أمور ليست شخصية

طارق المهدوي
2018 / 1 / 30


طالما نصحني بعض الرفاق بشرح بعض الحقائق حول بعض أموري الشخصية التي تهم بعض الناس ليس فقط لأنهم يرونها تأريخاً لتفاصيل حميمة ذات صلة بالحركة الشيوعية المصرية ولكن أيضاً لأن خصوم الشيوعيين يروجون حولها الكثير من الأكاذيب، وفي الحقيقة فقد كنت ميالاً إلى عدم الأخذ بنصائحهم حتى اتصلت بي مؤخراً إحدى الباحثات في إحدى الجامعات الأوروبية العريقة كي تسألني عن بعض تلك الأمور التي ليست لديها رؤية واضحة حولها بهدف إدراجها ضمن بحثها الأكاديمي لنيل شهادة الدكتوراة، ولأنني لا أعرف بدقة هدف أو اتجاه أو منهج البحث الذي تسير عليه تلك الباحثة كما أنني لا أعرف بدقة مدى وكيفية فهم تلك الباحثة لإجاباتي على أسئلتها فإنني سوف أدون أموراً ليست شخصية وسأبدأها بأمرين اثنين هما:-
أولاً: كيف وأين كان ميلادي؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعلم المهتمون جيداً إن أبي إسماعيل المهدوي وأمي زينات الصباغ القياديين الشيوعيين كانا قد نجحا مع عدد محدود جداً من قادة وكوادر وعناصر الحركة الشيوعية المصرية الثانية في الإفلات من حملة يوم 1/1/1959 الموسعة لاعتقال الشيوعيين المصريين، حيث لم يتم اعتقالهم سوى عقب ذلك التاريخ بعدة شهور وهي الشهور التي ولدتني أمي خلالها وفق واحدة من ثلاثة روايات متداولة ذات تفاصيل مختلفة ومضمون واحد وهي:-
1 - أن أمي بمجرد إيداعها في سجن القناطر مع المعتقلات من الرفيقات اللواتي كن قد سبقنها إليه ولدتني داخل مستشفى السجن، ثم تدهورت الحالة الصحية لكلينا بسبب سوء الرعاية الصحية فتم نقلنا تحت الضغط المحلي والإقليمي والعالمي إلى مستشفى القصر العيني لفترة زمنية قبل إعادتنا مرة أخرى إلى سجن القناطر، علماً بأن هذه هي الرواية المبسطة التي كانت أمي ميالة إلى استخدامها كيلا تربك المستمع أو تغرقه في الكثير من التفاصيل.
2 - أن أمي قد تم القبض عليها في أحد المقار الحزبية السرية بدائرة قسم شرطة الوايلي في القاهرة فتم احتجازها داخل القسم لاتخاذ الإجراءات المعروفة بعرضها على مديرية الأمن في باب الخلق ومباحث أمن الدولة في لاظوغلي، لولا أن جاءها مخاض الولادة فاضطر ضباط الوايلي تحت ضغط بقية الشيوعيين المحتجزين معها لنقلها كسجينة مريضة إلى المستشفى اليوناني القريب، لتلدني هناك وهي مقيدة في حديد فراشها الطبي بالكلابشات الحديدية ثم اضطروا لترحيلها فور مولدي إلى سجن القناطر حيث تم إيداعها في مستشفى السجن ليتطور الأمر على النحو السابق ذكره.
3 - أن أمي جاءها مخاض الولادة وهي متخفية داخل أحد المقار الحزبية السرية بدائرة قسم شرطة الوايلي في القاهرة وفشلت محاولات الطبيب الخاص الذي أحضره لها الجيران في توليدها فكان لابد من نقلها إلى المستشفى اليوناني القريب، وهناك تم التعرف على هويتها الحقيقية فاحتجزتها الشرطة داخل المستشفى كسجينة مريضة لتلدني وهي مقيدة في حديد فراشها الطبي بالكلابشات الحديدية، ثم قامت الشرطة بترحيلها فور مولدي إلى سجن القناطر حيث تم إيداعها في مستشفى السجن ليتطور الأمر على النحو السابق ذكره.
ثانياً: كيف ولماذا وقع خلاف بيني وبين ابي قبل وفاته؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعلم المهتمون جيداً أن أبي القيادي الشيوعي إسماعيل المهدوي كان قد تم اعتقاله في منتصف عام 1970 على خلفية معارضته للحكم العسكري المصري وبترحيب خصومه الإسلاميين مع تقاعس رفاقه الشيوعيين قررت الأجهزة السيادية إيداعه داخل مستشفى العباسية للمجانين، ولأنني كنت آنذاك وحيداً وصغيراً فلم أستطع القيام سوى بحمل الأوراق والأقلام المخفية داخل طيات ملابسي إليه في محبسه ثم حمل رسائله المكتوبة والمخفية داخل طيات ملابسي للخروج بها وتسليمها إلى المرسل إليهم باليد أو لصق طوابع بريدية عليها ثم إيداعها في صندوق البريد، حتى بلغتُ سن الرشد بحلول أوائل ثمانينيات القرن العشرين فشرعت في حركة محفوفة بالمخاطر أسفرت عن تشكيل حملة منظمة تضم عدد محدود من السياسيين والمحامين والأطباء والصحفيين الراغبين مثلي في إنهاء محنة أبي إسماعيل المهدوي، وشهدت تلك الحملة مغادرة وانضمام بعض الأعضاء عدة مرات حسب الظروف الموضوعية العامة مع الظروف الذاتية الخاصة بالمغادرين والمنضمين، وعقب عشرات الانتكاسات نجحت الحملة عند انتصاف عام 1987 في استصدار قرار من النائب العام بحفظ الاتهامات السياسية الموجهة ضده ثم قرار من وزير الصحة بانتفاء مبرر وجوده في مستشفى العباسية للمجانين بصدور قرار النائب العام، وتحركت الحملة في كافة الاتجاهات لتنفيذ هذين القرارين لكنها اصطدمت بعدة عقبات كان على رأسها عقبتين اثنتين تمثلت الأولى في أن أوراق مستشفى العباسية كانت مرتبة بمكر ودهاء يصعب معه محاسبتها لاحقاً بينما تمثلت الأخرى في عدم وجود أموال أو محل إقامة لأبي في مصر حيث كان قد تم اعتقاله عقب إعادته القسرية من أوروبا، فكان قرار الحملة بنقله إلى مستشفى بهمان الخاص للأمراض النفسية على نفقة نقابة الصحفيين التي هو أحد أعضائها، حتى يمنحنا ذلك المستشفى أية تقارير طبية تفيد أبي لاحقاً في سعيه لاستعادة حقوقه وحتى نستطيع خلال فترة وجوده في المستشفى الخاص تدبير أموال ومن ثم محل إقامة لائق به، ونجحنا خلال أقل من ثلاثة شهور في تدبير الأموال التي اشترينا بها شقة تمليك في حي مدينة نصر القاهري باسمه وجهزناها لإقامته بكافة المستلزمات المعيشية الضرورية التي طلبها، لكننا فشلنا في الحصول من مستشفى بهمان على أية تقارير طبية تفيده حيث تلقى المستشفى تعليمات سيادية مباشرة بإنهاء ملف إسماعيل المهدوي مع إغلاقه نهائياً، لذلك فقد غضب أبي من قرار دخوله وإقامته لمدة ثلاثة شهور في ذلك المستشفى الخاص معتبراً أن الأضرار المترتبة عليه قد فاقت الفوائد الناجمة عنه وحملني وحدي دوناً عن بقية أعضاء الحملة مسؤولية هذا القرار الذي أغضبه فغضب مني، وكان صمتي تجاه غضبه ليس فقط كابن بار بوالده لكن أيضاً كرفيق شيوعي مترفق برفيق شيوعي انفعل بعدما عانى ما عاناه في محنة ليس لها مثيل على امتداد التاريخ والجغرافيا!!.
طارق المهدوي