ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 2

دلور ميقري
2018 / 2 / 2

بدَورنا، يمكن أن نغضّ الطرفَ عن الحلقةّ الذهبية، المزيّنة حلمة أذن ذلك الشاب.. وإن يكن دافعنا غير التلهي بتأمل رونق سحنته، الجميل فعلاً. وإنها تلك الحلقة، مَن جعلت الوساوس تطن في رأس " سوسن خانم " ـ كما يفعل سربُ بعوضٍ، مزعج.
منذ أوان مراهقته، عُدّ مسلكُ " آلان " على جانبٍ بيّن من التناقض.. على الأقل، بنظر من كانوا يحيطونه سواءً في منزل الأسرة أو الشارع. لقد حُبِيَ بالذكاء، بل والنبوغ، فيما يخصّ دراسته. ولكنه، في الآن نفسه، بقيَ على تنافر مع العادات السائدة داخل جدران المنزل وخارجه. كأن يجدّف في أشياء لا يعرفها من أمور الدين، حدّ الاستهتار بفرائض الصلاة والصوم. ذلكم، كان يُقابل من لدُن أفراد الأسرة بنوع من التسامح، نظراً لما يرونه من حداثة سنّه. وليسَ كذلك في المدرسة، حينَ كان يتعمّد السخرية من المناسبات والرموز ذات الحساسية الوطنية. إلا أنه، على وجه الإجمال، لم يكن محسوباً على صنف أولئك القلة من التلامذة، المعتبرين قليلي الإحتشام والحياء. إنّ أساتذته، ولا شك، أخذوا أيضاً بعين الإعتبار تفوقه في مواد الدراسة، العلمية والإنسانية على حدّ سواء. فيما بعد، أوقف أحد أولئك الأساتذة طالبته السابقة، " زين "، كي يسألها عن شقيقها الأصغر وما لو كان مواظباً على شيمته، المعلومة.
" هوَ كما هوَ..! "، أجابت الفتاة باقتضاب مع ضحكة مجلجلة. وقفت متململة، وسط زحام الخلق والمركبات عند عطفة باب القصبة، وكانت في طريقها إلى موقف سيارات الأجرة. غير أن الرجل، وكان معلّماً للغة العربية، لم يبدُ أنه على عجلة من أمره في ذلك النهار الربيعيّ الخانق. عاد ليفحّ أنفاسه فيما عيناه ترمقان أطراف جسدها الفاتن، المكشوفة: " إنه فتى موهوب، وكان عزيزاً عليّ أثناء تدريسي له. بيْدَ أنها الكتب، مَن تجعل الشباب ينحرفون عن جادة الصواب "، قالها مؤملاً أن تنتبه الفتاة للسجع الملحون في منتهى الجملة. عقبت على كلام أستاذها السابق، ضاحكة دوماً " أجل هيَ الكتب، ولديه منها الكثير ". لم يَفُت الفتاة ملاحظةَ ما كان من علامات الشبق في ملامح المعلّم، الوقور. كما لن يفوتنا، لاحقاً، إستدراك ما فاها به فيما يتعلق بصاحب الكتب.

*
" سوسن خانم " كانت قد أعتقدت، على شيء من الخيبة، أنها أمام غندورٍ غريب الأطوار. حقاً إنها التقت به في مجمعٍ راق، يروده أهل الثقافة.. وحقاً أيضاً، أنّ بعض النكرات يحضرون نشاطات الرواق لأسباب لا شأن لها بذلك الإعتبار. إذاك، رفرفت في مخيلتها صورةُ امرأة لطالما محضتها مشاعرَ النفور والإزدراء. إنها شقيقة " الأستاذ محمد "، والتي تتواجد أحياناً في الرواق بموجب صفتها الأخرى ـ كقرينة لمن تدعوه الخانم في حب واحترام، " أستاذي الشاعر ".
" تتقزز نفسي من هذه المغرورة، التافهة. هيَ الموقنة بأن الله لم يخلق ما يضارعها حُسناً، لا تدري بأنني أستطيع عدّ مائة عيب في سحنتها الكالحة وغير المتناسقة! "، كذلك باحت ذات مرة للمرافقة فجعلت جسدها ينتفض من الضحك. كان لدى " سوسن خانم " رأيٌ آخر بإمرأة الشاعر، أفاضت به في تلك الجلسة. إذ أردفت، متوجّهة هذه المرة بالكلام لسكرتيرها: " ذلكم الغرور والإعتداد بالذات، لا يجدهما المرء غالباً سوى عند الفلسطينيين. فإن زعيق إعلام الأنظمة العربية بقضيتهم على مدار الساعة، أوهمهم فعلاً أنهم محور الكون ". ربما أدرك " فرهاد " حينئذٍ، أنّ معلمته لا يمكنها امتطاءَ جوادِ الفظاظة إلا لو كانت مجروحة الكبرياء.

*
الأستاذ الشاعر، دأبَ أسبوعياً على عادة جمع عصبة أصدقائه في رواق الفنون. إلا أنه ما لبثَ أن غابَ في مهمّة خاصة، ليحل بمكانه مؤقتاً " الأستاذ محمد "، كمسؤول عن النشاطات الأدبية. مبنى الرواق يعودُ للعصور الوسطى، مثله في ذلك مثل مدرسة ابن يوسف، الملتصقة به كأمّ رؤوم. هنا وجدَ نفسه مَن سيُضحي، فيما بعد، السكرتير الجديد للخانم السورية. ولعله من النافل ذكر أصل هذه السيّدة، طالما أنّ آخرين من روّاد المكان قد شاركوها به. هؤلاء، في الحقيقة، كانوا حتى وقتٍ قريب هم روح العصبة.. كانوا كذلك، الأعضاء الأهم في جسدها. وهوَ ذا عضوٌ جديد في العصبة سيصرّحُ، كما أسلفنا، بكون جدّه الأول من تجار دمشق. في أول أمسية يحضرها، أثارَ الشابُ اهتمامَ الخانم بوسامته وتألّق حلّته. كان متأنقاً في غير إسراف، بصورة تنم عن ذوقٍ راق. ولكنّ عيباً واحداً في مظهره ( مثلما علمنا أيضاً )، شاءَ عندئذٍ أن يشوّشَ السيّدة ذات النظرة المنتبهة. على أنها سرعان ما صرفت نظرها عن ذلك العيب، بعدما أنصتت لملاحظة من " الأستاذ محمد ". كان هذا، على الأرجح، قد تصيّدَ نظرةَ الريبة، المنطلقة من أدغال العينين الخضراوين.
" أيام فتوّتي، هناك في دمشق، كان الناس يزدرون الشاب المرسل شَعره على كتفيه ويشبهونه بالنساء. بل وكانت الشرطة تلاحق ذوي الشعور الطويلة، أينما صادفتهم، فتعمد إلى قصّها على مشهدٍ من الملأ "، خاطبها المسؤول المؤقت عن نشاطات الرواق. ثم استطردَ وقد شعّت عيناه الصغيرتان، الشهلاوان، ببريق ابتسامة فمه: " إلى أن صار ذلك موضة شائعة، ولحين ظهور نقيضها في أوروبا؛ أي الشَعر المجزوز من الجانبين، الذي جعل الرأسَ أشبه بخوذة الفرسان الرومان! ". أرتاحت لهذه الملاحظة، هيَ من كانت دوماً تتبرّم بشكلٍ خفيّ من ثرثرة الرجل وكثرة استطراداته وفذلكاته. بيْدَ أنه " آلان "، في آخر الأمر، من كان عليه أن يُبدد شكوكَ هذه المرأة بما أظهره من قدرة على النقاش، مُدهشة. جرى ذلك في جوّ مبهج، تخلله في آنٍ واحد الجدلُ الجاد والشطط الهازل. حضورُ الأمسية يومئذٍ كانوا قلة، ولم تلبث القاعة أن خلت منهم. عند ذلك، ألقت الخانم وشاح الكشمير الفاخر على جيدها وكتفيها، قبل أن تسأل الشاب ما إذا كان يودّ التمشي معها نحوَ سيارتها، التي تركتها مركونة عند مدخل باب دكالة.