ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الثاني 1

دلور ميقري
2018 / 2 / 1

" البحر، البحر.. كم من موجةٍ لا تعود! "
إنه بيتٌ شعريّ مترجم عن الاسبانية، أثيرٌ لدى هذه السيّدة السورية، التي بلغت في العام الفائت الثلاثين من عمرها.. فلا يمكنها ألا تتذكّر، أين قرأته أو اسمَ مُنشده. كأنما " هيَ " تلك الموجة، بسيحانها من ساحل البحر المتوسط، عبرَ البحر الأسود، لتتكسّر أخيراً على صخور المحيط الأطلسي.
" ذلك كله، لا يعدو عن كونه مجازاً. كيفَ لا، وأراني أضعتُ عقداً من أعوام عُمري في مدينة داخلية كمراكش؟ "، فكّرتْ السيّدة فيما كانت ترفع رأسها عن الأوراق. أبعدت جانباً، في حركة نزق، خصلةً من شعرها المحتفظ بعدُ بشقرته. لقد لاحظت بنفسها، أنها تغدو نزقة آنَ تأذن على الإنتهاء، الساعاتُ الثلاث، المخصصة يومياً لكتابة السيرة. الذكرى لا تني تطلّ برؤوس أفاعيها، كما إلهة " كريت " الملعونة، لتستحثها على كتابة المزيد.
عليها كان أن تنتظر فطورها وهيَ بمكانها في المرسم، المهيمن على جلّ مساحة الترّاس، قبل أن تنتقل إلى مكتب أعمالها الموجود في الدور الأسفل. عينا " سوسن خانم "، المتوهجتان بلون لازورديّ، ما لبثتا أن تنقلتا بين موجودات المرسم ( الأشبه شكله بالخيمة البربرية )، وكما لو أنهما تودان تأكيد فكرة مجازها: أثاثٌ تقليديّ من دمشق، مَسْجورٌ ببريق الصَدَف، أمدّها به محلٌ يمتلكه الشقيقُ الكبير لسكرتيرها، " آلان ". زرابي ذات نقوشٍ بديعة، يغلب عليها الأحرف الأمازيغية، مشغولة بمهارة وصبر نساء قرى الأطلس.. سيوفٌ وخناجر وبنادق، محلّاة بالفضة، لا يمكن التكهّن بأصالتها أو مصدرها.. منحوتات خشبية رشيقة، منجورة من أشجار أفريقيا.. لوحات زيتية من أعمال صديقها " فرهاد "، مثبتة على الجدران يفصل بينها أسلحة الزينة تلك.

*
أعلينا تذكير السيّدة السورية، بسنواتٍ ست " أضاعتهم " قبلئذٍ في موسكو؟
هيَ ذي مدينة داخلية، أيضاً. يبدو أنها محرّمة على ذاكرة " سوسن خانم " بشكلٍ ما. إنها ما تنفكّ تمحضُ مقتها لموطن دراستها العليا، لسبب اشكاليّ. وعلينا الإسراع بالتأكيد، أنه ليسَ لكونها من جذور أرستقراطية.. فإنّ سبباً كهذا قد أضحى من الماضي، ولا غرو، بما أن العاصمة السابقة للإمبراطورية السوفييتية، التي حكمت بلاداً مترامية الأطراف، قد أصبحت على منقلبٍ آخر، سياسياً واقتصادياً، في الأعوام المعقّبة حربَ الكويت. ذلك كله، في المقابل، لن يجعلنا نصرف النظر عن هذه الحقيقة: " سوسن خانم "، كانت قد التقت في مبتدأ سنواتها بالعاصمة الحمراء مع من سيقود مقدورها إلى المدينة الحمراء. لعله وُضِعَ صوبَ عينِ الحقيقة أيضاً، سببُ الجفاء الكائن بين ذاكرة السيدة السورية والسنوات تلك؟
أو أنّ الأمرَ ليسَ على ذلك النحو، وأنّ الوقت لم يحن بعدُ لإزاحة السدائف كي تشع شمسُ الحاضر على الماضي الرازح تحت ركام الثلج. كان على ثمار السيرة ألا تنمو بطريقة مفرطة، كيلا يصيبها البردُ بالاضمحلال ومن ثم العفن.. ثماراً، لن تصلح عندئذٍ حتى لمعصرة النبيذ الرديء. إلا لو تعلق الأمر بالقلب، فإن الوقتَ لن يكون له كبيرُ شأن. " سوسن خانم " وقعت في الحب، هنا في مراكش.. وإن لم يكن ذلك هوىً بالمعنى المعروف. الحب لا مسالك له غير العشق، أكان شرعياً أو سرياً. لقد عاشت مع الإشاعات جنباً لجنب، وكانت أحياناً هيَ من يغذيها حتى تخفي شخصية من تعشقه حقاً. إنها إشاعاتٌ إذاً، تداولت أسماءً بعضها يخصّ أشخاصاً انتقلوا لاحقاً إلى العالم الآخر ( غوستاف والمهدي ) أو من غادرَ مراكشَ إلى بلاد أخرى ( فرهاد ), وماذا عن " آلان "، سكرتيرها؟

*
على سبيل الإتفاق، ألتقت في رواق الفنون مع شاب غريب الهيئة، جازَ لها أن تستدعي من خلاله صورة سكرتيرها السابق. هذه الوظيفة، الشاغرة زمناً، بدا أنّ " سوسن خانم " كانت قد سلت عمن سيشغلها.. أو لنقل بالأصح، أنها كانت ما تفتأ تمنّي نفسها بعودة " فرهاد ". من جانبه، ظهرَ الشاب
أكثر رصانة من مظهره حينَ جرى التعارف بينه وبين الخانم السورية. عرفت من " الأستاذ محمد "، المسؤول المؤقت عن نشاطات الرواق، أن " آلان " قد أنهى دراسة الاقتصاد في جامعة الرباط. هذا الأخير، ما عتمَ أن عاد ليثير استغرابها، بتأكيده أنه أيضاً سوريّ الأصل من ناحية الأب: " جدّ الوالد، هوَ من جاء إلى المغرب بغية التجارة بالأثاث الدمشقيّ، وقد أقام أولاً في الصويرة قبل أن ينتقل إلى مراكش. وما زالت أسرتنا تمتلك منزلاً أشتراه ذلك الجدّ، هناك في القصبة "، قالها ببساطة. اسمه وجماله الأوروبيّ، واللثغة في لسانه.. ذلك كله، جعلها هذه المرة تتمثل صورةَ ممثلٍ فرنسيّ شهير لطالما كان فيما مضى شاغل بنات جيلها.
" لا، لستُ نصرانياً.. "، عاد الشاب ليجيب سؤال الخانم وقد أرتسمت ابتسامة محببة على فمه الصغير. ثم أستدرك بالقول " إنه اسمي، مَن يضعني في هكذا شبهة! ". طفقت تتأمله بإعجاب، لدرجة نسيانها الحلقة المذهّبة، المتألقة في حلمة أذنه، والتي أرخَتْ على مظهره ظلاً من غرابة. كانت تهمّ بِحَثه على سرد مزيدٍ من المعلومات عن تاريخ أسرته، لما أنبرى " الأستاذ محمد " كي يستلم دفة الحديث. استهلّ القول متفلسفاً: " هذا الرواق، لكأنه مصرّ على صفته العريقة ". وأردفَ متوجّهاً بكلامه للشاب " وإلا فكيف يجمع الرواق تحت سقفه، المرة تلو المرة، أشخاصاً من المشرق يمتلكون خلفية تاريخية متقاربة؟ إذ تعارفتُ هنا بادئ ذي بدء مع شاعرنا، المهدي. وواضحٌ أن كنيته، البغدادي، تشي بكون أسرته متحدّرة قديماً من العاصمة العراقية... ". لم تعُد الخانم لتعير أذنها لبقية حديث الفيلسوف، بما أنها مدركة أنه سيتابع الحومَ حول أصول كلّ فرد من أفراد عصبة الرواق. فكرة أكثر جدّة، عليها كان أن تحلق فوق رأسها الجميل: لِمَ لا تسند وظيفة سكرتير مكتبها لهذا الإقتصدايّ الشاب، الذي يشاركها كذلك الإهتمامَ بالثقافة علاوة على الأصل الواحد؟ ولكنها بقيت متشككة من أمرٍ آخر، فيه ما فيه من ريبة والتباس.