في تغليب العداء للكُرد على العداء لنظام آل الأسد وحماته

جلبير الأشقر
2018 / 2 / 1


إن إطلاق الجيش التركي تسمية «غصن الزيتون» على اجتياحه للأراضي السورية وهو يعلن عزمه على تشكيل «منطقة آمنة» بعمق ثلاثين كيلومتراً يذكّرنا لا محال بإطلاق الجيش الصهيوني تسمية «السلام للجليل» على اجتياحه للأراضي اللبنانية سنة 1982 وهو يعلن عزمه على تشكيل «منطقة آمنة» بعمق أربعين كيلومتراً. ولا يتوقف الشبه عند حد التسمية المنافقة والغاية المعلنة. فالجيش التركي يدّعي تحرير العرب السوريين من سطوة «الإرهابيين» الكُرد مثلما ادّعى الجيش الصهيوني تحرير اللبنانيين من سطوة «الإرهابيين» الفلسطينيين.
وفي الحالتين شبهٌ أيضاً، والحق لا بدّ أن يُقال، في كون ممارسات قوات «وحدات الحماية الشعبية» الكردية لا تخلو من التسلط الذي تحاول تركيا استغلاله مثلما حاولت إسرائيل استغلال الممارسات التسلطية لبعض قوات «منظمة التحرير الفلسطينية» في جنوب لبنان. ويمكننا أن نضيف إلى أوجه الشبه تلك أن الجيش التركي تهلل له وتتواطأ معه أطراف سورية بعضها سعودي التمويل وبعضها تركي الولاء، مثلما هللت للجيش الصهيوني وتواطأت معه أطراف لبنانية أمريكية التمويل وإسرائيلية الولاء. هذا وناهيكم من الوحدات التركمانية السورية العميلة لتركيا مثلما كان جيش أنطوان لحد عميلاً لإسرائيل، باستغلال العرقية في الحالة الأولى والطائفية في الثانية.
وقد بدأ كاتب هذه السطور مقالاته الأسبوعية في «القدس العربي» بمقال صدر يوم السابع من أيلول/سبتمبر 2016 تحت عنوان «عن تدخل الدولة التركية في سوريا» جاءت فيه من بين ما جاء فيه، المقارنة الأخرى التالية:
يندرج تدخل الدولة التركية على الأراضي السورية في نمط من التعامل مع الجوار العربي ينتمي إلى منطق «سياسة القوة» (Machtpolitik) بانتهاك القانون الدولي، وهو ما اتبعته الدولة الصهيونية. إذ تسمح الدولة التركية لنفسها بالتدخل العسكري على أرض البلدان المجاورة متى تشاء وكيفما تشاء سعياً وراء ضرب أعدائها. ومثلما اعتادت الدولة الصهيونية على ضرب أعدائها الفلسطينيين واللبنانيين على أرض الأردن في الأمس وأراضي لبنان وسوريا حتى اليوم، اعتادت الدولة التركية على ضرب أعدائها الأكراد المتواجدين في شمال العراق (كردستان العراق) منذ أن قوّضت الولايات المتحدة قوة الدولة العراقية وشلّتها في حرب سنة 1991. وها أن أنقرة تنقل هذا السلوك إلى الأرض السورية: وإذ أن هجومها لا يتعلق بدعم الثورة السورية على الإطلاق، بل يستهدف أعداءها الأكراد كما ذكرنا، فإنه ينسجم انسجاماً تاماً مع سلوكها على الأراضي العراقية. (انتهى الاقتباس)
هذا وهل ننسى أن منطقة عفرين التي يجتاحها الجيش التركي اليوم منطقة محاذية للواء إسكندرون الذي اقتطعه الاستعمار الفرنسي من الدولة السورية عندما قسّمها إلى خمس دويلات بين الإقليمية والطائفية (مع اقتطاع «لبنان الكبير» من العمق السوري)، ثم سلّمه لدولة مصطفى كمال التركية؟ وهل ننسى أن الدولة الكمالية قامت على التعصّب القومي التركي الذي غدا الشعب الكردي ضحيته الأكبر، فتعرّض لعقود من حروب الاضطهاد خاضها ضده الجيش التركي بمباركة من حلفائه في الحلف الأطلسي وحليفته إسرائيل، هل ننسى؟
وهل نتغافل عن كون رجب طيب أردوغان قد بدّل أولوياته في سوريا من دعم المعارضة لنظام آل الأسد إلى الحرب على الكُرد بعد أن خسر الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية الأولى سنة 2015 (حزيران/يونيو)، فنظّم انتخابات ثانية بعد خمسة أشهر وبعد أن تعمّد إعادة شنّ الحرب على الحركة القومية الكردية ليستعيد أصوات التعصب القومي التركي التي كان قد خسرها لصالح «حزب الحركة القومية» الفاشي. والحال أن حزب أردوغان، «حزب العدالة والتنمية» بات متحالفاً مع «حزب الحركة القومية»، والحزبان يدعوان اليوم حزباً ثالثاً إلى الانضمام إلى جبهتهما، هو «حزب الاتحاد الكبير» الذي ينسجم معهما تمام الانسجام إذ يجمع بين التعصب القومي الفاشي والنزعة الإسلامية المحافظة.
وإن كان ممكناً أن يُعذر من كان يعتقد في أواخر صيف عام 2016 أن الحكم التركي يجتاح الأرض السورية دعماً للثورة السورية، بينما كان يدخلها بضوء أخضر من روسيا بعد انبطاح أردوغان أمام فلاديمير بوتين معتذراً عن اسقاط طائرة من طائرات القتل والتدمير الروسية ومتخلّياً في الآن ذاته عن مساندة المعارضة السورية في شرقي حلب، فإن لا عذر لأحد اليوم في التعامي عن أن موسكو، عرّابة النظام السوري، هي التي منحت وللمرة الثانية ضوءًا أخضر لأنقرة كي تخوض حربها على الشعب الكردي على الأرض السورية.
أما الغاية من هذا الضوء الأخضر فهي جلية: إنها مناورة مضادة لاستراتيجية واشنطن القائمة على الاتكال على القوات الكردية وحلفائها العرب في الأراضي السورية الواقعة شرقي نهر الفرات، فضلاً عن منطقة منبج، الاتكال على تلك القوات سدّاً منيعاً ليس أمام إعادة إنشاء تنظيم داعش قواعد له في تلك المنطقة الشاسعة وحسب، بل أيضاً وخاصة أمام امتداد سيطرة المحور الإيراني/الروسي/الأسدي عليها بما يستكمل تواصل مناطق سيطرة طهران، التي تكنّ لها الإدارة الأمريكية الحالية شديد العداء، من حدود إيران الغربية حتى البحر الأبيض المتوسط. ولا يجوز لأحد أن ينكر أن لا بديل اليوم عن سيطرة «القوات الديمقراطية السورية» المدعومة أمريكياً شرقي نهر الفرات سوى سيطرة المحور المذكور.
والحقيقة هي أن الحكم التركي، من حيث يدري أو لا يدري، بات أداة تستخدمها موسكو في استراتيجيتها الرامية إلى إحكام السيطرة على شرقي نهر الفرات، وهي منطقة لا يستطيع المحور الإيراني/الروسي/الأسدي اجتياحها في الوقت الراهن لسببين: أضعفهما بسالة المقاتلين الكُرد، وأقواهما دعم واشنطن لهم. فحيلة موسكو هي أن تجعل تركيا، وهي من أركان الحلف الأطلسي، تعبّد الطريق المؤدية إلى تلك الغاية الأساسية. وتراهن روسيا على أن ذلك سوف يزيد من إحراج الموقف الأمريكي في اتكاله «غير الطبيعي» («العبثي» حسب قول منسوب لدونالد ترامب نفسه) على القوات الكردية في الشمال الشرقي، وهي قوات تنتمي إلى طرف طالما صنّفته واشنطن بين «الإرهابيين»، وقد اعتادت على دعم حرب حليفها التركي ضده مثلما تدعم حرب حليفها الصهيوني ضد «الإرهابيين» الفلسطينيين واللبنانيين.