أدوار إجتماعية للإيجار

سعود سالم
2018 / 1 / 28

يوويتشي إيسهي Yuichi Ishii مواطن ياباني في السادسة والثلاثين من عمره، يشتغل في شركة غريبة تسمى Family Romance توظف أكثر من ٨٠٠ ممثلا وممثلة من جميع الأعمار ومن ضمنهم بعض الأطفال والعجائز. وإذا كنا جميعا نعرف أن المال لا يشتري كل شيء، وبالذات العواطف والأحاسيس الإنسانية كالحب والرحمة والحنان، فإن هذه الشركة تعمل على بيع المظاهر الخارجية لهذه الأحاسيس والعواطف. حسب يوويتشي، فإن هدف شركته هو تعويض الناس ما ينقضهم في حياتهم الإجتماعية أو ما يعتبرونه نقصا في هذا المجتمع الغريب. فيمكنك إذا كنت يابانيا أن تتصل بهذه الشركة لتزودك بممثل يلعب أي دور تريده في حياتك اليومية الإجتماعية، يمكنك أن تؤجر أبا أو أما، زوجا أو زوجة، أخا، أختا، إبنا، صديقا أو صديقة أو أي دور إجتماعي تريده. الشرط الوحيد المذكور في العقد هو أن يتأكد الزبون من قدرته على تحمل نتائج هذه العمليه المبنية على الكذب والخداع، وإن كان دائما لهدف نبيل وخيّر لخدمة المواطن وتعويضه عما لم تمنحه الحياة.
لقد كانت هناك صديقة عائلية ليوويتشي، تعيش لوحدها مع إبنتها، وعندما أرادت أن تسجلها في مدرسة خاصة، ووجهت بالرفض بحجة عدم وجود الأب. وهنا جاء يوويتشي لمساعدة صديقتة العائلية لتسجيل البنت الصغيرة في المدرسة وذلك بتقديم نفسه كأب لهذه الطفلة. لم تنجح العملية وباء بالفشل في دوره الأول الذي لعبه. غير أن ذلك الموقف هو الذي أعطاه فكرة إنشاء هذه الشركة Family Romance، وكان ذلك منذ ثمانية سنوات. حيث أدرك وجود آلاف وربما مئات اآلاف من المواطنين والمواطنات الذين يعيشون في وحدة قاتلة والذين يحتاجون لمن يسندهم نفسيا واجتماعيا، والظهور بجانبهم أمام أهلهم وأصدقائهم. ومنذ ذلك الوقت وهو يعيش في عمله "أدوارا" مختلفة كلها زائفة وغير حقيقية، أي أنه يمثل أدورا، والشخص الوحيد الذي يعلم أن الأمر كله مسرحية هو الشخص الذي يدفع له راتبه. في بداية هذه التجربة، قام يوويتشي بتمثيل دور الأب لطفلة في الثانية عشرة من عمرها. أم الطفلة انفصلت عن أب الطفلة بسبب سوء معاملته لها وبسبب طبيعته العنيفة ولم تعرفه الطفلة مطلقا وقد اختفى من حياتهما نهائيا، حتى ظهر ذات يوم في صورة يوويتشي الرقيق واللطيف والذي يـأخذ إبنته للملاهي ويتجول معها في الأسواق ويأكل معها في المطعم كل أسبوع. الوالدة تدفع له 20,000 ين، أي ما يعادل -$-200 بالإضافة للمصاريف لكل أربعة ساعات يقضيها مع الطفلة. وكانت الطفلة تبكي في كل مرة عندما يحين موعد الفراق، حيث تعودت على حضوره، ومن الواضح أنها تحبه كأب يهتم بها ويحبها. كان يراها مرة في الأسبوع لمدة أربع ساعات ثم في بعض المناسبات الخاصة كعيد الميلاد وما شابه ذلك. السبب الذي جعل الأم تلجأ إلى خدمات هذه الشركة هو الضغط الإجتماعي العنيف الذي تعرضت له الطفلة بسبب غياب الأب والعذاب التي تعرضت له من قبل بقية الأطفال ولكن أيضا من قبل المؤسسة التعليمية والجيران والمجتمع عموما. ومنذ أن ظهر الأب المزيف، والذي أتخذ الإسم الحقيقي لأب الطفلة تحسنت الأمور وأصبحت حياة الطفلة والأم طبيعية، رغم العذاب النفسي الذي تعانيه الأم بسبب كذبها على طفلتها وعدم قدرتها على إسدال الستار وإيقاف المسرحية. أما يوويتشي فإنه يكذب بدوره على طفلته والذي أقنعها بأنه انفصل عن أمها منذ زمن طويل وأنه الآن له عائلة وإلتزامات أخرى ولهذا فهو لا يستطيع أن يراها سوى بضعة ساعات في الأسبوع. يقول يوويتشي بأنه الأب الوحيد الذي تعرفه هذه الطفلة والتي أظهرت حبها الواضح له، وبأنه ربما سيحضر حفلة زواجها ذات يوم ويكون جد أطفالها، وإذا لم تقرر الأم أن تقول لها الحقيقة في يوم من الأيام فإنه ملزم بأن يلعب هذا الدور حتى النهاية. ويقول بأنه أحيانا يحلم في نومه بأنه يخبرها بالحقية وبأنه ليس والدها وأنما موظف في شركة فاميلي رومانس، ولكنه غالبا ما يستيقظ قبل أن يرى ردة الفعل المؤلمة. وهناك بطبيعة الحال قوانين صارمة تنظم هذا البرنامج الفريد من نوعه في العالم المعاصر، فمثلا لا يحق لأي ممثل أن يلعب أكثر من خمسة أدوار في نفس الوقت، أي لايحق له أن يكون في علاقة مع أكثر من خمسة عائلات أو زبائن وذلك من أجل الحفاظ على سلامة وسرية المعلومات المتعلقة بهذه العائلات. ومن القوانين أيضا عدم ممارسة الجنس أو تقبيل الزبائن وعدم الإنفراد بهم في أماكن مغلقة وذلك لحماية الممثل أو الممثلة من الإنزلاق في علاقة شخصية وعاطفية مع الزبون.
يقول يوويتشي بأن العديد من الناس يفضلون زوجا أو زوجة مزيفة من هذا النوع، ذلك أنهم بذلك يحصلون على ما يريدونه بالمواصفات التي يختارونها وفي الوقت الذي يختارونه، كما أن هذه الحياة الزوجية المبرجمة كمظهر إجتماعي تخلو من النزاعات والخلافات العائلية المعهودة، وتخلو من الغيرة ومن العادات السيئة مثل الخيانات والحسد إلخ. أنه في واقع الأمر الزواج المثالي الذي يمكن أن يستمر مدى الحياة، لأنه يخلو من العرضية والمفاجأة والتعقيدات الزائدة.
وهناك حالات يلجأ فيها المواطن الياباني للكذب على أهله وعائلته ليتمكن من الحياة بحرية الحياة التي اختارها. ويذكر يوويتشي أن الفتاة اليابانية لاتتمتع بالحرية في ممارسة حياتها العاطفية والجنسية. فالفتاة "المثلية - lesbienne" تعاني من ضغط اجتماعي وعائلي دائم، ويطلب منها ليل نهار أن تتزوج، ولا تستطيع بطبيعة الحال أن تعترف بمثليتها لعائلتها المحافضة. وهنا تلجأ للشركة Family Romance، وتستأجر عريسا ومدعوين وأصدقاء وتنظم حفلة زفاف بكل طقوسها، لتعيش فيما بعد في سلام حياتها كما تريد. ويأتي الزوج المأجور للطهور معها ويرافقها من حين لآخر لزيارة العائلة في المناسبات الدينية أو الإجتماعية، أما بقية الوقت فتعيش مع صديقتها حياتهما الحقيقية بدون إزعاج. وفي حالات أخرى يمكن اللجوء إلى خدمات الشركة لهدف إنساني بسيط، مثل ذلك العجوز على فراش الموت الذي يرغب في رؤية حفيده كآخر أمنية له قبل أن يذهب إلى السماء، ولكن لسوء الحظ حفيده هذا ما يزال في بطن أمه، فأتت له العائلة بطفل مأجور لمدة يوم أو يومين ليموت الجد في سلام. ومن أسوأ الأدوار التي لعبها يوويتشي، دور الموظف الخاطئ والذي عليه أن يعتذر عن خطأه. ففي الثقافة اليابانية، العمل في أية شركة أو مؤسسة يتطلب إحترام التراتب الهرمي كما في الجيش، وأي موظف يرتكب خطأ ما عليه يعتذر عن ذلك علنا أمام رئيسه. وهناك بعض الموظفين الذين لا يحتملون هذا الموقف المهين فيلجأون إلى شركة يوويتشي. ويأتي هذا مع الموظف المعني الذي يظل واقفا بجانبه بينما يوويتشي ينحني على ركبتيه ويديه مرتعشا - لا بد أن يرتعش - محنيا رأسه عشرات المرات مرددا أنا آسف Gomen Nasai بينما رئيسه يزجره ويسب ويشتم محمر الوجه ويصب جام غظبه على رأسه. وعليه أن يستمر في هذه المسرحية ويواصل الإنحاء وترديد التعويدة " قومين ناساي" حتى يختفي رئيسه ويدخل مكتبه.
الشيء المثير في هذه القصة، بغض النظر عن الجانب الإجتماعي والنفسي للمجتمع الياباني والذي هو ليس من إهتمامنا الآن، الشيء المثير هو ظهور نوع جديد من المسرح والذي يمكن تسميته بالمسرح الواقعي أو الحقيقي أو الحياتي Concrete Theatre أي المسرح الذي يلعب فيه الممثل دورا إجتماعيا حقيقيا، وحيث جمهور المشاهدين لا يعرفون أنه يلعب دورا بل يعتبرونه في دوره الطبيعي كأب أو كأم، كزوج أو زوجة، وحيث تتحول مدينة مثل طوكيو إلى مسرح دائم … وهذا بطبيعة الحال يعود بنا إلى السؤال المطروح والذي نحاول البحث فيه بطرق مختلفة : ما هو الواقع؟ وهل عندما نسير في الشارع، كل هؤلاء الناس الذين نقابلهم، هل يمثلون أدوارا أم أنهم يعيشون حياتهم الحقيقية، وما هي هذه الحياة الحقيقية؟ وهذا ما دفع الصحفي Roc Morin والذي أجرى مقابلة صحفية مع يوويتشي لجريدة The Atlantic الأمريكية من سؤاله في النهاية : متى تشعر بأنك أنت نفسك حقيقة؟ فأجابه بأن ذلك يحدث عندما يكون مع عائلته الحقيقية، والده ووالدته وإخوته، أما في حياته العملية كموظف في الشركة فهو دائما يمثل دورا ما. ولكن الصحفي سأله : وكيف تعرف أن عائلتك هذه ليست مكونة من ممثلين مأجورين مثلك؟ وأجابه يوويتشي بأنه لا أحد يستطيع أن يتأكد من ذلك.