خمارة دليلة والزئبق -الحلقة الأخيرة-

علي دريوسي
2018 / 1 / 29

نهاية الفصل الأول
*****
خمارة دليلة والزئبق -11-
*****
وبينما كنا نتكلم بشفافية واِسترخاء وصل إلى مسامعنا فجأةً أصوات نساء في حالة عراك. نهضنا بفضولٍ لنستتطلع الأمر. في بلكون الطابق ما قبل الأخير من البناية المقابلة رأينا اِمرأة بَضَّة الجِسم بشعرها الرمادي المنكوش وبقميص نوم داخلي أصفر وكأنَّها كانت على وشك أن تُبدّل ملابسها في تللك اللحظة، أو ربما كانت تتجهَّز للدخول للاستحمام، أو لعلها أتت لتوها من غرفة النوم حيث كانت برفقة خليلها، الذي قد يكون جارها في البناية ذاتها.
رأيناها تفتح ساقيها كمراهقٍ في ملعب كرة القدم، وضعت كف راحة يدها اليمنى على مثلثها المسترخي بين فخذيها وراحت تصرخ في وجه جارتها التي وقفت على البلكون المجاور في الطابق ذاته: "سأضاجعك بقضيبي هذا أيتها المومس الفلتانة".

كانت جارتها اِمرأة نحيلة وطويلة القامة بدت كما لو كانت من المتزوجات حديثاً، أمسكت أصيص ورد من الفخَّار ورمت به المرأة الوقحة وصاحت بها: "يا عجوز، يا عديمة الرجال، يا فاجرة يا فاسِدة، اِتركي أخي بحاله، عمرك ضعفي عمره، سأتدبر أمري معك يا شَمْطاء، عندما يصل زوجي مساءً سأجعله يضاجعك ويشقلبك على الجنبين حتى تنكسر عينك".
ردّت عليها: "لو كان زوجك الأملس يُشبعك لما تطاولت على سيدتك يا عديمة الأخلاق والجنس، ولما فكرت أصلاً بأن تعزميه عليّ، دعيه ينفخ لك بطنك أولاً إذا كان قادراً". ثم وضعت إصبعها الوسطى على صدغها وأضافت: "من يجرب المجرّب عقله مخرّب، يا روح الماما".

فجأةً خرج إلى بلكون المرأة ذات الشعر المنكوش شاب يافع، بقوامٍ رياضي وشعر مقصوص بعنايةٍ، خرج مرتدياً بنطلون جينز أزرق، حافي القدمين، عاري الصدر، رفع ذراعه عالياً حتى بان شعر إبطه الأشقر الكثيف، رفعه باتجاه البكون المقابل، حيث وقفت أخته وقال: "العمى فضحتونا، اِخجلي على دمك واِدخلي إلى بيتك، أحسن لك وإلا والله سأجرك من شعرك على المقبرة".

لم يتمالك وفيق نفسه، خرّ أرضاً من الضحك، ضحكت بدوري مجلجلاً، اِنتبهت المرأتان إلى وجودنا، ران الصمت لبضع ثوانٍ، صرخت ذات القميص الناعم بوجوهنا، ما الأمر معكما أنت وهو؟ هل أسعدتكما المشاجرة ؟ اِغربا عن وجهي. ثم دفعت اليافع أمامها، دخلت شقتها وأغلقت بابها، بينما بقيت طويلة القد تشتم وتلعن جارتها التي سرقت ماء أخيها.

ما أن بدأنا بجمع عُدَّة العمل استعداداً لمغادرة البناية حتى سمعنا صوت إطلاق ناريّ، هلعنا إلى السور العلوي لنرى ما حدث، كان باب الشقة مفتوحاً والشاب اليافع يحاول الإفلات والهروب، رأيناه يتدَلَّى من البلكون محاولاً القفز إلى بلكون الطابق السفلي، اِستطاع أخيراً الوصول والتعلُّق بسور البلكون الحديديّ، في اللحظة نفسها خرج من نفس الشقة رجل مفتول العضلات في الخمسين من عمره، كَثّ اللِّحْية، بدا بلباسه وهيئته كأولئك المعتوهين الذين يعملون لصالح أبناء السلطة من الفاسدين، خرج الأحمق وبيده مسدسه، نظر إلى الأسفل وأطلق النار على الشاب، على صدره العاري، رأينا الدم وجسده الهابط مثل لوحة الإنسان العائم فوق مدينة، وسمعنا صوت اِرتطام اللحم والعظم مع الأرض والحجارة.
تمتم وفيق: "عند الخيانة يموت العقل وتُولد البشاعة".
أجبته: "دعنا نفرُّ من هنا بجلدنا قبل أن يقتلنا اِبن الكلب".
سألني: "هل تخاف من جُرَذ؟ الجُرْذَان في كل مكان".
قلت له: "لسوء المصادفة حدث معي في مثل هذه الأيام من الصيف الماضي شيئاً مشابهاً نوعاً ما لما حدث اليوم".

كنا صرنا خارج البناية حين قال وفيق: "دعنا نذهب إلى الكورنيش الجنوبي، منظرالبحر في الغروب يعوِّض عن الحاجة لتناول أقراص الإسبرين، نشرب زجاجة بيرة، ندخن سيجارة ونعود إلى الضيعة".
وصلنا إلى الكورنيش ونحن نتفرج على الناس والمحلات والسيارات، جلسنا في بهو مطعم اللؤلؤة، هناك اِكتشفت أنَّ النادل هو صديق المعلم وفيق، بعد السلام والمغامزة أوصاه المعلم على البيرة الباردة. سألني وفيق وهو يقدِّم لي سيجارة: "لم تخبرني بعد ما الذي عشته في الصيف الماضي مع الجُرْذَان"؟

أنعشتني الرشفة الأولى من كأس البيرة. مسحت بقايا الزبد على شفتيّ ورحت أحكي له:

"نجحنا يا معلم وفيق في اِمتحان البكالوريا بعلامات ممتازة. قرَّر صديقي السفر إلى تشيكوسلوفاكيا بعد أن استطاع والده تأمين منحة له على نفقة الحزب الشيوعي. اِلتقينا معاً في مساء أحد أيام الصيف الأخيرة، كنا خمسة أصدقاء، أردنا أن نمشي معه مشواره الأخير ونودِّعه كي نبقى في ذاكرته والعكس صحيح. مشينا في الشارع الرئيسي للضاحية التي بناها الرئيس لأبنائه، كنا فخورين بأنفسنا، بقاماتنا، بأفكارنا، مشينا نحلم بالمستقبل الذي يسبقنا. في المساءات الصيفية يجلس أبناء القادمين من العاصمة على الشُرُفات. حصل أنَّ إحداهن اِبتسمت لصديقنا الرياضي بشامته الحلوة، غمزها وبالكاد نطق لها بكلمة مساء الخير حتى جنَّ جنون أولاد الجُرْذَان. خرج جُرَذ عاهر قبيح من غرفة مجاورة يحمل الكلاشينكوف الروسي. وقف اِبن الكلب على البلكون في الطابق الأول في وضعية محارب وأطلق النار علينا وكأنَّنا في حرب أهلية. ركضنا إلى الرصيف الآخر والخوف من القتل يتراكم في مفاصلنا. ليست المشكلة الرئيسية في أن نموت، بل تكمن في أن نموت تحت أيدي الجُرْذَان أو في أن نبقى أحياء مجبرين على العيش والتعايش معهم على هذه الأرض. قفز الجُرَذ الدميم إلى الشارع والكلاشينكوف بين يديه. قفز أبناء عمه خلفه يحملون مسدسات قتل وحقد وفساد. ركضوا خلفنا، أمسكوا بي، قاومتهم وحاولتُ التَّخَلُّصَ منهم، نجحتُ وركضتُ أسرع، شعرتُ بأَزِيز الرصاص من حولي. لمحت سيارة شرطة تدخل إلى شارع الرئيس، شعرت بأنَّ القَدَرُ يرغب في حمايتي، اِختبأتُ لبرهة خلف شجرة حور ثم تابعت هروبي إلى البيت، ظنناً مني أنَّ المسألة قد انتهت. لم تمضِ دقائق إلّا والشرطة تخبط على باب بيتنا. اِستجوبتني الشرطة بدلاً من اِستجواب مَنْيُوك الكلاشينكوف، هَدَّدني بدلاً من تهديد أبناء العرصات، أرادت معرفة أين يسكن صديقي. أذكر أني قلت لهم والخوف من وجوههم الصحراوية المُقرفة ينهشني: لا أعرفه جيداً، اِلتقيته مُصادَفةً، لا أعرف عنوانه بالضبط، لعله يسكن على حدود القرية".

هكذا مضت الأيام مع المعلم وفيق بين الجِدِّ والهَزل، العمل والاستراحة، الرَّصَانَة والمرح وبين الصمت والحكايات عن الحياة. عملت معه حوالي عشرة أسابيع ثم غادرته بسبب اِفتتاح الجامعة وبداية الفصل الدراسي. حين ودّعته شكرته ولم أسأله عن أجري، أو لنقل خجلت من فعل ذلك، لكنه قال لي: "أخي الصغير أحمد، لا تقلق، ستأخذ أجرك في الأيام المقبلة عندما يدفعون لي".

مضت أكثر من خمسة أسابيع على ترك العمل دون أن يصلني منه أية ليرة، دون أن أجرؤ على لقائه لطلب المال منه. ضحكت في سري وقلت: "فليكن لقد دفع لي أتعابي ما يعادلها خبرة على الصعيد المهني والاِجتماعي، لكنه لم يفِ بوعده في موضوع نساء ونوافذ".

ذات يومٍ خريفيّ خرجت من الجامعة برفقة صديقةٍ لي، وددت أن أُريها أراضي الوادي الأحمر، مشينا على الأقدام ونحن نتحدث إلى أن بلغنا مفرق الضيعة، هناك رجوتها أن تنتظرني لعدة دقائق حتى أحضر شيئاً من خمَّارة دليلة والزئبق. دخلت الخمَّارة، حيّيت العم أبو جليلة، رأيت أبي جالساً على كرسي خيزران يشرب بطحته بهدوءٍ، بجانبه على صندوقٍ خشبيّ جلس معلم المصاعد وفيق، اِقتربت منهما وسلّمت عليهما وكأنَّنا أصدقاء، استحيت من أبي لكني تمالكت نفسي وطلبت نصية براندي، علبة سجائر وأُوقية من العبيد. حصلت على ما أرغب، جمع أبو جليلة السعرعلى ورقة صغيرة من دفتر حساباته، ثم قال: "فقط ستين ليرة".

نهض وفيق من قعدته وقال: "عمي أبو جليلة سجّلها على حسابي فأنا مُدَان للأستاذ أحمد بمبلغٍ من المال". ثم أخرج من جيب أفروله محفظة نقوده، سحب منها مئتي ليرة وقدّمها لي قائلاً: "هكذا نكون قد تصافينا عن الشهر الأول، عندما أراك في المرة القادمة برفقة الحلوة التي اِختبأت خلف شجرة التوت، ستحصل مني على ما تبقى لك في ذمتي". وقبل أن أتمكّن من شكره أو قول شيء ما، رَبَّتَ على كتفي غامزاً: "اِذهب إليها، لا تدعها تنتظرك طويلاً ولا تحرم نفسك من شيء".

الشيء الوحيد الذي لفت اِنتباهي ذاك اليوم كان تلك اللوحة الشاحبة المتواضعة مستطيلة الشكل والتي علَّقها أبو جليلة في خمَّارته، كانت تتضمَّن عبارة كُتبت بالعربية، ظننتها للوهلة الأولى نشيداً قرآنياً أو وَصيّة كنائسيةً أو مزموراً من مزامير داوُد: "اِشْرَبْ كأس عرق كلما كنت حزيناً، اِشْرَبْ كأس عرق كلما بقيت حزيناً، اِشْرَبْ هنِيئاً يا صَاح، وإذا ما استمر حزنك على حاله إبدأ من جديد، وكان العم أبو جليلة على كل شيءٍ حسيبا".