كتابي الفِضيّ: (نهم يصنعون الحياة)

فاطمة ناعوت
2018 / 2 / 1

لا أُصدّقُ أن سبعةَ عشر عامًا قدّ مرّت كأنها إغماضةُ عينٍ في لحظة وَسَنٍ صَبيّةٍ، ثم شُخُوصها في لحظةٍ كَهول، على واقعٍ آخر!
سبعةُ عشرَ عامًا تفصلُ كتابي الأولَ، عن كتابي الفِضِّيّ، الخامس والعشرين، الذي بين يديّ الآن؟! ما أسرعَ الزمن، ويا هولَ ما نتبدّل بين السنوات! “نقرةُ إصبع"، كان عنوان كتابي الأول الصادر2001، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وفيه تأملتُ كيف يمكن للعالم أن يتبدّل بنقرة إصبع على باب مهجور، على قلم متمرّد، على زناد مسدّس، على كتفٍ مُجهَد، على أوتار قيثارة ….. حرفٌ يكتبه قلمٌ بين إصبعي قائد عسكريّ بقرار حرب، قدّ يُدمّر العالمَ. حرفٌ يكتبه قلمٌ بين إصبعيْ عالِمٍ في معادلة كيميائية قد تُنقذُ البشرية من الطاعون، حرفٌ يكتبه شاعرٌ قد يغيّر مصيرَ أمّة، نقرةٌ على زرّ بيانو قد تكون نغمة البداية في سيمفونية عظيمة تُبدّلُ وجه الأرض، "نقرةُ إصبع" الحبيبة على باب عاشق حزين، قد تُنقذه من الموت وحيدًا. وتلك المرأة تجلس أمام الكرة الأرضية، وتفكّرُ: لو أنها أدارتِ الكرة الأرضية بنقرة من إصبعها، عكسَ اتجاه دوران الأرض المعتاد، ربما عاد الزمن للوراء، فتمنعُ موتَ أبيها، وموتَ أمّها، وموتَ قِطّتها، وموتَ فراشاتِها، وموت عصافيرها، وموت زهورِها، ربما غدا الكونُ أجملَ لو اختفى منه الموت.
وأما كتابي الجديد: “إنهم يصنعون الحياة"، الصادر هذا العام 2018 عن دار "روافد". وهو حصاد تأمل ثمانية أشهر قضيتُها في "كوكب الإمارات". لم أنشغل بناطحات السحاب والنافورات الراقصة والشوارع النظيفة. إنما شُغِلتُ بالطيور الصادحة التي جمعها "الشيخ زايد"، رحمه الله، من شتّى بقاع الأرض حتى يتدّربُ الطفلُ الإماراتي على سماع الشدو والصدح العذب، فينشأ إنسانًا نبيلا يُتقنُ "فنون الإنسانية". "إنهم يصنعون الحياة"، عن طريق "بناء الإنسان”.
ولمَن يا تُرى أهديتُ كتابي هذا؟ نعم، أصابَ حدسُك أيها القارئ العظيم. أهديتُ كتابي الفِضّيَّ لُأمي الطيبة: “إلى مصرَ ...أحلُمُ أن أراكِ يومًا كما يليقُ بكِ أنْ تكوني. إليكِ يا مصرُ خارطةُ الطريق، في هذا الكتاب الصغير، عن دولةٍ شيّدتْ مجدَها بالحبِّ. فانهضي يا حبيتي من كَبوتِك … واستعيدي بالحبِّ مجدَكِ المهدور. فاطمة ناعوت"
أما تصديرُ الكتاب، فكان بقلم مثقف. قلم سموّ الشيخ: “عبد الله بن زايد آل نهيان". وزير الخارجية الإماراتي المستنير، ووزير الثقافة سابقًا. قال فيه:
"تذكرتُ، وأنا أقرأ مخطوطةَ الكتاب، كيف كان الوالدُ، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب اللهُ ثراه، يُخبرنا بأنه كان يخرج أول الصباح ليتفقّد المشاريعَ في أبو ظبي وغيرها وهو يقود سيارتَه بنفسه، يرافقُه جمعٌ من المسؤولين، لإرسال رسالة بأنهم محاسَبون على أعمالهم. وفي كتابها الجميل، "إنهم يصنعون الحياة"، تحدّث فاطمة ناعوت عن التسامح في دولة الإمارات، وقالت إن السبب وراء ذلك كلمتان سحريتان: “التعليم، وتطبيق القانون". وأقول لها إنه لا يوجد خيارٌ آخرُ للبشرية سوى التسامح. فغيابُه يعني الدمار الشامل. ويكفي أن ينظر أحدُنا حوله ليرى كيف انهارتْ دولٌ، وشُرِّدَت شعوبٌ، وأُبيدت جماعاتٌ وحضاراتٌ؛ فقط لغياب التسامح. فعندما يعتقدُ شخصٌ ما بأنه هو وحدَه من سيدخل الجنّة، وهو فقط من يستحقُ الحياة، فإنه يتحوّل إلى وحشٍ بائس، يقتاتُ على مآسي الآخرين؛ فيقتلُ الأطفالَ، ويُفجِّر دورَ العبادة، ويدعسُ بظلاميته على كلِّ ما هو إنسانيّ. لقد كان نهجُ الشيخ زايد، منذ بداية تأسيس الدولة، احترام الآخر أيَّا كان عِرقُه أو دينه؛ ففتحتِ الإماراتُ أبوابَها للعالم أجمع، وتحوّلت إلى قِبلة للحياة الكريمة. أودُّ أن أتقدّم للأستاذة فاطمة ناعوت بالشكر لانشغالها بتجربة الإمارات الحضارية، التي على الرغم من حداثة سِنِّها، إلا أنها قدّمت نموذجًا عربيًّا وعالميًّا يتماهى مع مع روح القرن الحادي والعشرين. وإنني أرجو أن تُلهِم تجربتُنا دولًا شقيقةً وصديقة، لن نتوانى عن العمل معها للنهوض بشعوب الأمة العربية، وبناء مستقبل جميل لنا، وللأجيال القادمة.”
أدعوكم إلى حفل توقيع الكتاب بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الأحد 4 فبراير، الساعة الخامسة عصرًا، بخيمة اتحاد الناشرين.