اعلى واقوى إلى وجود أكثر أبوية وأمومية، أو قل إننا نسقط حاجتنا الناقصة للأبوة والأمومة في آلهتنا أيضاً .
-لا يكتفى الإيمان بالإله بهذه الحالة النفسية المضطربة القلقة ليكون الإله الحل لجهلنا فكل ما نجهله نجد له حل سهل بأن الإله فعل ذلك , لنخلد بعدها إلى نوم هادئ لذيذ يتبدد معها الغموض والحيرة والقلق .

حل إشكالية الإرادة والمقدرة .
- هناك تناقض فى الداخل الإنسانى بين الإرادة والمقدرة, بين الرغبة والإشباع, بين النية والنجاح , بين التخيل والواقع , بين الفكر و الوجود .. رغبات الإنسان لا محدودة فهو في رغباته إله ولكن في التنفيذ محدود ككائن ضعيف يعتمد على ما حولة من طبيعة وكائنات أخرى .. فيميل الدين إلى تحطيم هذا التناقض فيشعر الإنسان أن ما يرغب فيه ليس مستحيلا , فبالرغم من قدرات الإنسان المحدودة فهناك ذلك الكائن غير المحدود في قدراته الذي يمكنه تنفيذ هذه الرغبات .
- الموضوع الأساسي للدين هو أغراض الإنسان حيث يريد الإنسان أن يتخطى حدود التخبط النهائي والعجز والمصادفات وكل ما كان الإنسان يعتمد عليه , لذا قدم العبادة لكائنات من الطبيعة فتمنى الإنسان سقوط المطر في وقت الجفاف وغيرها من الأمنيات المرتبطة بالطبيعة القاسية الغير معتنية .. كل تلك الأماني لا سبيل للإنسان لتحقيقها ,فيتجه إلى إقامة شعائر عبادة لتحقيق ما تمناه وعجز عن فعله ,لذلك فإن الآلهة هي تجسيد لجوهر رغبات الإنسان.. فتجد المؤمن يرتبط بآلهته في وقت المحن أكثر من أي وقت آخر حتى تتحقق أمنيته أو رغبته التي لا يقوى على تحقيقها .
عندما يعجز الإنسان التحكم فى حياته ينتظر الحلول السحرية والخوارق والمعجزات التي قد يتوهم أنها ستحقق له ما يريد كحال الغارق الذى يتعلق بقشة .. إن أحلام الإنسان تتخطي قدراته بكثير فيريد أن يتبرك و يسمتسك بفكرة وجود قنوات تجعله متصلاً بما هو خارق للطبيعة ليتجاوز عجزه .

عشوائية الوجود والبحث عن مغزى .
- يميل الانسان إلى إعطاء معنى لكل شيء فكما يعطي لحياته معنى يحاول إعطاء موته معنى , بتمجيد الاستشهاد والموت من أجل المبدأ والقضية والدين .. لكن الحوادث كثيرا ما تكون لأسباب تافهة تؤدي للموت أو الاعاقة الدائمة, فكيف يمكن للانسان أن يتقبل تفاهة ما حدث له و ان الصدفة والسبب الذي لا غاية من وراءهما جعلاه يفقد حبيباً أو يصاب بعاهة مستديمة .. فما هو عزاء الانسان في مثل هذه الحالات ؟
ما عزاء من فقد أبا أو أما أو إبنا أو حبيبا في حادثة سير مروعة أو سقوط من شاهق أو إنهيار سقف أو إختناقا ؟ ما عزاء من له ابن مشوه أو معوق جسدياً أو ذهنياً ؟ أمثلة كثيرة تجعلنا نتسائل : كيف يتقبل الانسان عشوائية أقداره ببساطة أليس العزاء الوحيد هو في وجود أمل وحكمة ما من وراء ذلك وأى حكمة , حكمة الله من فوق سابع سماء ومن هنا لا يوجد عزاء آخر يستطيع منافسة الدين .. ولذلك بقي الدين حاضرا في وجدان الإنسان ما دامت حياته محاطة بكل هذه الحوادث العبثية والكوارث اللانظامية .

البحث عن العدالة والقصاص .
- أرضنا كانت ولا زالت موطناً للظلم بأقسى أشكاله .. نرى الظلم في الطبيعة حولنا في الافتراس وقانون الغاب والغياب المؤلم لأي معنى للعدل والاخلاق في طبيعة عمياء .. هذا الظلم يمتد لنراه في حياة الانسان رغم كل ما وصل اليه من تنظيم اجتماعي ورقي حضاري , ليجعل من حقوقه وحريته وقيمته مطلباً يتمحور حوله النضالات الإنسانية الفكرية والسياسية والإجتماعية ولكن ورغم ترسانات القوانين وأجهزة العدالة والنظم القضائية المتطورة والمستوى المتقدم لخطط مكافحة الجرائم وتتبع المجرمين فمازالت العدالة والمحاكمة مطلباً ملحاً فى عالم يموج بالظلم والقسوة وبشاعة المذابح والحروب والجرائم المروعة.. هنا لا يجد الانسان عزاء لبقاءه في هذه الحياة غير تمنى النفس بعقاب أسود لكل ظالم معتدى بعد موته , فعندها ستتحقق العدالة الالهية المطلقة و ينال كل انسان جزاء على ما إرتكبه .
- المؤمنون يجعلون الإله منتقماً لأنهم يريدون الإنتقام ويبحثون عن تحقيقه , فعندما يعجزون عن الرد لا يتخلصون من فكرة الإنتقام والثأر فيخلقون وهم من سينتقم نيابة عنهم .. لنقول للطغاة سواء سراً أو جهراً : الله ينتقم منكم .. فالإنسان يعلن عن فكرة الله المنتقم بحثاً عن الإنتقام والثأر وإشفاء الغليل فى ظل حالة من الضعف والهوان .

الحاجة للعزاء والمواساة والمعيل النفسى .
- المحرك الاساسي للإيمان الديني ، هو الحاجة النفسية للعزاء والمواساة في حالات الخوف و التهديد باللجوء إلى قوى خارجية تقدم عزاء للنفس وتساعد الانسان على تحمل واقعه الأليم , ومن هنا تأسست الممارسات الدينية للإنسان ,فمن وقع في حالات تهديد وفقدان السيطرة على الواقع يلجأ لاشعورياً إلى معيل نفسي .
- في بدايات الأديان كان المعيل النفسي هم الأجداد القدماء أب أو جد متوفي ليتحولوا إلى ظواهر روحية يمكن أن تساعد في ايجاد حل أو المساعدة ولايزال الناس إلى اليوم يلجؤون إلى أجدادهم أو اقاربهم المتوفيين ليستمدوا العزاء ثم تطور الموضوع ليخاطب الانسان الكيان المجرد الإله، فهو يخاطب مباشرة كائناً مجرداً يعيش داخله .
الحقيقة ماهذا الإله إلا الأنا نفسها و قد انفصمت , فالإله يعيش في الداخل أكثر مما هو موجود فعلي في الخارج , ومن هذا الاساس النفسي تستمد الاديان شعلتها التي لا تنطفىء مادام هناك بشر في حالة حاجة و فقدان سيطرة على الواقع كما هو حال معظم البشر في عالمنا اليوم .

نحت إله نفسى .
- أساس الايمان الديني بإله هى قدرة دماغنا على إجراء حوار داخلي مع أنا اخرى متخيلة و توقع مايدور في فكر الشخص الآخر ليتمكن الانسان من نحت إله نفسي داخلي يخاطبه و يستمد منه العزاء , بينما الحقيقة أنا منفصمة من صميم الذات .

فكرة النخب والسادة لأدلجة الهيمنة والسيطرة .
- الله فكرة خيالية فى رؤوس البشر لقوى تتحكم فى وجودهم , وما كان لهذه الفكرة أن تتواجد فى عدم وجود غايات وصراعات , فهى إسقاط وأدلجة الصراع البشرى وتقنين العلاقة بين السيد والعبد .. الملك والرعية .. الحاكم والمحكومين من خلال فكرة إله تؤدلج الهيمنة والسيطرة والإستبداد والوصاية لترسخها وتنزع هذه الفكرة قوى الممانعة والمقاومة .

لذة التمايز .
- منذ بداية الوجود الإنسانى وحتى الآن لم تخرج الحياة عن الصراع ومهما تعقدت أشكال الصراع لتصل للحروب فلن تخرج عن مضمون الصراع وهى رغبة البعض فى أن ينالوا خبزاً أكثر من الآخرين ليتولد لديهم لذة فى الإستحواذ وتزداد سعادتهم فى أن ينفردوا ويسودوا ويتمايزوا , وتزداد سعار اللذة المجنونة فى أن نحرم الإخرين من اللقمة لنحس بتمايزنا .. تكون المعتقدات والأديان غطاء أيدلوجى لرغبات بشعة فى التمايز والإستحواذ .
- إن سبب بقاء الأديان وتصاعد حضورها هو خلق حالة من التمايز الفوقى داخل الجماعة البشرية الدينية فى إطار تحقيق الدين لهوية إجتماعية , فالأمور لا تكتفى بتجميع جماعة بشرية تحت لواء واحد بل بالإستمتاع بحالة فوقية تبحث عن التميز وتحقير الآخر لتصل لأقصى حدودها فلا يكون التمايز بين دينى وأديان الآخرين فقط بل بين مذهبى ومذهب الآخر داخل الدين .. أنا مؤمن وأنت كافر , أنا من المنعمين والمباركين وانت من الضالين والمغضوب عليهم .
- الإيمان بفكرة الإله من خلال دين ومعتقد هو رغبة إنسانية فى ممارسة العنصرية والتمايز باحثة عن حالة فوقية , فما المبرر الذى يجعل مؤمن بالله يحس أنه مُتمايز ومُفضل عن الآخرين لدى الإله والباقى أنجاس ضالين , بالرغم أنهم قد يشاركوه نفس الإيمان بالإله الخالق , فألم يفطن أن إيمانه جاء من حظوظ الجغرافيا والتاريخ .. هو بالفعل كذلك وفى عمقه تمجيد للجغرافيا والتاريخ التى أنتجت الإنتماء والهوية ومن هنا لا مانع من ممارسة العنصرية والتمايز لتفرز عدوانية إقصائية تعطى لذة التمايز والفوقية .. الحالة الإيمانية أصبحت شديدة الضرر .
- هناك رغبة عميقة تتوارى لدى المؤمنين برغبتهم فى الإستئثار بالميراث لتدفعهم لحالة التعصب لإيمانهم فلا يريدون أن يشاركهم أحد فى التركة والميراث السماوى لذا كل الإيمانات خاطئة وإيمانى هو الصحيح .. قد يقول قائل ولكن التركة والإرث عظيم فما معنى الغيرة من مشاركة الآخرين فيها ؟. لن اقول لطمع الإنسان بل هو لا يدرك قيمة الشئ إذا شاركه الجميع فيها وهذا يفسر الجحيم وفى بيت أبى منازل كثيرة والجنه درجات .. الخيبة أنه لا يوجد إرث ولا ميراث ولا منازل .
- لا يكون سبب تناحر الأديان وتشرنقها وغرورها وتعصبها بإعتبارها الفئة المؤمنة التى يرضى عنها الإله ليوليها رعايته كضرورة فحسب , بل ذاك الشعور المتوارى عند غيرة الأبناء ورغبتهم بالإستئثار بحضن وإهتمام الأب .. هو شعور داخلى فطرى لا ينصرف فى بالوعة الزمن ليبقى متواجداً متوارياً يتلمس التحقيق من خلال عقيدة تذكر له أنه المفضل والمدلل فى حضن الأب الإله .
- ميثولوجيا قايين وهابيل مثال يوضح تلك الرؤية فى رغبة الإستئثار بميراث وحضن الأب , فعطية قايين أثارت غيرة هابيل , والأب قبل عطية الذبيحة ولم يقبل قرابين نبت الأرض , فبغض النظر عن تفضيل الذبيحة عن النبات وتصدير فكرة تميز وتمايز المجتمع الرعوى فليكن إعتنائنا بعملية التنافس على الإستئثار بحضن الإله الأب .. قتل هابيل لأخيه قايين لا يخرج عن تشاجر الاطفال الصغيرة للفوز بإهتمام ودلال الأب ونجده دائما فى الأطفال ونسميه غيرة ليحضر فى الميثولوجيا القديمة بغض النظر عن أسطوريته يعطى القتل كغيرة محتدمة .

الدين والعنف .
- الدين هى رغبتنا المحمومة فى ممارسة العنف قولاً وسلوكاً وفعلاً .. هى الرغبة فى ممارسة الهيمنة والعنف بشعور تفوق يكللها لذة وراحة ضمير , نجده دوما فى التراث الدينى من ممارسات للعنف الهمجى قديماً إلى ممارسة المعاصرين , فيكفى أن تقول أن هذا كافر وذاك فاسق وهذا ضال ليبرر ممارسة للعنف والإحساس بالتفوق والتمايز حتى ولو كان سلوكاً وقولاً , فقولك ليس تصنيف فكرى بل يصاحبه موقف نافر نابذ محتقر عدائى .. الدين يحقق للإنسان تنفيس العنف الرابض تحت جلده وتحقيق اللذة من خلال ممارسات مشرعنة أو الإكتفاء بمتعة المشاهدة ليكون التكبير عند الذبح حالة من الاحتفاء بلذة العنف والإنتقام .
- القصاص هو وجه آخر من الرغبة فى التلذذ بالعنف والإنتقام والثأر فما معنى الإفراط فى العقاب الجسدى والحرص على أن يحضره جمع من المؤمنين ؟ وما معنى رغبات نسمعها هنا وهناك عن أن تطبيق الشريعة هى العلاج لصلاح مجتمعاتنا فهل تطبيق الشريعة محى الجريمة أم ظلت متواجدة بالرغم من فظاعة العقاب الجسدى فى بلادنا وتضاءله فى دول شمال اوربا مثلا .!
الإلحاح على تطبيق الشريعة ومشاهدة العقاب البشع هو شبيه بالأولمبيا حيث الصراع الدموى للعبيد مع بعضهم البعض أو مع الحيوانات الضارية حتى الموت ليبقى الفرق ان هناك من يهللون بالإثارة وآخرون يهللون ويكبرون ,, فلا تتصور أن المطالبين بتطبيق الشريعة هم أصحاب غيرة على الدين أو التقرب للإله بتحقيق شرعه بل هو الإحتفاء بغريزة العنف .. ضرر الأديان أنها تسمح لنا بممارسة العنف والبشاعة والقسوة والإضطهاد بمتعة وضمير مستريح متلذذ .!
- من المفارقات أن يكون الناطقون بإسم الإله هم أكثر الناس استعداداً نفسياً لاحتقار غيرهم وسوء الظن بهم , وهم الأكثر قبولاً وممارسة للكراهية والعداء , وهم الأكثر جرأة على إزهاق الأرواح البشرية, فهم يكرهون ويقتلون البشر تقرباً بدمائهم للإله أو تنفيذاً لأمر صريح منه كما يزعمون .. فكأنهم يقولون إن الله قد سمح بوجود بشرٍ من درجةٍ دنيا ثم هيأ بشراً من درجة أعلى وجعل سنام عبادته في قتل وكراهية بشر من الدرجة الدنيا , وإن توارت هذه الحالة وإقتصرت على الاصوليين الدنيين .

فكر وسلوك لصرف الإحساس بالهراء.
- الإيمان يتمحور حول نظرتنا ورؤيتنا ومنطقنا فلا يبنى على إدراك ووعى حقيقى بالحياة والطبيعة, لينطلق ما يبرر الإيمان بوجود عالم أخروى لمنح الحياة المعقولية , فإذا لم يتم حساب الظالم فحينئذ تصبح الحياة فوضى وعبث حسب منطقهم , فهل رؤيتى للمعقول أو اللامعقول هو من يثبت وجود عالم أخروى ؟! .. وهل عقاب الظالم هو إثبات منطقى لوجود خالق ؟. العالم الآخر هو أمنياتنا وأحلامنا فى النيل من ظالمينا و تفريغ طاقة غضبنا وحزننا على الأرض فتصورنا أن هذا معقولاً .
- الذهنية الدينية شديدة التهافت والمراوغة فهى تدرك فى كينونتها أن إيمانها هو إرث الجغرافيا والتاريخ , وان ما تعتقد به فيه من هراء الكثير وان هناك حرج وخجل ينتاب العقل الدينى ليلجأ إل تسخيف والسخرية من إيمانات وعقائد الآخرين , فالحمد لله أننى لا أعبد عبادات وثنية كعبادة البقرة والصليب وما شابه .
- نلمح هذا التهافت فى حوارات الحوار المتمدن لتجد كتابات تنتقد الإسلام فلا تجد رد منطقى يدافع عن القرآن بل يتبارى المدافعون فى نقد المسيحية عقيدة وتاريخ , كذا الحال مع المسيحيين الذين يدفعون التهافت عن المسيحية بنقد الإسلام عقيدة وتاريخ .. هذا الأسلوب الطفولى يقر بهشاشة وتهافت الإيمان والدين ليصرفه بأن كلنا بشعون وعاهرون أى كلنا فى الهوا سوا وكلنا بيوتنا زجاجية يا عزيزى , ولكن هذا الأسلوب الطائفى العصبى لا يبرر الإشكاليات المطروحة فهى مازالت مطروحة .
- العقلية الإيمانية عقلية هشة مسطحة فهى لا تستطيع إثبات إيمانها بوجود إله خالق , فالأمور بالنسبة لها ظنية لا تعدو السؤال الطفولى : من خلق الحياة والطبيعة إذن ؟ أو يخيل لى أنك تقول بأن الوجود جاء من صدفة وعشوائية ؟ هنا المؤمن نسى أنه صاحب نظرية وجود خالق فحرى أن يذكر نظريته ويؤكدها طالما يمتلك الحقيقة واليقين , ولكن الحقيقة هو لا يمتلك شيئا سوى الإدعاء ليهرب من الحرج بالسؤال .
- الفكر الدينى يصيب الإنسان بالذاتية والتبلد . فعندما تنتاب المؤمن لحظة تفكير وتأمل فى البشر الذين تحت الفقر والمرض والحاجة لتتحرك فى داخله إنسانيته وبوادر شكوكه تجده يرتد سريعاً عن هذه اللحظة ولا يكون إنصرافه بسلام لتجد البلادة والتنطع والغرور الغبى بمقولة الحمد لله لتصرف الشك بغباء .. فالحمد لله الذى وهبنى الرزق والمال ولم أكن محتاجاً مثل هؤلاء البائسين .. الشكر للرب على منحى صحة قوية وجيدة ولست مثل هؤلاء المرضى التعساء .. الحمد لله أن أولادى أصحاء ليسوا كهؤلاء , هكذا تظهر البشاعة والتمايز .. وفى إيمانات منحطة تتشفى فى المنكوبين كونهم كفار ومشركين .
- إن العقلية القبلية والعشائرية والعرقية وثقافة تقديس الماضي وعبادة رموزه والتستر على أخطاءه الفادحة وما صاحبها من جرائم فكرية وإنسانية لا نزال ندفع أثمانها .. هذه المعطيات هي أسباب مأساتنا وواقعنا المرير وليست الحكومات والحكام , فلو أن حاكماً تنازل عن منصبه فرضاً , فإن حزباً دينياً أو فرداً من طائفة أو من قبيلة أخرى سيحل محله وسنخلق حاكما مستبداً آخر نخلده فلن يتغير حال المجتمع والفرد وستذهب أوهام الإصلاح أدراج الرياح , ومن هنا ياتى قولى بلا أمل فى الإصلاح بدون تغيير الثقافة.

نظرية المؤامرة .
- العملية الدينية لا يكون لها قائمة بدون الترويج لفوبيا المؤامرة فهى تخلق فى المؤمنين فكرة المؤامرة من قوة شريرة تريد النيل من إيمانهم فيعيش المؤمن هذه الفوبيا والهاجس , لتكون فكرة المؤامرة لتوحيد الجماعة البشرية بخلق العدو المتربص وتحفيز وتجييش مشاعر المؤمنين ضد هذا العدو فتنصرف الشكوك وتتوحد الرؤى والغايات لصد العدو الوهم.
تظهر فكرة الشيطان كعدو للإنسان مخططاً له المؤامرات وكل الأفكار الشريرة أو قل إدانة الفكر التأملى الناقد فهو من فعل الشيطان وتتسع الدوائر كما فى الإسلام من فوبيا المؤامرة التى تحذر من الكفار والمشركين واليهود والنصارى فلن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم فلا تتوقف تلك الآية عند ظرفها التاريخى لتمتد عبر كل العصور واالأزمنه والأمكنه .
أرى أن تصعيد فكرة المؤامرة فى ذهنية المسلم دعمت وحافظت على باق الإسلام متأججا فى صدور تابعيه فهناك مخطط تآمرى ضد الإسلام .

- ستظل هذه الاسباب و غيرها عاملاً يجعل الدين صامداً في وجدان الانسان قبل عقله , و ستجعل اللغة التي تخاطب عقله غير ذات فائدة في التواصل المتمحور حول عقائده الدينية , فجدلية معركة الدين والعقل باقية بقاء الانسان بجهله الذي يفوق علمه وخوفه من مجهول لم يعرف سره بعد وظمأه لغاية ومعنى يبحث عنهما في غير موضعهما .

- هناك مقولة شعبية عبقرية تتردد على ألسنة المصريين تقول " إنت بتشتغل نفسك" أى تشاكس نفسك أى تخلق قضية من لا قضية لتصدرها وتعتنى بها وتثيرها .. هذا بالفعل حال الإنسان مع الحياة والوجود فهو يشتغل نفسه ليخلق من قضايا ليست ذات معنى ليجعل منها معنى ذات غاية ليحس بوجوده ولمعنى للحياة .. نحن نجد متعتنا فى أن نشاكس الحياة لنطير طائرات ورقية فى السماء , لكن السماء لا تحتفى بطائراتنا الورقية لنظن عكس ذلك فلا يكون هذا مشكلة بالنسبة للسماء ولا لطائرتنا الورقية .. النظرة والمشكلة والمعنى والوهم فينا نحن .

دمتم بخير
-"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته " أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع .