الصور والأسئلة في -حافة الشغف- لمحمود السرساوي

رائد الحواري
2018 / 2 / 1


الصور والأسئلة في
"حافة الشغف"
لمحمود السرساوي
من جماليات النص الأدبي حضور الصور الشعرية في التشكيل ، فهي من تستدرج المتلقي إلى متعتها، ليبحث فيما عناه الكاتب من نسيج علاقاتها اللغوية، كما أن السؤال دائما ما يجعل المتلقي يتوقف عنده، متأملا، متفكرا فيه، وإذا ما كانت الفكرة التي يطرحها الكاتب ضمن هاتين الحالتين، الصور والسؤال، فلا بد أن نستمتع بما نقرأ ونتوقف عنده متأملين بالأفكار التي يقدمها الكتاب/الكاتب.
من هنا ليست مهمة الكاتب تقديم الإجابة لنا، لأنه يكون بهذه الحال كخطيب الجمعة التي يقدم فيها الخطيب كل شيء جاهز، ملغيا أي مساحة للتفكير عند المخاطبين، بل مهتمة تكمن أولا في امتاع المتلقي ـ حتى لو كانت الأفكار سوداء وقاسية ـ وذلك من خلال اللغة، الأسلوب، الصورة، طريقة التقديم، وأيضا تحفيز العقل على التفكير، من خلال إيجاد تساؤلات تثيره وتستفزه، وهنا فقط يمكن أن نقول أن المتلقي لم يلقن الفكرة/المعلومة، بل هو من استنبطها ووصل إليها بعد جهد وتفكير، لهذا سيكون راسخة فيه، ويستطيع أن يحارب من أجلها.
"محمود السرساوي" شاعر يتقن رسم الصور الأدبية التي تحمل أفكاره، كما أنه يتفنن في إثارة العقل على التفكير، والمشاعر على الانحياز للأخلاق والمثل، لهذا نجد نصه الأدبي مميز، فنحترمه لأنه يخاطب العقل، ويقدم لنا ما افتقدناه، ويمتعنا رغم الألم وقسوة الواقع، كل هذا يجعلنا نقول: أننا أمام نص يستحق التوقف عنده.
هناك العديد من الصور التي تكسر رتابة الواقع، وكأن الشاعر أراد من خلالها أن تكون منسجمة مع نصه المتمرد، الرافض لما هو كائن، من هذه الصور، يقول في ضحكات الثعالب:
"ألم عن النهر رف القبل
ورعش العيون المجرح قبل ارتعاش الشفاه" ص5
صورة تذكرنا بالهجرة القسرية للفلسطيني من وطنه ، فرغم قسوة المضمون إلا أن الشاعر يستخدم صورة تخفف من حدة الفكرة، فهناك فعل "اللم" الذي يشير إلى إعادة التجميع لكن بحنان، وهناك لفظ "القبل" الذي يعطي معنى الحنين والعاطفة، كما أنه هذا اللم يداوي ويخفف من "رعش العيون" من هنا كان "محمود السرساوي" يقوم بدور النبي والمخلص لشعبه من خلال الاعمال التي يقوم بها.
ويقول في "فضاء الراء":
"يكفي أن تطير فراشة منك
لتفتح الأزهار قلبها للمعنى
ويكشف غيبه الغيب ويعتذر" ص41
دائما المرأة، أو مخاطبة المؤنث تكون محببة عند المتلقي، وتعطيه دفعة من العاطفة، فالشاعر هنا يستخدم خطابه للمرأة بطريقة استثنائية، فجعلها تقوم بما تقوم به الربة "عشتار" ربة الخصب، فتتفتح الأزهار، وينجلي الغياب، ليس مهزوما أو مقهورا، بل مقتنعا بأنه كان على خطأ، وهذا يعني بأنه لن يعود بفعل سيء إلى الأبد.
قلنا في موضع غير هذا أن النصوص القصيرة جدا تحتاج إلى قدرات خاصة واستثنائية، حيث أن التكثيف والاختزال واللغة والكلمات وطريقة التقديم كلها يجب أن تكون منسجمة معا، ليكون النص المقدم جميل ومقنع للمتلقي، "محمود السرساوي" يقدم لنا مجموعة من هذا الومضات منها، "أمل" يقول فيها:
"ذات ضوء
ستفتح الجدران صندوقها الأسود
وتطلق أنفاسنا المنسية" ص72
إذا ما توقفنا عند الألفاظ التي يستخدمها الشاعر نجده يهتم ببث "الأمل"، فهو هنا يستخدم فعل "ستفتح" وفي المقطع السابق استخدم فعل "لتفتح" لكل هذا يعطي دلالة إلى الأمل الكامن في الشاعر، فرغم بؤس الواقع إنما ـ كشاعر ـ عليه أن لا يقنط من الواقع وأن يستمر في نشر الضياء رغم السواد.
من الومضات المدهشة ومضة "طائر":
"أخطأته الرصاصة
فا نبرى مسرعا
تاركا قلبه معلقا
على ارتجاف غصن مكسور" ص73.
أي أخلاق هذه التي يحملها هذا العصفور؟، وأي مبادئ هذه التي تجعله يحمل هم "الغصن"؟، نحن في ظمأ لمثل هذه الأخلاق والمبادئ، وإذا ما توقفنا عن المشهد بمجمله سنجد جريمة الصيد تحدث في الطبيعية، في منطقة هادئة، من المفترض أن تمنحنا الجمال والراحة والسكينة، لكن دوي الرصاصة وما فعلته في العصفور والغصن" تعد جريمة متعددة الأوجه، فهي أرعبت العصفور، واصابت الغصن، وحولت هدوء الطبيعة إلى عنف وصخب وازعاج، ونحن المتلقين للنص أصابنا الألم والهم لما حدث للعصفور وللغصن.
يركز الشاعر على التشويهات التي تأتي من الخارج، فالواقع الافتراضي عنده هو الحياة الطبيعية للإنسان وللطبيعة، وحتى للجندي الذي يقف لحماية الأرض والإنسان، وليس الاعتداء على الأخرين، يقدم لنا مشهد المقاتل في
"انفاس الجندي المتعب":
"تساءل الجندي المتعب خلف الساتر
ما الذي يستفز قوائم الغبار!؟" ص86.
من العناصر التي تخفف من وقع الحال على الشاعر/الإنسان الكتابة والقراءة، بالإضافة إلى المرأة، والطبيعة، والثورة ،"محمود السرساوي" يقدم لنا هذه المخففات في "حافة الشغف":
"سطران يندفعان خلف القميص
ما أوسع القراءة" ص93.
السطران هنا سطرا كتابة وشيء أخر مرتبط بما تملكه المرأة من إثارة، وهما يتمردان/يثوران على القميص، فيكون تمردهما محفزا للآخرين ليتقدموا من هذه الثورة ليتعرفوا عليهما أكثر، وهنا يكون الشاعر قد جمع كافة العناصر المخففة والمهدئة في هذا المقطع، لكنه لم يقدمها بشكل مباشر/سافر، بل بطريقة أدبية مذهلة وجميلة وممتعة.
المرأة تأخذ دور حيوي في "حافة الشغف" لهذا نجد الشاعر يقدمها كأنها شيء خارق، يتجاوز القدرات العادية للناس، يقول:
"مدي يديك كي تتنفس الأيام" ص94.
بالتأكيد المرأة هي من تستطيع أن تجعل حياتنا فرح، لكن الشاعر هنا يعطيها شيء من صفات عشتار، فهي من تهب الحياة والخصب للطبيعة والناس معا.
عندما يكون الشاعر وحيدا بلا أنيس سيصاب بشيء من اليأس، يقول:
"الذهاب يخيفني
ورائحة الرجوع
تملأ قلبي بالبكاء" ص 101.
أي ذهاب المقصود هنا؟، هل الذهاب يعني الابتعاد/الهجرة عن الحبيبة/الوطن؟، والرجوع هل المقصود فيه، العودة لهما؟، اعتقد أن هذا هو المقصود، ففي حالة الذهاب/الهجرة، تكون مشاعر الخوف من فقدان المكان وما عليه وما فيه حاضرة في نفس الشاعر، لكن في حالة الرجوع/العودة تكون حالة المشاعر التي تنتظر للقاء جياشة، من هنا نجده يبكي كتعبيرعن الفرح بهذه العودة/الرجوع.
الواقع السياسي حاضر في "حافة الشغف" لكن كيف يقدمه لنا "محمود السرساوي"؟، دائما نقول أن الطرح/الخطاب المباشر غير مستحب، مهما كان الموضوع حيويا، لهذا على الكاتب أن يجد مخرج ما يتحدث فيه عن أراءه السياسية، فكيف وجد الشاعر هذا المخرج؟.
يقول في "بدايات النشيد الأخير":
"فقل يا رفيقي لماذا السفر
لماذا الرحيل لجرح أريحا
وغزلان غزة تحت الحصار" ص55.
الشاعر يوضح لنا موقفه الرافض من "أوسلو" لكنه جاء بطريقة غير عادية، فهو هنا يتحدث عن جرح في أريحا، وغزلان محاصرة في غزة، وكأنه يقول بأن الواقع/واقعنا لم يتغير.
الديوان من منشورات دار كنعان للنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى 2002.