رسالة ٌ إلى أمٍ -مؤمنة-

إلهام مانع
2018 / 2 / 1


صَعُب علي ما تفعليه.
لم افهمه.
اوجعني.
كيف يمكن لأم أن تقاطع إبنها.
لا تأكل معه.
تترك الطاولة عندما يَّنظم إلى سفرة الطعام.
لا تحدثه.
تتجاهل كلماته.
يتحدث، فلا تسمع. تسد أذنيها.
يوجه لها الخطاب، ينظر إليها مستعطفا، فتَشيح بوجهها عنه.
كأنه سراب.
كأنه هواء.
كأنه غير موجود.
كأنه لم يخرج من رحمك؟
"مات إبني." قلتيها له هكذا.
ميتٌ رغم انه حيٌ يُرزق؟

وكل هذا لِمَ؟
لأنه لا يؤمن؟
لا يؤمن بدينك؟
تريديه أن يؤمن غصباً عنه؟
لم يشفع له حبه لك.
لم يشفع له حبك له.
لم يشفع له أنه كان نور عينيك، ومهجة قلبك، والأبن الذي تدليله.

ولعلك ندمتي.
لعلك قلت لنفسك، هو حبي الزائد الذي اخرجه عن الصواب.
لعلك لمُتي نفسك على رحمتك وتدَليلك له.
ولعلك صدقتي نفسك، وانت تلوميها على حبك لابنك.
ومنذ متى كان الحب ذنباً؟ منذ متى كان الحب يُفسد؟
هي الكراهية التي تفسد.
و النبز بكلام يقطر سماً على أسماع من لا يؤمن بما تؤمنين.
هي الكراهية التي تشق قلب الأم، تحوله حجراً، ثم تقلبه على أبنها.
لأنه لايؤمن.

إبنك يفكر.
ومن حقه أن يفكر.
إبنك يقول، "زماني يختلف عن زمانك."
"عقلي ورؤيتي تختلف عن رؤيتك."
إبنك يقول "لَكي قرأت كتباً كثيرة أقنعتني بما لا تؤمنين به."
إبنك يقول لك "لكَي دِينكي ولي ديني".
ما المشكلة في هذا؟
هل تغَصبيه على الإيمان؟
تدسيه دساً في حلقه، وقلبه؟
غصباً عنه؟

الدين الذي يخاف من التفكير، ويضطر إلى قمع من يُفكر في تركه، ليس ديناً.
دينٌ ضعيف.
هش.
يعرف أنه لن يقوى على مواجهة افواج الأفراد التي ستتركه لحظة يُرخي الجلاد سيفه.

ثم بالله عليكي، أي دين هذا الذي يقول لأم ان تكره إبنها، أن تقاطعه في المأكل والمشرب، أن لا تحدثه، حتى يؤمن؟
بدعه ادخلها على الدين شيخ السلفية الوهابية محمد عبدالوهاب؟
أم هي جزء أصيل من دين المدينة؟
لعلك لا تعرفين ذلك عني.
أنا أفرق بين الدين المكي للرسول الكريم، ودين المدينة المنورة في عصر النبي (تجدين المقال الذي تحدثت فيه عن الفرق في نهاية هذا المقال).
لست اول من قال ذلك.
فالمفكر السوداني محمود محمد طه دفع حياته في الثمانينات في السودان ثمناً لهذا الرأي.
رأي يبدو لي مخرجا من الدوامة التي نعيش فيها.
مخرج لمن يريد أن يؤمن.
مخرج لمجتمعاتنا من حالة الجنون التي حطت علينا.
مخرج يقول لنا إن الدين المحبة. والدين المكي للرسول كان بشكل عام هكذا.
مخرج يؤمن بحرية الدين والعقيدة.
ومخرج ينأى عن القواعد والشرائع التي ُسنت خلال فترة المدينة، ويريد كهنوت الظلام إحيائها في عصرنا.
محمود محمد طه قالها ببساطة: "تلك القواعد والشرائع انتهى زمانها بموت الرسول".
راح زمانها.
اليوم هو زمان إحترام الإنسان، إرادته وحريته. أن يكون. يكون كما يشاء. يؤمن أو يلحد. حقه، شأنه.
ليس هناك تناقضاً بين الإيمان بالرحمن، وإحترام إرادة الإنسان، كرامته وحريته.

تقولين انك تخافين ان يحاسبك ربك على عصيان إبنك. أنك ستحملين وزره. "كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته"؟
تقولين إن إيمانك بالله ورسوله لايكتمل حتى يكون إيمانك وحبك للرسول اشد من حبك لنفسك ولابنك؟
تقولين هو دين الرحمن الذي يوصيني بفعل ذلك كي اعيد إبني إلى جادة الصواب.
ترددين علي بأن مبدأ الولاء والبراءة الذي خرج علينا به الشيخ محمد عبدالوهاب، هو جزء اصيل من دينك.

ذكرتيني بتلك الأم التي تركت إبنها يضرب إبنتها التي اصرت على خلع الحجاب.
إبنتها تركت شعرها مرة مفتوحا، و شعرت لأول مرة في حياتها بالهواء يتخلل شعرها، يحنو عليه ويداعبه. فقررت ان لا تحجب الهواء والشمس عنه مرة اخرى. خلعته.
كان قرارها.
لكن أمها عاقبتها، وتركت أبنها يضربها، وتقول: "كل ما أخشاه أن اُحُاسب بذنبها في الآخرة".
وضَرب إبنها لإبنتها ليس ذنبا؟
وقمعها وترَوعيها ليس ذنبا؟
إجبارها على ارتداء الحجاب ليس ذنباً؟
ثم اي رب هذا الذي يطلب من المؤمنين به ان يؤذوا أبنائهم وبناتهم بإسم الإيمان غصبا؟


أذن أعود إليك يا من تقاطعين إبنك، وأرد عليك، لعل ما تفعلينه وتُقولينه هو جزء أصيل من الدين كما تؤمنين به.
ولَعلكي لم تكوني تؤمنين بالدين هكذا قبل المد الوهابي بعد الصحوة.
ذاك المد الذي اخرج أسؤأ ما فينا وما في الدين.
ارد عليك اكثر.
أن الله يَجب، أكررها، يَجب أن يكون حباً وخيراً.
وإذا لم يكن الله حباً وخيراً للإنسان، يحمي كرامته وحريته، فلاداعٍ له.

الله المحبة.
الله الخير.

أما الرب الذي يطلب من المؤمن أن يقاطع إبنه، أن يعتبره ميتاً، لأنه فكر لنفسه، هذا الرب ليس رباً.
بل خيالٌ إبَتكره بشر على صورة إنسان. إنسان قاس. لا قلب له.

الرحمن
يرأف بخلقه.
يحنو عليهم.
يخاف عليهم.
يحبهم.
يحبهم.
ليس رب كراهية.


صَُعب علي ما تفعليه مع إبنك.
كثيراً.
فانا أم ايضاً.
اعرف ما يعنيه حب فلذة القلب.
وأعرف أيضاً أني لم أنجب أبنتي لي.
"أولادكم ليسوا لكم. أولادكم أبناء الحياة". قالها لنا جبران خليل جبران من قبل.
إبنتي ليست ملكاً لي.
حياتها ملكها هي.
تعيش حياتها كما تريد.
وتؤمن وتكفر بما تريد.
هي إبنة الحياة.
حياتها هي.

ولذا، أمنتك برب المحبة أن تتذكري حبك لإبنك.
وأن تنسي الهراء الذي حشوا عقولنا به.
الرحمن يُحب.
ومن يُحب لا يمكن أن يفرق بين أم وأبنها لا لشيء سوى أن إبنها قرر أن يكون،
يكون كما يريد.



وصلة مقال نصوصنا السماوية نحترمها، لكنها بشرية (3)
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=294512