من أخلاقيات الأزمنة الصعبة

طارق المهدوي
2018 / 2 / 1

من أخلاقيات الأزمنة الصعبة
طارق المهدوي
نحن نؤمن كغيرنا بأن حفاظ الإنسان على حياته يأتي في حد ذاته كحفاظه على حياة غيره ضمن الفضائل الأخلاقية ومع ذلك يجوز للإنسان الأخلاقي التضحية بحياته في ظروف معينة أثناء الأزمنة الصعبة، سواء لتحقيق مجموعة فضائل أو لمنع مجموعة رذائل مما يستحيل تحقيقه أو منعه دون التفريط في الحياة مثل فضيلة المقاومة لمنع رذائل القهر والغش إما بهدف القضاء عليهما كظاهرتين عامتين أو بهدف منع الإنسان الأخلاقي لذاته من المشاركة في ارتكابهما، أو على الأقل بهدف إنقاذ الإنسان الأخلاقي لحياته نفسها عبر تضحيته بها من آلام جسدية ونفسية واجتماعية ناجمة عن القهر والغش لاسيما لو لم يعد بمقدوره علاج تلك الآلام أو تحملها!!.
ونحن نؤمن أيضاً كغيرنا بأن القهر والغش يأتيان ضمن الرذائل الأخلاقية ومع ذلك يجوز للإنسان الأخلاقي ممارستهما في ظروف معينة أثناء الأزمنة الصعبة، مثل اضطراره لغش من يقهره أو لقهر من يغشه وحدهما دون سواهما كوسائل غير مباشرة للمقاومة تنتهي بالقضاء على القهر والغش أو بمنعهما عن الإنسان الأخلاقي وصولاً إلى حفاظه على حياته الذي يأتي ضمن الفضائل الأخلاقية، علماً بأن القهر لا يقتصر فقط على الممارسات الضاغطة التي تضطر الإنسان المقهور لفعل ما يكرهه من أفعال غير مستحقة لكنه يتسع ليشمل أيضاً الممارسات الضاغطة التي تضطر الإنسان المقهور لعدم فعل ما يحبه من أفعال مستحقة، وعلماً بأن الغش يتسع ليشمل فيما يشمله الخيانة والسرقة والخداع والكذب والتضليل وغيرها من الممارسات الاحتيالية الشبيهة ضد الإنسان المغشوش، وعلماً بأن هناك بعض الممارسات التي تجمع بين القهر والغش معاً مثل التشهير بالإنسان المقهور والمغشوش لما ينتج عن ذلك التشهير من ضغوط مجتمعية مادية وأدبية عليه وما يتضمنه من خيانة أمانة عبر إفشاء أسراره، وعلماً بأن القهر والغش اللذين يقعان على الإنسان الأخلاقي لا يأتيانه فقط من أشخاص طبيعيين مثله، لكنهما قد يأتيانه من أشخاص اعتباريين وقد يأتيانه من جماعات أسرية أو عائلية أو عشائرية أو قبلية أو طبقية أو غيرها، بل ويمكن أيضاً في الأزمنة الصعبة أن يأتيانه من مجتمع قومي بكامله سواء لوقوع ذلك المجتمع تحت ضغط قهر وغش معينين أو لوجود تناقض حاد بين معتقدات وأفكار وآراء هذا الإنسان الأخلاقي وبين ما يسود ذلك المجتمع غير الأخلاقي في تلك الأزمنة الصعبة!!.
طارق المهدوي