أنفلونزا السياسة وجنون القيادة

عباس علي العلي
2018 / 1 / 31

أنفلونزا السياسة وجنون القيادة


من أصدق التعابير التي يمكن أن نطلقها على الوضع السياسي الحالي في العراق مع قرب أنتخابات مجلس النواب والأنتخابات المحلية هي تفشي ظاهرتي الأصابة الوبائية بأنفلونزا السياسة مع تعاظم تأثير ظاهرة جنون القيادة، فالكل مهتم بوضع طارئ أصاب المجتمع مع موسم الأنتخابات الناخب والمرشح والإنسان البسيط فضلا عن أعراض غير مألوفة يوميا على الواقع السياسي، الكل ضد الكل والكل مع الكل والكل يستهدف الكل والكل لا يعرف بالتحديد ما هو القادم وما المتوقع في ظل أزمة بنيوية مستفحلة بتأثيراتها السلبية المزمنة على الواقع العراقي برمته، فهل ياترى أن هذا الحراك المشوش والضبابي سيولد لنا حالة أستقرار تفرزها الصراعات وتطرح ثمارها الإيجابية على الواقع؟ أم أن ما يدور هو تحصيل حاصل لما أراد المشرع والباني للعملية السياسية أن تكون؟ رغما عن إرادة العراقيين وأستمرارا للواقع الراهن دون أن نشهد تطورات تفصح عن نضج حقيقي للعمل الديمقراطي بعمومه.
بأعتقادي الشخصي أن هذا الأضطراب والتناحر والتشتت الذي تشهده الساحة السياسية العراقية لم يكن غريبا وإن لم يكن مشتغربا عنه، فقد تشظت الأحزاب والكتل السياسية وتناقضت الأهداف والمصالح الشخصية بينها في صراع محموم على الصوت الأنتخابي، تمثل في تحالف الأضداد وتخالف بين أخوة ورفاق الأمس، حين لم يعد بالإمكان إخفاء الصراعات من أجل القيادة بين الرموز والرؤوس أولا وبين المصالح والمكاسب اللا معقولة التي يجنيها القادة والمتحكمين بالقرار السياسي داخل الأحزاب والكتل، مما جعل بعضا من قادة الصف الأول والثاني وحتى المغامرين السياسيين أن يجعلوا من أنفسهم عناوين قيادية جديدة، فبادروا إلى تأسيس أحزاب وتنظيمات سياسية جديدة لها عنازين فرعية على أمل التنكيل بأحزابهم وكتلهم السابقة أما للمساومة وأما للأمل بظفر بمكاسب أكبر وأعظم مما كانوا عليها.
الحال الذي تجري في ظله الأنتخابات حال محموم وغير سليم ومن صنع ذات القوى الفاسدة والمفسدة التي لا يهمها سوى الغنائم والمكاسب دون الأهتمام حتى ببناء دولة ونظام يخضع للقانون والدستور، هذا يشكل بحد ذاته أزمة أخلاقية ووطنية لا يمكن معها أن نتلمس ما يمكن أن يبشر بنضوج ما ولو على درجات بسيطة، حمى القادة وحمى الأستحواذ وأمراض تفرزها طبيعة النظام السياسي لا تعالج ولا يمكن الشفاء منها في ظل نظام صراعات وليس نظام تنافسي مبني على البرامج والخطط والطروحات الوطنية، هناك عوامل كثيرة تساعد على ذلك، أهمها التدخلات الخارجية وأرتباط الكتل والأحزاب بها وغياب سلطة القانون مع ضعف الأداء القضائي السليم الذي يحمي القانون والمواطن والمجتمع، كما أن مسائل مهمة مثل التمويل والرقابة على الأحزاب وقدرة الأخيرة على التدخل في كل زاوية ووفق مصالحها لا تحمي العملية السياسية القائمة على توازن الفساد بين الكل.
من هنا ف من يؤمن بأن العمل الديمقراطي في العراق بهذا الشكل ووفق هذه الأليات والقوانين والأنظمة يمكن أن تساهم في أستقرار العراق كدولة وكنظام واهم جدا ومخطئ في تقديراته العامة، فما بني حتى وإن كان صحيحا على أساس أعوج وغير حقيقي ومخالف للمعايير الوطنية والديمقراطية، لا يمكن أن ينتج بناء سليم ومنتج وقادر على أداء وظائفه بالصورة التي نحلم بها كشعب وكمجتمع خارج من أعتى ديكتاتورية دموية حطمت كل المقدمات والنتائج المرجوة، والتي يمكن أن نجنيها من عملية تحول شاقة ومكلفة ودفعنا من أجلها أنهار من الدماء وعذابات لا تنتهي.