الأنتخابات العراقية وحساب البيدر

عباس علي العلي
2018 / 1 / 29

من الغريب حقا أن ينتظر الكثيرون من أهل الشأن السياسي من حصاد الأنتخابات القادمة شيئا من التغيير والتطور في العملية السياسية مما يدل على نضج التجربة وأمتدادها أفقيا في الواقع الفعلي، مما يعني أن حصاد الأنتخابات القادمة سيكون حصادا طبيعيا لفاعلية التجربة وقوتها وأثرها على الواقع من خلال ما يسمى بالتطور الطبيعي لمثل هذه التجارب والممارسات، هذا الكلام التشاؤمي حسب ما يراه البعض لا يعكس فقط أراء الكاتب بل يمثل وجهة نظر واسعة من الشارع العراقي المعني أولا وأخيرا بما سيكون عليه الواقع وينعكس على فاعلية العمل الديمقراطي برمته، المراقب بدقة لنبض الشارع هذا يلمس بدون أن شك ثلاثة أتجاهات رئيسية تتحكم بما يمكن أن يكون عليه الأمر بعد الثاني عشر من مايو 2018 وكالأتي:
أولا_ هناك صوت قوي ومتنامي بشدة ويتسع يوما بعد أخر يدعوا لمقاطعة الأنتخابات بشكل كلي لإيمانها بأن لا أمل في التغيير مع إعادة ترتيب الوضع من قبل الكيانات التي تمثل الوجه الراهن للعملية السياسية، سواء من خلال التشريعات الممهدة للأنتخاب وهي قانوني الأنتخابات وقانون الأحزاب والعمل السياسي الذان تم تشريعهما وفق لمقاساتها الخاصة ووفق رغبات هذه الأحزاب والكتل التي تمتلم مفاصل القوة المالية والمليشياوية التي سوف تتحكم بحركة الناخب وتضغط بكل الوسائل لغرض فرض إرادتها على الناخب شاء أم أبى، وبالتالي فالمشاركة تعني شرعنة هذا الوجود ومنحه الصفة القانونية والدستورية لذا فالمقاطعة هي رد عملي على رفض الشارع العراقي للعملية التحريفية وتزييف إرادته واقعيا.
ثانيا_ الأتجاه الأخر الذي يندفع بقوة نحو المشاركة والعمل بكل ما أؤتي من قوة لغرض تثبيت واقع يعتبروه تحصيل حاصل لواقع العملية السياسية سواء شارك غالبية الشعب بالأنتخابات أو لم يشارك خاصة وأن الدستور والقانون العراقي ليس فيه ما يمنع أو يحدد نسبة صحة المشاركة أو تحديد ما يسمى بالعتبة الأنتخابية للمرشح كي تصح عضويته وأعلان فوزه بالأنتخابات، وغالبية هذه الأصوات هم جماهير تلك الأحزاب المهيمنه وقواعدها العاملة التي تتأمل في حدوث المقاطعة وتقليل نسبة المنافسة الرافضة مما يسهل لها الهيمنة على النتائج بالتعاون مع ممثليها ومندوبيها في الهيئة المستقلة للأنتخابات.
ثالثا_ الأتجاه المتردد واللا أبالي والذي يندفع حسب قوة الأعلام والدعاية الأنتخابية ويحدد وجهته وفقا لما تؤثر تلك العوامل والوسائل والأسلحة التي ستستخدم في الترويج والدعاية، وهذه الشريحة الكبرى التي ليس لها قرار محدد ولا يمكن التنبوء بوجهتها على التحديد تلائم توجهات وخطط الأحزاب والكتل السياسية الحالية والتي من المهم لديها أن تسوقها للوجهة التي تريد، لا سيما وأن من السهل خداعها والدفع بها بشعارات براقة ووعود أستهلاكية لم تتحقق ولن تتحقق دون رقابة ودون متابعة حقيقية لها، وهذا ما أفرزته التجارب الثلاث السابقة حيث فشلت كل الكتل والأحزاب أن تحقق ولو نسبة صغيرة من تلك الوعود الأنتخابية والشعارات التي رفعت، وبقيت حبرا على ورق دون محاسبة أحد على ما أنجز أو لم ينجز.
من هذا العرض نستشف ألنقاط التالية:
1. غياب الوعي الديمقراطي الحقيقي وتغييب فعلي لإرادة الناخب من خلال ما تم التخطيط له تشريعا وتنفيذا وواقعا، مما يؤكد أن شكل النتاج القادم لا يحمل أي أشكال تغييرية على مستوى البرامج ولا على مستوى الأشخاص خاصة وأن لا جديد مطروح يمكن أن يكسب ثقة الشعب.
2. حتى الأصوات التي كان يعول عليها المواطن في عملية التغيير والإصلاح والتي أعلنت عن تحالفاتها الأنتخابية وشكل ما يمكن أن تقدمه من برامج وشخصيات لم ولن تحمل أي جديد، وخاصة التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي ودعوته الصريحة لمكافحة الفساد وأعادة الأعمار والبناء وضمها لشخصيات تعتبر رموزا هامة في ظاهرة الفساد الحالية، مما شكل خيبة أمل حقيقية للكثيرين الذين علقوا أمالهم في حدوث تغيير حقيقي وأصلاح وطني شامل.
3. العدد الهائل من الأحزاب المشاركة والتحالفات التي تشكلت والتي تتراوح بين تأكيد المنهج السياسي الراهن ونتائجه وأختيار نفس الشخصيات والأفكار المطروحة ستؤدي إلى أولا تشتيت الأصوات الأنتخابية بينها مما يضعف من وصول بعض الأصوات الحقيقية التي هدفها التغيير والإصلاح بأعتماد قانون سانت ليغو المعدل أو فرض شخصيات لم تتمكن الفوز بالأنتخابات من خلال تسخير هذا القانون وأعادة توزيع الأصوات داخل الكتل الفائزة بشكل مخالف للمفهوم الديمقراطي حين يصل للبرلمان من لا يتم أنتخابة وحرمان الأصوات المنتخبة بحجة العتبة الأنتخابية للكتلة الفائزة بأعلى الأصوات.
4. يبقى وسيبقى شكل النظام السياسي مبني على الطائفية والعنصرية وتوزيع المقاعد بناء على حجم التحالفات داخل كل طائفة أو قومية أو مكون، وبذلك فأننا نعيد أنتاج نفس الشكل الحالي للعملية السياسية وتغييب مفهوم المواطنة وتجذيرا لنظام المحاصصة سيء الصيت واللجوء إلى التوافقات وما يسمى بالديمقراطية التشاركية التي نوع من أنواع الأسترضاء بدل وجود غالبية برلمانية وأقلية معارضة تمارس الرقابة وتفرض نوعا من التوازن في الحسابات الوطنية.
5. غياب الرقابة الأممية والدولية وأقتصارها على يوم الأنتخاب فقط دون التدقيق في شكلية وجوهرية النظام الأنتخابي برمته سضعف من فاعلية هذا الحضور خاصة بعد فترة الأنتخاب وتعطيل النتائج والتلاعب الذي يحدث في الفرز والأعلان وما تتخلله من ضغوطات محلية وخارجية تفرضها إرادات فاعلة، مما يخرج الأنتخابات من معناها وحقيقتها تحت ذرائع الحافظ على التوازن السياسي ومراعاة هذه الأجندات وأهدافها المعلنة والخفية.
عليه وأمام هذا الواقع فأن الرؤية الضبابية التي تحيط بالأنتخابات وتتسيد المشهد تشير إلى تكرار النموذج السابق الذي مر خلال ثلاث دورات أنتخابية مع بعض التغيرات الشكلية التي لا تمس جوهر القضية الديمقراطية ولا تغيير في المعادلات الوطنية، طالما أن أساس البنية القانونية والتشريعية مصابة بخلل أساسي يتعارض مع الجوهر الديمقراطي المدني السلمي، ولا بد أن نؤكد أن ضعف الرقابة الأممية والدولية والتدخلات الخارجية في تحريك القوى السياسية وفقا لأهدافها، تفرغ محتوى الخيار الديمقراطي الشعبي ولا تعكس بالضرورة المصالح الوطنية للشعب وأهدافه وتطلعاته المشروعة، ويبقى الوضع على ما هو عليه بأنتظار فعل شعبي وطني حقيقي يعيد للعملية السياسية مسارها الصحيح، ويرغم السلطة بأطرافها جميعا العمل على الأحتكام إلى إرادة الشعب وأولها أبعاد مفهوم الطائفية والمحاصصة وسانت ليغو، وأعادة رسم العملية وفقا للقواعد الديمقراطية التمثيلية الحقيقية.