إستهتار أبناء المسؤولين ، هل هو سلوك شخصي أم مكتسب من آبائهم ؟

محمد علي العامري
2018 / 1 / 29

إستهتار أبناء المسؤولين ، هل هو سلوك شخصي أم مكتسب من آبائهم ؟
محمد علي العامري
سنصاب بالغثيان إذا ما تطرقنا الى سلوكيات كبار المسؤولين الشاذة في ظل حكومة فاسدة ، فهذا الأمر يحتاج إلى مجلدات لا تعد ولا تحص من أجل إحتواء فسادهم وعهرهم ولصوصيتهم، وقد يعتقد البعض اننا مبالغين إن قلنا أنهم مرتشون وفاسدون اخلاقيا وماليا بلا إستثنـاء. ولكـن تـلك هـي الحقيقـة التـي لا يختلف فيها إثنان من أبناء الشعب العراقي الجائع المغلوب على أمره ، والكل يعرف مدى تورطهم في سرقة لقمة الناس، ولن تجد من قد يقول فيهم كلمة طيبة سوى أولئك اللوگية الذين يبحثون عن مصالح لهم ومنافع .
وهنا لابد وأن نتطرق الى أبناء هؤلاء المسؤولين وتهورهم في مختلف قضايا الفساد والعهر والمخدرات وإستهتارهم الوقح بين أبناء جلدتهم . " فإن أردت أن تعرف حقيقة أي كـان منهـم يجـب عليـك أن تعـود لأسرته وتربيته لأبنائه، لأن من لا يستطيع أن يصنع اسرة ذات خلق ووعي عاليين ، وتتمتع بقـدر كبيـر من الوطنية ، فكيف نريد منه أن يربي شعب " ويعيد له هيبته وشرفه وتوازنه .
من بين ما يمكن ذكره من قصص مخجلة لأبناء المسئولين ولو على سبيـل الإشـارة والإختصـار لأن الأمـر يحتاج إلى متسع أكثر مما هو متاح هنا . قبل أسبوع تناقلت وسائل الإعلام تورط الشاب جـواد أبـن محافـظ النجف بقضايا فساد وتهريب المخدرات وإستغلال منصب والده أو بالتعاون معه للحصول على عدة مناصب التي دلت عليها مجموع البطاقات الشخصية الرسمية التي كانت بحوزته أثناء القاء القبض عليه عـن طـريق كمين نُصِب له ولمن معه .
وقد سبقه بمثل هكدا فضائح مدويـة ، ونأتـي ببعـض الأمثلـة . فـفي آذار عام 2014 إستغـل الشـاب مهـدي منصب والده هادي العامري وزير النـقل السابـق ليعطـي أوامـره مـن بيـروت لسلطـات مطـار بـغداد الدولي بعدم السماح لطائرة الشرق الأوسط اللبنانية بالهبوط في المطار وإجبارها للعودة الـى بـيروت بكامـل ركابها لأن الأفندي وصل متأخراً بعد إقلاعها ، والأفندي مهدي أراد أن يزيد من إذلال شركة الطيران ركب طائرة أخرى ، والطائرة العائدة هبطت فـي مطـار بيـروت ولـم تجـده . وبدل محاسبتـه ومعاقبتـه تحمـلت حكومتنـا العتيدة كل تكاليف الخسائر التي تكبدتها الشركة وعوضتها بسبعة ملايين دولار ، وطمطم الموضوع كأن لم يك شئ .
وفي تشرين الثاني من نفس العام 2014 قام النزق أحمد إبن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بتهريب مليار ونصف المليار من الدولارات بصناديق الى لبنان وتـم إحتجـازه فـي بيـروت ممـا أضطـر أبوه نـوري المالكي للسفر الى لبنان لتسوية الأمر وفعلاً تم ذلك وكأن لم يك شئ .
وفي بداية هذا العام أي قبل ثلاثة أسابيع تم إلقاء القبض على سرمد أبـن رئيـس الوـقف السنـي عبـداللطـيف الهميّم بتهمة تعطيل محطات الإطفاء ونصب كامـيرات فـي حمّامـات النسـاء بمقـر الوقـف السنـي . وأيضـاً سيوضع هذا الأمر في سوق المساومات لتبرأته مثل الذين سبقوه . وما في حدا أحسن من حدا ، وهذا غيض من فيض لواقعنا المأساوي المرير .
وبالمقابل أريد أن أقارن بين هؤلاء المتخلفين وبين ما حدث للطيار صباح إبن نوري سعيـد رئيـس الـوزراء العراق أيام العهد الملكي أربعينيات القرن الماضي ، وحكايته مع جسر الأحرار الشهيرة .
كان الطيار صباح دائمـاً يسمـع مـن أحـد الطياريـن الأمريكان المتواجديـن فـي معمـل الطائـرات، يسخـر ويستخف بكفاءة وقابليات الطيارين العراقيين وقدرتهم على الانقضاض والمرور في المسالك الصعبة في جلساته الحوارية مع زملائـه، فتـحداه صـباح نـوري واتفـق علـى أثــرها علـى عقــد (رهان) معـه لكـي يثبـت لـه كفـاءة الطيـار العراقـي، ولمـا صـادف عبـوره بسيارته فوق جسر الملك علي (الأحرار) خطـر بباله أن يحلق بطائرته ويمربها مـن تحـت الجسـر، غيـر أنه تردد وتصور في بادئ الأمر أنها مغامـرة جنونيـة ! وظـل يفـكر حتـى عـزم علـى أمـره وقــرر المـرور بـزورق بخـاري ليسجـل قياسات ارتفـاع الركائز(الدنك) وطولها ومسافة العرض بين ركيزة وأخرى، حتى عثر على المكان المناسب الذي يمكنه من النفاذ بطائرته في وسـط المسافـة بيـن الركيزتيـن، بعــد عمليـة الهـبوط والأنقضـاض وتعيـين نقطـة الأنطلاق والأرتفـاع . على أثـرها أتفـق صبـاح مـع مصـور عراقـي مشهور يدعى(أرشاك) وطلب منه أن يحضر في موعد هبوط طائرته، وينزل على سطح زورق بخاري فـي دجلـة ويلتقـط لـه عـدة صـور لتوثيق مناورته ومغامرته الخطيرة في الوقت ذاته .
وفعلاً قام بهذه المغامرة ونجح فيها ممـا أدهش النـاس المـارة على جسـر الأحـرار والقريبيـن منـه حيـث أصابهم الذعر عندما مرت الطائرة من تحت الجسر وخرجت بسلام .
بعدها أخذ المصور أرشاك الصور وذهب بها الـى والـد صبـاح نـوري سعيـد باشـا ودخـل مكتبـه ليريـه الصور ويبشره بما حققه أبنه من عمل جبار لا يتكرر . ولكن الباشا إستشاط غضباً وهجم على المصـور أرشاك بالضرب المبرح صارخاً بوجهه هذه إساءة لي وهـدر لأمـوال الدولـة ، وعلـى إثـرها كتـب أمـراً بمعاقبة إبنه وحرمانه من الطياران نهائياً .
وربّ سائل يسأل ، لماذا يكون أبناء المسؤولين اليوم عندنا أشد نزقاً وتهوراً وإستهتـاراً عـن غيرهـم مـن المسؤولين في الحكومات السابقة من العهد الملكي الى رئاسة أحمد حسن البكر ؟
نعم ، لم نسمع أن هناك تجاوز أو فساد أو تهور قام به أولاد رؤساء الجمهورية أو الوزراء أو المحافظين السابقين بالشكل الذي نعيشه اليوم . فالفساد الكبير والعلني ظهر إبتداءاً من حكم صدام حسين الذي بشرّنا بأولاده وهم يلبسون ثوب الوقاحة والإستهتار بمقاسات أبيهم ، وأمتدت هذه الظاهرة ليومنا هـذا بـل أشـد فتكاً وإنتهاكاً للقيم الإجتماعية والأخلاقية ، لأن أباء هؤلاء الأبناء من وزراء ونواب ومجالس محافظات نراهم في غاية الهمجية والعقلية الرعوية ويتمتعون بالسطوة والكبرياء والتعالي المغلف بالتخلف والجهل
فإذا تعمقنا في هذا الموضـوع نجـد أن المسألـة سايكولوجيـة ، لأن أبنـاء هؤلاء يتخرجـون مـن مدرســة العائلـة العاق المشوهة ليعطونا نماذح من إنتاجهم الرديء الذي نراه ونسمع به يومياً وعلى مدار الساعة ، ولا خجل ينتابهم من ذلك لأن الأمر عندهم طبيعي جداً . فإذا كان الأب الوزير أو النائب فاسداً وعديم الأخـلاق ونـراه يشجع أولاده على التجاوز الفج على المواطن العـادي ، فكيـف لا يشـذ هـذا الأبـن عـن السلوك العـام والأخـلاق الحميدة ويصبح إبناً نزقاً شاذاً مستهتراً متهوراً بكـل ما تعنيـه هــذه الكلمـات ، وكـل الـعراقييـن يدركـون هـذا الواقع المر بأن هؤلاء الأبنـاء يستهتـرون " بصايـة أبائهـم " ولا يوجـد تحليل غير ذلك .
محمد علي العامري
28 كانون الثاني 2018