الحكاية في -رواية لكاتبها- -أخرج منها يا ملعون- صدام حسين

رائد الحواري
2018 / 1 / 31

الحكاية في "رواية لكاتبها"
"أخرج منها يا ملعون"
صدام حسين
اعتقد ان هناك مشكلة في تحديد نوعية العمل الأدبي في الآونة الأخيرة، حيث أصبحنا نجد أعمالا يطلق عليها رواية أو قصة أو قصيدة وهي لا تنتمي إلى هذه الأصناف الأدبية، لكنها تبقى أعملا أدبية، ويمكن أن نعتبرها تمرد أو ثورة على الأشكال المتعارف عليها، ففي اللقاء الأخير في دار الفاروق والذي ناقش قصة "مريم البلقاء" "لعلي السباعي" كان هناك أكثر من رأي يقول أن هذه القصية تعد تمرد على شكل القصة المتعارف عليه، "فهي خارج النص" حسب قول الشاعر "جميل دويكات" ونحن هنا بالتأكيد أمام عمل أدبي لكنه ليس برواية التي نعرفها، رغم أن عدد الصفحات 170 صفحة حجم كبير، فهو يحمل سمات الحكاية، فهناك أفكار يمكن أن يستنبطها المتلقي مع بداية الأحداث، والتي تتعلق ب"حسقيل" حيث يمكن أن نعرف ما سيكون عليه سلوكه من خلال بداية حديثه مع الجد "إبراهيم" وما ستؤول إليه أحواله، كما أن الكم الهائل من الأفكار الجاهزة تعتبر أيضا جزء اساسي من الحكاية، كما أن انسحاب شخصيات أساسية من الأحداث "الجد إبراهيم، والجدة حليمة، ومحمود، ويوسف" وتركيز الأضواء فقط على "حسقيل" دون أن يكون لهؤلاء أي دور في مجرى الأحداث، رغم أنهم الأكثرية وكان من المفترض أن يلجموا "حسقيل" عندما تمادى في غيه وطغيانه، كل هذا يجعل من "اخرج منها يا ملعون" أقرب إلى الحكاية منها إلى الرواية.
في هذا العمل الأدبي نجد مجموعة من الأفكار يقدمها الكاتب والتي تشير إلى رؤيته لواقع المنطقة العربية، فهو الذي قام بدور رئيس دولة عربية يرى ما يجري في دولنا العربية ومنها العراق بواقعية، خاصة بعد أن تم عزله وأسره من قبل المحتل الأمريكي واحضار أشخاص مرتبطين بشكل مباشر بهذا المحتل ويقمون بما يلقيه عليهم من تعليمات، كل هذا كان لا بد أن يكون حاضرا في "أخرج منها يا ملعون".
وإذا ما توقفنا عند العنوان "أخرج منها يا ملعون" سنجده يشير إلى ارتباط العمل الأدبي بالحكاية، وكأن العنوان يخدم بطريقة ما إلى الفكرة التي يحملها، وهذا الأمر يلازم فكرة العنوان في الحكاية، فالعنوان والفكرة ومجرى الأحداث وحتى أسماء الشخصيات كلها تكون مقدمة لمعرفة ما ستكون عليه مجريات الحكاية، وهذا ما كان، ففي البداية نجد "حسقيل" شخصية شاذة عن اخوته، يفكر بطريقة غير سوية، ويقوم بأعمال غير رشيدة، حتى أن اسمه يعطي مدلول سلبي "حسقيل" على النقيض من أسماء "محمود، يوسف" فالراوي أراد من خلال الأسماء أن يعطي اشارة إلى أن يكون هذا الاسم "حسقيل" غير سوي ويقوم بدور السلبي، كحالة توافق بين الاسم والفعل.
الفكر
لأي عمل ألأدبي فكرة يقدمها للمتلقي، فهنا كانت مجموعة من الأفكار التي يحملها الكاتب جعلها ضمن مجريات الأحداث، منها ما جاء من خلال الحوار بين الشخصيات ومنها نأخذه من سياق الأحداث، ومنها الأفكار الايجابية ومنها ما هو سلبي، لكنها بالمجمل تعبر عن أفكار الكاتب.
الحور الذي يدور بين الجد "إبراهيم" و"حسقيل" حول المال والثروة يقول الجد الحكيم "الثورة هي العمل، وكلما زادت ساعات عمل شخص على آخر، وازداد عمله أو مهارته على قرينه، ازدادت الثروة في فعله بالقياس بما عليه قرينه" ص13" لشخص بمقام رئيس دولة وكان يتكلم بكافة نواحي الحياة لا بد أن تنعكس هذه الشخصية فيما يقدمه من أفكار في العمل أدبي، لهذا نجده يتحدث بطريقة الاقتصادي الخبير، وعندما أراد أن يقارن رفاهية الإنسان الآن مع ما كان عليه في السابق، نجده يحدث "حسقيل" المشاكس حول هذا الأمر فيقول: "أن وصف الأفضل وصف نسبي.. فعندما نقول أن فلانا يأكل ويلبس الآن أفضل من جده.. فإن قياس الأفضل ينبغي أن لا يقاس لفلان مع جده وإنما مع الناس في مرحلته" ص17و18، فكرة منطقية وتنسجم مع العقل لأنها تراعي الزمن والمكان والعصر.
فيما سبق كانت الأفكار تأتي بشكل متناسق من خلال الحوار الذي يتم بين الجد والحفيد، لكنننا نجد الراوي يتدخل كما هو لحال في الحكاية ليؤيد ما قاله الجد "أبراهيم"، فيدعم بكل قوة موقف الجد ويأزره فيقول: "إذن المثل الذي قاله إبراهيم لأبنائه ومنهم حسقيل، في موضوع أوقية الذهب ورغيف الخبز حاسم في الاجابة... وما قيمة الثروة ... سواء بقياسات القديم الذي تحدث عنه إبراهيم، أو حتى بقياسات هذا الزمن، إن لم تعز أهلها وتكون في خدمة المعاني العالية" ص19و20،" من هنا نقول أننا أمام حكاية اكثر من رواية، أو أمام عمل أدبي تمرد على شكل الرواية المتعارف عليه، فهو يمزج بين أشكال أدبية متعددة بحيث لا يمكننا تحديد نوعه.
فكرة الإسلام، الرسالة الخالدة، التي تعتبر أحد أهم الأفكار التي يطرحها حزب البعث العربي الاشتراكي، يقدمها "صدام حسين" عن طريق حوار تم بين "يوسف" والجد "إبراهيم": "ـ التقيت قبل زمن بأناس من بلاد الروم.. التقيتهم بادئ الأمر قادمين بقوافلهم إلى نينوى من بلاد الشام، وعرضت عليهم ديننا، مع أنهم اجانب ومن قوميات أخرى، فهل ما فعلته صحيح أم خطأ؟
ـ بل صحيح يا يوسف، ذلك أن ديننا موجه إلى الناس كلهم" ص39و40، رغم أن زمن الأحداث غير محدد، لكننا يمكننا الاستنتاج أنه قديم قبل اختراع أي وسائل حربية حديثة، لأن المعارك التي نشبت في "اخرج منها يا ملعون" استخدم فيها السيف والنبال ولم يستخدم فيها أي سلاح ناري، كما أن الحياة التي يعيشها "حسقيل" والقبائل كلها تؤكد على الحياة البدوية البدائية، حيث يعمل "حسقيل" حاذي للخيل ثم صانع للسيوف والنبال.
يقدمنا "صدام حسين" من أفكار حزب البعث العربي الاشتراكي أكثر عندما يطرح علينا رؤيته حول نساء العرب فيقول: "بينما كانت لذة تمشي مختالة وهي تردد مع نفسها: يا كلب وتقصد بذلك حسقيل، سوف اكشف كل غطرستك، واعلمك أن بنات العرب غير بنات العجم" ص67، النظر الخاصة للجنس العربي حاضرة فيما قالته "لذة" الفتاة العربية، فهي تؤكد على أن هناك أخلاق وقيم للعربي تجعله يحجم عن الإقدام على الفعل السيء، على الخلاف من الأقوام الأخرى.
وتضيف قائلة عن ابها الذي تزوج امها الاعجمية: "لكنه ارتكب خطأ واحدا عندما تزوج اعجمية" ص96، كل هذا يشير إلى أن افكار حزب البعث حاضرة في العمل الأدبي، ما هنا نجد أثرها من خلال ما تتحدث به الشخصيات أو عن طريق الراوي مباشرة.
ومن افكار حزب البعث التي جاءت في الرواية فكرة القيادة/الرئيس وضرورة الانقلاب وتغير "الرأس" لتحقيق الأهداف بأسرع وقت ممكن، تقول "نخوة/لذة" بهذا الخصوص: "...فعندما يمرض الرأس، يا سالم لا يكون باستطاعة الجسد أن يصمد ويكون معافى؟" ص120. إذن هناك حضور للأفكار القومية التي يطرحها حزب البعث العربي الاشتراكي، ويمكن لأي قارئ أن يكتشفها بسهولة.
تدخل الكاتب في ربط أحداث (الرواية) بما يجري في منطقتنا الآن، يشير إلى أنه يريد أن يقدم أفكارا أكثر منه عملا روائيا، لهذا نجده بين فينة وأخرى يبدي وجهة نظرة للواقع، فيقول: "استغل حسقيل الفرصة ليحطم شيخ القبلية وفق تدبير مسبق، ليكون هو شيخها وفق ما فعل في وطننا العربي الكبير بعض الاعاجم الذين لم ينسبوا انفسهم إلى بطون العرب المعروفة فحسب، وإنما حتى إلى سادتهم لولا حماية الله لشجرة آل البيت" ص73و74" لهذا نقول نحن أمام عمل أدبي، لكنه ليس رواية.
"صدام حسين"
أي كاتب لا بد أن يكون هناك شيء من ذاته في عمله، أفكاره، أقوله، كلماته، الشخصيات التي يحبها والتي يكرهها، وبما أن الكاتب شخص كان في أعلى السلم ثم وقع في قاع البئر، دون أن يجد أحدا من أوليك المتملقين يقف معه، من هنا سنجد بعض الأقوال والكلمات التي كان يستخدمها في النص، ونجد الشخصيات الايجابية والسلبية من وجهة نظره: "وتراهم ينافقون بحضور المسؤول لا يقتنع أي منهم به وبدوره، وما أن يحتجب عن الظهور، أو يغيب عن كرسيه، أو يضعف ساعده على سيفه أو سوطه، حتى تسلقه السنتهم سلقا، وما أن يستبدل بغيره حتى كأن القسم الذي أدوه بحضوره شيء لم يكن" ص53، يمكن أن نقول أن هذا الأمر حدث مع الكاتب، مع الرئيس "صدام حسين" لهذا نجده يوضح طريقة تعامل الانتهازيين والمنافقين والمرائين، فبعد أن جاء المحتل وجدنا العديد منهم ينحاز ويقف إلى جانب المحتل، متجاهلين أن العراق أهم وأكبر من "صدام".
ونجد فكرة الجندي المثالي والمرأة الأصيلة حاضرة في (الرواية) من خلال هذا المشهد: "كان قرار الامتناع عن قبول الرجال في المخادع تقليدا للعربيات في علاقتهن بأزواجهن أن اصابهم ما ينتقصهم، ولأن صفة النقيصة تنطبق على من يهرب من جبهات القتال، فقد انطبق القانون على اولئك الهاربين من المعركة" ص76، رجل خاض أطول حرب نظامية بعد الحرب العالمية الثانية لا بد أن تكون فكرة "الهروب من المعركة خيانة" وهذه الفكرة حقيقية لكل المقاتلين في العالم.
ونجد عين الكلمات التي كان يرددها في خطبه في هذا المقطع: "الرجال الشجعان الذي يلوون شارب حسقيل الخاسئ هو وحليفه كلب الروم.
ـ وسوف نسندهم نحن الماجدات" نجد لفظ "خاسئ والماجدات" من الكلمات التي طالما رددها "صدام حسين".
"حسقيل"
أهم شخصية سلبية في (الرواية) شخصية "حسقيل" الذي يمثل الشر والدهاء والفساد والخبث والخيانة والانتهازية والمكر والبخل والعمالة والعهر، فكل الصفات السلبة حاضرة فيه، فمن صفاته البخل لهذا عندما فكر في صنع تمثال من الذهب لله، كان منطقه هذا الأمر "لولا حبي لله لما سخيت على نموذجه بالذهب.. إلا ينبئك سخائي هذا بمستوى نوع محبتي للله.
... لأنه يعرف أن ما أراد ليس توقير الرمز، وإنما اكتناز الذهب فيه" ص22، فنجد صفة البخل وصفة التاجر الذي يسعى لنمو ثروته بأي وسيلة، حتى لو كان فيها شرك بالله، فالهدف هو زيادة المال.
وعندما عمل حاذي للخيل كان يقوم بهذا الأمر: "... ليجمعوا له حصى صغيرة، أو يجزئوا الحصى الكبيرة نسبيا إلى أجزاء صغيرة، بعضها حاد كشفرة وبذلك بضرب الحصا ببعضه، ... ينثره في التربة هناك بحيث تؤذي حوافر الخيل عندما تتسابق... وغالبا ما يجعل حذوة الحصان أو الفرس غير ثابتة بما يكفي" ص25، "حسقيل" لا يتقن عمله، ويعمل على إلحاق الأذى بالآخرين، ليحقق مزيدا من المال.
وبما أنه حداد ومما يصنعه السيوف كان يقول بهذا الأمر: "...لبث الاشاعات والفتن، ... لتنشب النزاعات والقتال ليستفيد حسقيل" ص26، إذن هو شخص يسعى لنمو ماله بصرف النظر عن الطريقة أو الأسلوب الذي يتبعه، حتى لو كانت المتاجرة بأرواح الناس، المهم عنده زيادة المال.
"حسقيل" لا يراعي حرمة النساء، فها هو يقوم بهذا الفعل الشنيع: " ... وسحبها إلى الركن البعيد في البيت، وهم بها" ص30.
لكنه لا يكتفي بواحدة، بل يريد المزيد، فبعد أن اخذ حاجته من الأم ها هو يساومها على ابنتها: "... وما أن تمكن منها، حتى بدأ يساومها على بنتها الوحيدة" ص43.
مسألة السلاح حيوية في أي مجتمع، لكن السلاح عند "حسقيل" جاء لهذه الغالية: "ـ إذا كانت قبلية الروم حليفة حسقيل، وستكون حليفتنا، فما هي حاجتنا للأسلحة؟
ـ لنواجه بها قبائل العرب، أعداء حسقيل، واعداء الروم" ص79، وهذا ما ينطبق على غالبية الانظمة الرسمية العربية.
وعندما تكون هناك معارضة لحسقيل، يقول: "سوف يعاقبه شيخ الروم على موقفه ... لا تقلقوا" ص84.
بعد أن أصبح "حسقيل" شيخ القبلية بدأ العمل بهذا الأمر: "..؟.حدد لمن يطالبهم ثمن السلاح موعدا ليسددوا ما عليهم، واستولى على ما يساوي دين من عجز عن التسديد من أغنام وأبل وأبقار" ص88، سيد القوم يستغل مركزه ليفقر الناس.
وعندما يسأل عن هذا الأمر وعن ضرورة أن يراعي احوال الناس يقول: "ما قيمة الشيخ والمشيخية من غير فلوس" ص89.
فيما يتعلق بالمعارضين له استخدم هذا الاسلوب معه: "...خنجرا مسموما ليغمد في ظهره أو بين ضلوعه" ص90.
اعتقد بأن تغيب الأشخاص الايجابين "إبراهيم ويوسف ومحمود" وإبقاء "حسقيل" في الوجه يعكس الحالة التي مر بها الكاتب، فهو بعد احتلال العراق ومن ثم أسره، وجد غالبية من هم حوله عبارة عن متخاذلين وعملاء فكان هذا التغيب يعكس الواقع الذي مر به "صدام حسين".
هناك خطأ وقع فيه الكاتب عندما قال أن اسم بنت شيخ قبلية "المضطرة" "لذة" وبعدها أخذ يسميها "نخوة".
الرواية بدون دار نشر وبدون سنة طباعة.