الزيغة والشلفون: من الثقافة والتراث السوري الساحلي الآرامي القديم؟

نضال نعيسة
2018 / 1 / 28

الزيغة والشلفون: من الثقافة والتراث السوري الساحلي الآرامي القديم؟
نضال نعيسة
هناك الكثير من الكلمات والمفردات والجمل والمصطلحات التي ما زالت سائدة ورائجة في سوريا، ويتكلمها الناس بتلقائية وعفوية في هذه الأرجاء دون معرفة مصدرها، ولها مكان معتبر في العقل والذاكرة والذهن الجمعي العام، وقد دلفت إلينا من آبائنا وحضارتنا السورية القديمة قبل أن تنالها حملات الأسلمة والتعريب والتطهير الثقافي الرعوي التي أتت على تلك الحضارات مع ثقافتها وتاريخها التليد القديم المطمور اليوم تحت طبقة سميكة قاسية من لغة جامدة فظة قاحلة جافة لا يستطيع أحد أن يتكلمها أو يتقنها، وتكاد تكون الفصحى نخبوية جداً جداً ومجرد طلاسم بالنسبة للناطقين بها.

وهناك، أيضاً، مصفوفة طويلة عريضة من هذه المصطلحات المحكية من أصول آرامية أو سيريانية وسورية قديمة ما زالت تحتل مكاناً هاماً في المفردات المستخدمة يومياً والحياة العامة، حتى اسم قرية كبيرة مثلاً "مشقيتا" هي آرامية أو "مسقيتا" وتعني الأرض المروية وقد نجت من سيف التعريب، أو "بشلامة" وتعني بيت السلام أو السلامة والأمان، وبكراما بيت أو "الكرامة" (باللغة الرعوية)،، و"بتغرامو" أرض أو بيت الحب والغرام وهكذا...وهذه دلائل على تأثير الآرامية بالعربية وليس العكس، فكل هذه الكلمات التي باتت "عربية" مسقي، غرامو، كراما (بالألف) شلاما(السلام أو السلامة والأمن)، هي من أصول سورية قديمة....(لاحظوا المستعربين يستخدومون سورية بتاء التأنيث لإخاء أصلها الآرامي وطمسه، أما الأصل الآرامي سوريا شوريا أشيريا ٍAssyriaأو Syriaوذلك لطمس أطولها السيريانية وتعني السيدة

واليوم استذكرت، أو استعملت هذه اللفظة على سبيل الدعابة مع صديق أكاديمي مرموق خارج سوريا، وكان يهم بطبخ "فروج" وقد أرسل لي صورته على الخطب، فتذكرت تلك الحياة الريفية القديمة البريئة العذراء قبل أن تتلوث بلغة وخطاب الرعاة البعثي البدوي الظلامي ولغتهم الفظة الغليظة البعيدة عن القلب، وحين وصلتني الصورة سألته: "ما استووا هالشليفين"، ففقع ضحكة مدوية ضج بها، وزلزل أصداؤها الواتس آب، وقال لي: "العمى بر*ك لك من وان جبتها؟"

وسأركز على كلمتي الشلفون والزيغة، فأما الشلفون، ومصدر الفعل شلف بالآرامي (لا استعمال رسمي أو حتى عامي لها بالعربية وينحصر استخدامها بالساحل فقط) أي رمى من دون تركيز، و"الشلف" أيضا أدواة زراعية، وهناك مثل قائل ضربة المعلم بألف ولو شلفها شلف"، أعتقد التضمين الـConnotation واضح.. فالشلفون Shalfoon هو الديك الذي لم يبلغ أو الديك الفتي وهنا دقة لغوية اصطلاحية تنطوي على ثراء مفهومي إيحائي غاية في الروعة والجمال إذا لا يمكننا إطلاق لفظة الديك على هذا الطير في مرحلة عمرية معينة كما هو الحال بالنسبة للصوص....(قد يشكل موضوع التداخل اللغوي العربي-الآرامي وهذا موضع بحث آخر ومستقل قد نعود له فيما لو توفر الوقت)..

والزيغة، وموجودة بالعربية أيضاً مصدر الفعل زاغ لكن ما هو الأصل؟، ولكنها لا تشير للزيغة، يا طويل العمر هو الدجاجة التي لم تبلغ وفي مرحلة عمرية قبل البلوغ أي أنثى الدجاج المراهقة وكان بعض "الزعران" و"السرسرية" يلطشون الفتيات أيام زمان ويقولون مثلا: "ليك هالزيغة" اللي عم تتمختر" وتزيغ النظر، أو "ما أحلاها هالزيغة بتجنن"، وذلك كناية عن الفتاة الصغيرة التي لم تبلغ مرحلة النضوج الجسدي والنفسي...وكنا نتدر أيام اشباب كثيرا بهذه المصطلحات المتوارثة والباقية من سوريا القديمة ولغتها الجميلة قبل الاحتلال والاستعمار الرعوي الظلامي....
وأما الشلفون الديك "المراهق" الذي لم يبلغ بعد مرحلة النضوج الجسماني ولم يصبح "ديكاً" بشكل رسمي وكانت تستخدم لتسقط أحيانا على البشر تقال للمراهق أو الفتي الذي لم يبلغ ويصبح رجلاً مكتمل الرجولة...وكان يقال: "ليك هالشلفون جاي عم يحكي"، أو "والله شلفن هالولد ولازم نزوجه"، أي بلغ مرحلة المراهقة، ,حين كان يسأل عن عدد الأولاد في الأسرة الواحدة كان يقال: "عنده جوز شليفين وتلات زيغات"، مثلاً أي ثلاث فتيان صغار وبنات مثلهم، وحين كان يريد أحدهم الزواج من فتاة يسمعون بها لكنها لم تكبر بعد فكانوا يقولون: "لا ولو ما خرج لساتها زيغة"، أي ليست صالحة للزواج.....وكانوا يسألون رب الأسرة: "ما شلفنوا هالأولاد وا بو علي مثلاً؟"....
أحيوا لغة أجدادكم السوريين القدما ومن الصباح اذهبوا إلى محل بيع الدجاج وقولوا له أريد أن أشتري هـ"الزيغة" أو هـ"الشلفون"، ومن ثم ترجموا له معناها إن كان من المستعربين أو ممن أجريت له عملية التعريب والتطهير اللغوي الثقافي"...
(هناك قصة قصيرة قديمة لي بنفس العنوان: زيغة وشلفون)
حفظتكم جميعاً الربة عشتار