الميل السلفي الديني المزمن في الخشية من التجديد والتغيير

عباس علي العلي
2018 / 2 / 1


لو كان الله تعالى راغبا أن تبقى الحياة ومعها الوجود الكلي كما هي أو لم ينص في النص الوصفي الذاتي له على أنه كل يوم في شآن أي كل يوم في حال غيري وفقا لمبدأ الحاجة والملائمة والضرورة, هذا التبدل والتغير لا يعني أبدا أن حال الله المطلق الثبوتي سيهتز ويتداركه المزاج أو العوامل التي لا تتلائم مع رؤية الله الشمولية للوجود وهي رؤية مسبقة وقديمة وثابتة أزلية، لكن مراد التغيير هنا وارد على أن منح الحركة نوعا من الحرية إنما كان لغرض التخفيف والتيسير على الموجودات بما فيه الإنسان لأنه أراد بكم اليسر ولك يريد بكم العسر، بل وأيضا أن التغير في الشأن المقصود في التحرك والتقدم في المحيط الواقعي مع التجربة وليس بالذات، لأنه قال في شآن ولم يقل بشآن والفرق كبير في المعنيين الأول حولي خارجي كما في قولنا يسبح في النهر, تعبير وصفي عن الحركة هنا ويكشف لحركة مزدوجة الأولى ذاتية مع ثبوت الجسم بالشكلية ولكن النهر متحرك متغير ومتبدل نتيجة الحركة مع عدم بقاء الشكلية وهو الثاني, أما قولنا يسبح بالنهر يفيد التحديد لذا قال الله تعالى في جنة نعيم ولم بجنة نعيم لأن الباء وضعية والـــ في وصفية.
المهم هو في كل يوم يتحرك ويقود المخلوقات أو يجعلها في تغير هذا التغير الضروري والحركة تحديدا هو في محل الشأن الموصوف في كلام الله، وإلا لفسدت نظم المخلوقات نتيجة السكون والتوقف وعدم تجديد شروط البقاء الدائم وأهمها الدوران في عالم بلا حدود عالم حر يمضي نحو غائية غير مرئية له، وإن كان الفوق عارفا بها ومتوقعا لكل شيء أن يصل لها في النهاية, لذا عندما نقول أن الدين منجز إنساني متحرك إنما نشير بنفس الحركة تلك التي تقود الإنسان والوجود والخارج والداخل وأيضا الحركة الشمولية بالجوهر المكنون عبر الكينونة الأولى، كينونة التحول من وإلى ومن ثم إلى المن الأولى.
السؤال المحير هنا إذا كان الدين والأخلاق والمعرفة عموما ليست إلا منجز بشري متحرك وأن الإنسان هو من أكتشف وأمن بها كما هي، وقد عززها الله برسل ورسالات وكتب وأحكام وقضايا وتجربة تجمع كل ذلك ومرهونة بالمحصلات النهائية لها، لماذا لم يصمد الإنسان على منهجه الأول ويستمر بالتصاعد في إكمال وإتمام التماهي والتوافق معهما, الحقيقة أن الإنسان لم يترك الدين ولا الأخلاق ولا يستطيع أن يفارقهما بأي حال لأنها ضوابط تنظيمية عرفها وجربها وأثبت يقينا على أهميتها, المشكلة إذا تكمن في فهمه لصورة الدين والأخلاق والدور الذي يمكنهما أن يؤدياه وجوديا وفهمه كيف يسخرهما كي تتوافق مع متطلبات وجوده, هذا هو سر الاختلاف والتفرق بين دين السماء ودين الأرض في عملية التجديد والتطور والتغيير في الحركة ولأي أتجاه تسير, الله يريد من الدين السلام والمحبة والخير والرحمة وبينما الإنسان يريد العلو والتفرد وأحيانا حتى المزاحمة مع الرؤية الفوقية لإقناع الأنا المتضخمة لديه وكل ما يسد شهواته ونزواته حتى لو أضطر أن يركب دين الله بالمقلوب، أو يضرب به عرض الحائط لكن بالمقابل يحاول أن يصنع له دين من طبيعة ما يشتهي ومن طبيعة توافق حسياته السلوكيه وهذا ما يسمى تدينا فطريا حتمي لا يفارق الإنسان في حياته, وحتى الذين لا يؤمنون بالله لهم عقيدة ودين وفق مقتضيات ما انتجت مقدماتهم وما توافقت عقولهم عليه, الدين ضرورة وجودية للإنسان مصدرها الفطرة الجينية.
لاشك أننا لا ننكر أن هاجس التغير هاجس بشري أصلي كما أن روح المحافظة على النظام والبقاء تحت ظليه واحدة هي عادة توارثتها كل السلالات البشرية, الصراع يحتدم بين الهاجس وبين العادة وبما أن الإنسان في طبعه الأصلي أكثر ميلا للاستقرار ما لم يواجه خطر وجودي يبقى هاجس التغير محدود، لكنه يتحسس الفرص وتقل أهميته فعله مع رغبة المجتمع بالتقوقع داخل ألإطار الذي يمنحه نوع من الديمومة في توفير العمل والغذاء، ويبعد عنه عامل التوجس الأول المتمثل بالخوف من الغيب, فمتى ما أمن أن الكينونة الغيبية لا تخترق جذريا ولا تمثل له خطر ولا تضعه موضع الابتلاء يولد لديه شعور أن ما لديه من رؤية لا بد أن السماء بكينونتها الغيبية راضية عنه، وبالتالي المحافظة على هذا الرضا أوجب من البحث عن ما لا يمكن أن يكون أكثر قبولا عندها من الموجود بين الأيادي.
قمع الإنسان حركة التغيير لديه وفق ما تحصل لديه من قناعة بأن الحركة غير وجوبية سواء أكانت ذاتية فردية أو ذاتية جماعية، وأحيانا يصل القمع ليس في حدود الرفض فقط بل تتعدى إلى المقاومة الفكرية والمقاومة المادية التي تتخذ أشكال عديدة، منها أنه يتمسك بالحدود العليا من الأقلي والحدود الدنيا بالأكثري فيوسع دائرة المحرمات فيما يقلل من دائرة المباح ظنا منه أنه يحمي قناعته الذاتية من عوامل التطور والحركة الوجوبية داخل الحركة الذاتية، ليتحول من إنسان ايجابي ملزم عقلا أن يتماشى مع قوانين الحركة والزمن إلى الحد الذي يرفض فكرة الزمن وحركته أصلا، ويدافع عن نظريته السابقة ( ما نجح مرة بالقوة الذاتية أن في الإمكانية أن ينجح كل مرة ) نافيا أن تكون للزمن والبيئة والتطور العقلي أثار فاعلة.
الصراع إذا بين التجديد والبقاء على السلفية التقليدية ليس هو صراعا بدوافع عقلية بحته ولا منشأها تخلف العقل البشري عن قابلية التطور والانطلاق، وليس له علاقة بالتركيب الجيني للإنسان المتمسك بالبقاء بل أساسه حسي نفسي يقنع العقل المستكين ويكبح الرغبة بالانتقال من عالم ساكن لا يشكل خطر ولا خوف إلى عالم احتمال أن نتعرض فيه للقبول الغيبي عن شكلية العبادة، والتي يفترض الإنسان أنها متوافقة مع إرادة السماء، فهو هنا يحارب التغيير لأجل الله ولأجل رضاه على ما يعتقد ويظن، ولذلك نرى أن دوافعه النفسية الحادة جدا قد تولد موجة من السلوكيات المدمرة أحيانا لأنه يدافع عن ما أمن به ووفر له الأمن والعمل والغذاء .
العقل أحيانا كقوة تتأثر بالمتغيرات وباقي القوى الفاعلة حسب قدرته على المقاومة داخل الشخصية الإنسانية قد تستكين تحت ظروف قاهرة وتقل فاعليته في مواجهة المقدس، ما لم يقتنع تماما بمعطيات ومؤديات أكبر من قدرة وقوة هاجس الخوف والقداسة في أن يتحرك وفقا لما يراه ويرتضيه ويعمل على تجسيد ذلك, لذا فإن استنهاض قوة العقل مرتبطة بقوة العامل المثير الضدي له هذا العامل الذي يجب عليه أن يقنع العقل باستحقاق التحرك دون خرف من انتهاك المحرم القدسي, وهذا الميل هو الذي يركز عليه الكهنوتيين دوما في سعيهم لفرض العبادة التقليدية وتحرير مخرجاتها على أيديهم دون خوف من مقاومة العقل لها, لذا فإن منهج توسيع المحرمات في دائرة الأقلي منهج معتمد في كل الديانات التي ظلت تراوح محلها دون أن تنطبق ينفس التعجيل الذي نشأت به.
التركيز على المحرم والتشديد على توصيف أشباه المحرمات وأشاعتها وأعطاءها طابع الانتهاك لذات الله مثلا كما في السلفية الإسلامية التقليدية، يركزون على التوحيد أكثر من كل الأركان ومحاولة تجميع الكثير من الممارسات التي تتصف أحيانا بالشبهة البسيطة التي لا تقارب انتهاك ركن التوحيد على أنها مساس بذات الله، وتحطيم لأساس الدين وبالتالي الوقوع تحت طائلة الكفر والخروج من الدين، في حين أن الدين إيمان قلبي لا يمكن أن ينتزع مجرد أن يخطأ الإنسان في التقييد به أشتباها أو إهمالا, في الوقت الذي تنتهك أركان أقوى وأعظم من هذه المحرمات كالعدل وحق الإيمان بحرية، فأنه لا يهتم لها السلفي لأنها لا تثير نفس عامل الخوف في العقل كانتهاك العدل والنبوة أحيانا وبنفس الطريقة وأشد.
فقد توقف الحركة والتغيير في مكامن الحركة بالنظام الديني أكثر وجودا وأشد مظهرا منها في الأخلاق وخاصة إذا كانت بعض الأسس الأخلاقية لا تستمد فاعليتها وأثرها من الحس الديني, هذه الأسس أسرع ما تتبدل وتتحور وتلائم متطلبات عنصر الزمن، أما لو كانت هذه الأخلاقيات لها خصوصية أو أمتداد مع الدين أو ذات صلة به نشهد لها جمودها وتخشبها تبعا للفهم الديني وتأثيرات الحس النفسي عليها, هناك أمثلة حية وكثيرة ومباشرة تعزز هذا القول وتشير له بشكل مباشر وغير مباشر, الحركة والتجديد تتسارع في تفاصيل مدنية أكثر وهذا سبب أضافي يؤكد أن التحجر العقلي الذي يوصف به أصحاب العقليات السلفية الدينية غير صحيح ومغالى كثيرا فيه دون حجة عقلية أو منطقية سوى إرادة العقل وميله التقليدي, فلو كان العقل متحجرا أو ذو قابلية على عدم الحركة والمرونة سنشهد لهذه الخاصية وجودا في كل محالات الحياة التي يقررها العقل، لا في الجانب الديني فقط وهذه نقطة أخرى تعزز حسية القرار العقلي بعدم الخوض بالتغيير الديني مدفوعا بأسس نفسية قاهرة.