في مناسبة مرور مائة عام على ثورة اكتوبر الاشتراكية

غازي الصوراني
2018 / 1 / 27


اول ديسمبر 2017
في مناسبة مرور مائة عام على ثورة اكتوبر الاشتراكية


في هذه المناسبة، في هذه الذكرى الخالدة، يستحضر كل إنسان وطني تقدمي ماركسي الروح الانسانية النقية لثورة أكتوبر، في انطلاقتها الأولى بقيادة لينين، ونهجها الثوري الحازم ، المعادي بلا هوادة للاستغلال الطبقي ولكل أشكال الاضطهاد والاستعمار والرأسمالية الاحتكارية، إلى جانب العداء للصهيونية، والانحياز المبدئي والكلي للمظلومين في جميع العصور.
في هذه الذكرى الخالدة، يقف كل رفاقنا في الجبهة الشعبية وحزب وطد وكافة رفاقنا في الأحزاب والفصائل والحركات اليسارية العربية وفي كل أرجاء هذا الكوكب، إجلالاً لملايين الشهداء الذين جادوا بارواحهم دفاعاً عن الحق والعدل والمساواة والاشتراكية.
في هذه المناسبة، نتطلع بثقة إلى نضال الجماهير الشعبية العربية الفقيرة، الوفية للاتحاد السوفيتي ودوره في دعم كل قضايا التحرر الوطني ضد الامبريالية والصهيونية ، وضد كافة أشكال الاستغلال الرأسمالي.
وفي هذا الجانب لابد لنا –كفلسطينيين وعرب- من الاقرار أننا نفتقد اليوم مساندة الاتحاد السوفياتي ودعمه وتضامنه الصادق مع شعوبنا، في ظل خضوع وتبعية واستسلام النظام العربي والسلطة الفلسطينية لشروط التحالف الامبريالي الصهيوني التي تستهدف تصفية قضيتنا الوطنية الفلسطينية وطمس اهداف شعبنا الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة من ناحية ونهب واستغلال مقدرات شعوبنا العربية من ناحية ثانية، بما يكرس حالة الاستسلام العربي من خلال الطغم الحاكمة في بلادنا ، وهي أوضاع لم يكن ممكناً تحققها ، كما لم يكن ممكناً القبول بشروط الرباعية أو ما يسمى بـ"صفقة القرن" في ظل وجود الاتحاد السوفياتي كقطب نقيض للامبريالية والصهيونية.
إن الحدث السوفياتي، في العام 1917، هو الذي اعطى كارل ماركس تلك المكانة العالمية من الدرجة الأولى في القرن العشرين، التي ما كان بالإمكان إطلاقاً أن تتحقق في القرن التاسع عشر الذي عاش ومات فيه.
أما ماركس، فقد أعطى الحدث قيمته الإنسانية التاريخية، وأعطاه زخمه وقوة اندفاعه الأولى الهائلة.
لقد عنى ظهور الاتحاد السوفياتي إمكانية تغيير العالم، وهي الامكانية التي أثارت انتباه الشعوب قاطبة ممثلة بمثقفيها وقادتها الشرفاء.
وبالتالي فإن حديثنا في مناسبة مرور مائة سنة على ثورة أكتوبر، هو حديث عن الضرورة التاريخية والتواصل الراهن مع منطلقاتها ومبادئها العامة كمدخل رئيسي صوب بلورة رؤيتنا وبرامجنا المعبرة عن خصوصية مجتمعاتنا العربية.
ففي لحظتنا التاريخية المعاصرة اليوم. أزعم أنه ما يزال لثورة أكتوبر الروسية 1917 أهميتها وما يزال فهم ظروفها ومقدماتها واللحظة التاريخية التي أنتجتها يعني لنا الكثير، كمجتمعات عربية تعيش ظروفاً موضوعية توفر عوامل الثورة الوطنية الديمقراطية بآفاقها الاشتراكية لكن العوامل الذاتية (الأحزاب) مازالت معزولة عن الجماهير أو عاجزة وضعيفة ومفككة.
البروفة الأولى للثورة كانت في ديسمبر 1905، لكنها فشلت بسبب عدم توفر الظروف الموضوعية، ثم بعد 12 عاماً ، تفجرت ثورة فبراير البرجوازية في 23 فبراير 1917 بقيادة الحزب الدستوري الديمقراطي (الكاديت) وبعدها بثمانية أشهر تفجرت ثورة أكتوبر بقيادة البلاشفة وبمشاركة المناشفة والاشتراكيين الثوريين ، وكان كل من لينين وتروتسكي من أبرز قادة الثورة التي توفرت فيها العوامل الموضوعية (بؤس العمال والفلاحين الفقراء) والذاتية (الحزب البلشفي).
لقد دافع لينين، في موضوعات نيسان الشهيرة، عن فكرة أن المهام البرجوازية - الديموقراطية والإصلاح الزراعي، والقضاء على الأرستقراطية، لا يمكن أن تتحقق إلا بإسقاط الحكومة المؤقتة واستيلاء الطبقة العاملة على السلطة، بتحالف مع الفلاحين. ومن هنا جاء شعاره "كل السلطات للسوفييتات!" ، منذ ذلك الوقت صار البلاشفة يتمتعون بدعم أغلبية واضحة في السوفيتات.
في هذا الجانب أشير إلى توفر الظروف الموضوعية في بلادنا العربية في مقابل عدم توفر العامل الذاتي.
- ثورة أكتوبر حدث هز أركان العالم الرأسمالي معلناً بزوغ فجر جديد للإنسانية.
لينين والبلاشفة أدركوا أن المهمات العيانية المطروحة، التي تعكس نبض الجماهير ومطالبها الملحة، هي:
1. السلام ووقف الحرب (معاهدة برست ليتوفسك). 2. الخبز. 3. توزيع الأرضي على الفلاحين 4. تصفية الإقطاع ودولة الاستبداد وتأميم البنوك والمصانع وإطلاق الحريات الديموقراطية وتحقيق المساواة الاشتراكية.
لكن السؤال الأخطر الذي تجرأ لينين على طرحه كان الآتي: هل البرجوازية الروسية قادرة ومؤهلة لتحقيق هذه المهمات الملحة؟
وكان جواب لينين واضحاً: إن هذه البرجوازية ، غير قادرة على إيقاف الحرب وغير راغبة في ذلك.
أدرك لينين أن الطبقة الوحيدة القادرة على تحقيق المهمات الملحة هي البروليتاريا الروسية المدعومة من الفلاحين.
لذلك كله طرح لينين مقولته الشهيرة: كل السلطة للسوفييتات.
بقيادة البلاشفة، ومن ثم انتصرت (ثورة أكتوبر الاشتراكية).
إن العودة الى أحداث ثورة أكتوبر الاشتراكية الخالدة، لا تعتبر عودة الى التاريخ فحسب، بل مراجعة ودراسة لهذه المدرسة العظيمة لنضال جماهير الشعب التي حققت هذه الثورة.
ظلت ثورة اكتوبر ولازالت ، وحدها التجربة الواقعية ، التي تمكنت من تقديم ، نموذج تاريخي باقامة نظام اجتماعي ـ اقتصادي غير راسمالي..اشتراكي ، بغض النظر عن الجدل حول حقيقة وحجم، نواقصه وايجابياته .. امكنه ، في كل الاحوال ان يحقق او يكفل:
ـ النجاح في خلق قاعدة انتاجية، ضخمة .
ـ غياب وجود تفاوت اجتماعي ..
ـ التقدم العلمي الكبير الذي حققته ، في كل المجالات.
إن ثورة أكتوبر تجعلنا نفكر أولاً، وقبل كل شيء، في العلاقة بين الثورة والديمقراطية، فهناك عديدون يصورون هذا العلاقة على أنها علاقة تناحرية.
لقد شكلت السوفييتات أعظم لحظة ديمقراطية في التاريخ. ففي الثورات البرجوازيـة الكبـــــرى ( الفرنسية، والإنجليزية قبلها)، التفت الجماهير الكادحة حول القيادات البرجوازية من أجل حل مشكلاتها المتراكمة، ولكن في سياق تحقيق المشروع التاريخي للبرجوازية.
بذلك كانت ثورة أكتوبر أول حدث تاريخي تنظم فيه الجماهير ذاتها في أطر تجعلها قادرة على التحكم في مرافق المجتمع.
وكل الكلام، الذي سمعناه في العقدين الأخيرين، من أن ثورة أكتوبر كانت خطأ تاريخياً ارتكبه لينين ، يتبدد تماماً أمام عيانية أحداث هذه الثورة العظيمة.
النظام السوفيتي، كأول تجربة سلطة سياسية في التاريخ بتوجه اشتراكي جاد، استمرت سبعة عقود من الزمن في بلد كبير متخلف اقتصاديًا وسياسيًا ومجتمعيًا. راكم على مدى عقود عديدة، عددًا من الأسباب الداخلية الكبيرة والخطيرة التي أدت إلى انهياره لاحقًا.
لكن مع ذلك، فإن ثورة أكتوبر كانت قد حققت الكثير من الإنجازات للمجتمع الروسي وأغلب شعوب القوميات الأخرى التابعة له. خصوصًا أنها نقلته من مجتمع ريفي زراعي متخلف إلى مجتمع صناعي تقني متطور، في فترة زمنية قصيرة قياسًا على تقدم الغرب الأوروبي. حتى صارت الدولة السوفيتية في ظل الحرب الباردة القوة العظمى الثانية في العالم، إن لم تكن الأولى في بعض المجالات كالفضاء مثلًا.
لكن تراكم الممارسات البيروقراطية وانتشار مظاهر عبادة الفرد (ستالين) إلى جانب المؤامرات الامبريالية ، ادت تدريجياً إلى تصاعد نحو عوامل انهيار الاتحاد السوفياتي.
كان انهيار الاتحاد السوفيتي خضة مؤذية لم تصب الشيوعيين وحدهم بل والاشتراكيين في كل مكان لسبب أنه مَثَّل، رغم جميع عيوبه الواضحة، المحاولة الوحيدة التي حصلت لإقامة مجتمع اشتراكي
الذي حدث في الاتحاد السوفييتي أن خصوصيته الماركسية, دمجت العام (الأممي) بالخاص (الروسي)، وكان للخاص مساحة كبيرة طغت أحياناً على العام، وهذه مغالطه معرفية ، فنتج عن ذلك انعكاس الخاص –بالاكراه الحزبي- خاصة في المرحلة الستالينية على جميع الاحزاب الشيوعية في العالم عموماً وفي البلدان المتخلفة عموماً وبلداننا العربية خصوصاً التي تلقت التوجهات والقرارات السوفيتية بترحاب رفاقي أممي يعوزه النضج المعرفي بالفلسفة الماركسية.
خطأ الاتحاد السوفييتي, أنه عمم تجربته باعتبارها هي التجربة الماركسية, وهى في الحقيقة كانت التجربة السوفييتية بخصائص الاتحاد السوفييتي.
فمنذ وفات لينين في يناير 1924 ، تراجع دور السوفيتتات العمالية، حتى لحظة اندثارها خلال سنوات قليلة بعد وفاته ، حيث أصبح الحزب تحت السيطرة الكاملة لهيكل بيروقراطي من المسئولين المتفرغين. وكان على رأس هذه البيروقراطية جوزيف ستالين الذي استطاع أن يهزم بالتدريج جميع معارضيه حتى أصبح في عام 1928 مسيطرا تماما على الحزب وعلى جهاز الدولة.
كان ستالين، يتبنّى فكرة أن الصراع الطبقي يزداد حدة كلما تقدم الاتحاد السوفييتي على طريق البناء الاششتراكي. (هذا الموقف سبب ضرراً بالغاً للقضية الفلسطينية).
ومهما يكن، فإن هناك اتفاقاً عاماً على أن مظاهر "الستالينية" السلبية تركت انعكاسات خطيرة على التطور اللاحق لتجربة البناء الاشتراكي.
وفي هذا السياق، يقول د.سمير أمين "توقف تطور النظام السوفياتي بعد انتصار ثورة 1917 عند مرحلته الأولى، مرحلة “اشتراكية الدولة” التي أسس قواعدها لينين ثم ستالين. ثم تحجر النظام عند هذه النقطة حتى أخذ يميل إلى أن يتحول إلى “رأسمالية الدولة” في عصر بريجنيف، أو دولة "رأسمالية دون رأسماليين"، ثم وصلت تراكمات الانهيار عند لحظة اعلان البيريسترويكا عام 1985 التي استقبلها النظام الامبريالي بحماسة، دون وعي بمخاطرها لدى الاحزاب الشيوعية العربية التي فوجئت بالانهيار وانهار معظمها معه.

سؤالنا الناجم عن الانهيار هو :
ألم يكن ممكناً الحفاظ على التجربة وضمان استمرارها وإزدهارها في مستوياتها الادنى؟ ألم يكن ممكناً جعل الاتحاد السوفياتي جنة الحرية، وملاذ الاحرار المضطهدين في البلدان الرأسمالية؟ وكيف حدث أن الكثيرين كانوا يحلمون بمغادرته، بدلاً من أن يحلم الكثيرون في البلدان الرأسمالية بالانتقال إليه؟
إن هذا يقودنا إلى الحديث عن المرتدين، والمنحرفين، والخونة، داخل الاتحاد السوفياتي وخارجه، الذين ظهروا منذ اللحظة الأولى لانتصار الثورة، ونخص منهم بالذكر جماعة "الاشتراكية الدولية" الذين مازالوا على مسرح الأحداث شركاء للرأسمالية الدولية، حتى يومنا هذا.
إن الخيانة العظمى التي ارتكبتها "الاشتراكية الدولية" هي واحدة من الخيانات المبكرة التي أسست لانكفاء ثورة أكتوبر منذ بداياتها.
الأممية الثانية تداعت بدورها بنشوب الحرب العالمية الأولى. لماذا؟ لأن كل حزب اشتراكي انحاز إلى وجهة نظر الدولة التي ينتمي إليها وتحول بالتالي إلى عدو للأحزاب الاشتراكية الأخرى في الدول التي تعادي دولته.
ولقد حصل الانهيار في المؤتمر الاشتراكي العالمي ضد الحرب الذي عقد عام 1915 ثم في عام 1916، حيث رفض الاشتراكيون الغربيون ذلك البرنامج القائم على ديكتاتورية البروليتاريا وتحطيم جهاز الدولة وإقامة جهاز جديد قوامه تحالف العمال والفلاحين، كما رفضوا فكرة إمكان قيام الاشتراكية في بلد واحد، وبخاصة في روسيا المتخلفة.
لكن تلك الأسباب جميعها كانت أسباباً ظاهرية.
أما الأسباب الحقيقية، التي كشفتها الأحداث فيما بعد، فهي تعود إلى إحجام الاشتراكيين الغربيين وتراجعهم عن العمل من أجل تقويض النظام الرأسمالي العالمي . ولقد وقع الانقسام في الأممية الثانية في تلك اللحظة التي أيد فيها كل حزب اشتراكي دولته القومية في حربها.
الأممية الثانية التي صارت تعرف باسم "الاشتراكية الدولية"، انحازت إلى النظام الاحتكاري العالمي بصفتها وجهه الآخر "الاشتراكي"، أي أنها صارت تشكل النسق الثاني في إدارة النظام الإمبريالي.
لقد دخلت الأممية الثانية، أو الاشتراكية الدولية، عضوياً في تشكيلة النظام الرأسمالية، وفي هذا السياق يكفي أن نتذكر وجود "حزب العمل" الصهيوني والعديد من الاحزاب اليمينية العربية والعالمية في عداد هذه الأممية لندرك مدى انخراطها في تنفيذ أبشع جرائم الرأسمالية في فلسطين.
"والآن -بعد انهيار الاتحاد السوفيتي - يبدو واضحاً ان البيروقراطية السوفيتية (النومنكلاتورا) (في إطار الطبقة الرأسمالية الروسية) هي الطبقة التي تستولى حاليا على وسائل الانتاج" كما هو الحال في السلطة الفلسطينية والبلدان العربية حيث تهيمن النومتكلاتورا الرثة على مقدرات شعوبنا في إطار التحالف البيروقراطي الكومبرادوري.
آثار الانهيار السوفياتي على الصعيد القومي العربي:
كان انهيار النظم الوطنية التقدمية في الوطن العربي قد سبق انهيار الاتحاد السوفياتي، لصالح العودة إلى الإذعان المطلق لمقتضيات التوسع الرأسمالي العالمي، من جهة ولشروط الدولة الصهيونية من جهة ثانية.
ومع تصفية الاتحاد السوفييتي عام 1991، حسمت جلّ الأحزاب الشيوعية العربية أمرها وتبنت بلا تردد الخطاب الإصلاحي الليبرالي، مستبدلة بالمفهومات التنموية التقليدية (مثل الصراع الطبقي، والإمبريالية، والطبقات الكادحة، والثورة الاجتماعية، والتحرر الوطني، والبناء الاشتراكي، وعلاقات الإنتاج وقواه، وحق تقرير المصير للشعوب، والوحدة القومية) مفهومات ليبرالية (مثل الديموقراطية، وحقوق الفرد، والمجتمع المدني، واقتصاد السوق، والخصخصة) .
وهنا نتساءل، كم يساري عربي قرأ كتابات ماركس وانجلز ولينين وتروتسكي وجورج لوكاتش، وسمير أمين وغندر فرانك وبول سويزي إلى جانب التقاعس عن الدراسة النقدية للتاريخ السياسي والاجتماعي العربي.
لذلك كله، "عندما قررت القيادة السوفييتية إلغاء الاتحاد السوفييتي ، ظن كثير من الشيوعيين أن الذي تداعى بالفعل هو الماركسية ومن ثم بدأت عوامل التراجع الفكري و السياسي في احزابهم، صوب الليبرالية، أو المواقف التوفيقية.
فأخذوا يتكلمون عن الديموقراطية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان بمعزل عن الرأسمالية والإمبريالية والصهيونية والصراع الطبقي والاشتراكية والتحرر القومي.
نتائج الانهيار : على الصعيد الدولي : ظهور النظام الامبريالي المعولم وفق قواعد النيوليبرلية التي وضع معالمها ميلتون فريدمان وجون هايك، وبروز منظمة التجارة الدولية والصندوق والبنك الدوليين، والسيطرة المعولمة على مقدرات كوكبنا، وتعاظم أساليب الاستغلال والسلب والاحتكار من قبل المراكز الرأسمالية المعولمة وأصبح الهدف، تكريس استغلال فائض القيمة لدى شعوب العالم الفقيرة (77 تريليون الناتج الاجمالي للكوكب).
إن انتصارات الليبيرالية الرأسمالية الحالية لا تمثل "نهاية التاريخ" بل فقط مرحلة فيه، لكن هذه المرحلة قد تمتد في الزمان بحيث تستطيع الرأسمالية الخروج من ازماتها ، وإذا بقيت شعوب العالم غير مسلحة إيديولوجيا وسياسيا لمواجهته ، فإن عوامل السيطرة والاستغلال المعولم ستزداد بوتائر غير مسبوقة.
إذن الخيار هو الاشتراكية أو، الهمجية وإن هذا الخيار يفرض نفسه في الظروف الراهنة بقدر لم يسبق له مثيل في تاريخ الانسانية.
آخذين بالاعتبار ما حصل منذ سبعينات القرن العشرين بالنسبة لطبقات العمال اليدويين في الأقطار الرأسمالية المحورية ("العالم الأول") أنها تقلصت بصورة مطلقة، وفقدت مقداراً كبيراً من وعيها الطبقي الموحد، وتنتقل إلى أحزاب الليبرالية الاقتصادية، كما حدث في بريطانيا وفرنسا وبلدان أوروبا وفي الولايات المتحدة، وبالتالي لا أتوقع انهياراً للرأسمالية وانجاز الاشتراكية في المدى المنظور.
فالليبرالية الاقتصادية والسياسية، بمفردها أو مع غيرها، لا تستطيع أن توفر حلاً لمسائل القرن الحادي والعشرين. لذا: آن الأوان من جديد للنظر إلى ماركس نظرة جديدة، تقوم على ايجاد سبل الحوار بين القوى الماركسية في العالم ، على طريق إعادة بنائها واستنهاضها في الأطر القطرية أولاً ثم القومية وصولاً إلى ادراك أن هذا الاقتراح يفتقر لمقوماته وعناصره الرئيسية في الظروف الدولية والعربية الراهنة، الامر الذي يفرض علينا –في الجبهة وقوى اليسار العربي- أن نتساءل في زمن انهيار وانحسار قوى اليسار العالمي.
ما الأطر والقوى القادرة على إعادة بناء وتشكيل مثل هذه القوى الثورية؟..أطرح هذا السؤال من دون أن أجيب عنه. فهو لا يقبل إجابة جاهزة سريعة، شأنه في ذلك شأن جميع الأسئلة المصيرية.
وعلى أي حال، فإن الإجابة عنه ليست مجرد فعل نظري معرفي، وإنما هي سيرورة تاريخية اجتماعية لها بعد نظري وبعد عملي ثوري.
فالسؤال المطروح إذاً ليس سؤالاً بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما هو مظهر لسيرورة ثورية، لهاجس تاريخي قومي، للبحث عن حل تاريخي لمأزق قومي إنساني، الأمر الذي يفرض علينا أن ندرك – بوعي عميق- أن إنضاج شروط مجابهة نظام الاستغلال الرأسمالي المعولم لتوفير عوامل انهياره في بلادنا أو غيرها من بلدان العالم، يتطلب بالتحديد امتلاك الوعي بالماركسية والاشتراكية من جهة والوعي العميق بمكونات واقعنا السياسي الاجتماعي الاقتصادي من جهة ثانية، ومن ثم فتح أبواب النقاش لازمة الاشتراكية على مصاريعها دون أي قيد، بما يمكننا من بلورة الرؤى والبرامج والاطر التنظيمية القادرة على ممارسة التغيير التحرري الثوري الديمقراطي المطلوب.
ماذا يعني أن تكون ماركسياً اليوم؟ لا يمكننا في هذه المناقشة، تجنب التساؤل الذي يساور كل منا اليوم والقائل: ماذا يعني أن تكون ماركسياً اليوم؟
"أن تكون ماركسياً يعني أن تبدأ من ماركس، ولكن لا تتوقف عنده، أو عند أحد كبار خلفائه في العصر الحديث، حتى لو كان لينين أو ماو. وهناك فرق بين أن تكون ماركسياً، أو أن تكون ناطقاً بالماركسية.
أن تبدأ من ماركس، يعني أن تبدأ بالجدلية المادية والتاريخية، دون أن تعتبر جميع النتائج التي توصل لها باستخدامها كانت صحيحة في وقته، ومن باب أولى اليوم.
أما إن فعلنا ذلك فهذا يعني أننا حولنا ماركس إلى نبي، الأمر الذي لم يدعيه على الإطلاق. لا بد من نزع القداسة عن ماركس.
أن تكون ماركسياً يعني أن تكون اولا وطنيا وديمقراطيا جيدا ، وأن تبدأ بتراثك التقدمي والتراث الانساني والفلسفي الديمقراطي العظيم ، اليوناني والاوروبي ، خاصة عصر النهضة والاشتراكية الطوباوية والثورة الفرنسية والحداثة بكل جوانبها .
وبهذه الروح يجب، في رأيي ، أن ننظر في قضية النظرية الثورية واهدافها السياسية ،التحررية والديمقراطية المجتمعية أوالطبقية من اجل تحقيق اهداف الجماهير الشعبية الفقيرة .
من هنا أتوجه إلى كل الرفاق عموماً والشباب والشابات خصوصاً بالقول: إن البحث في الماركسية يجب أن يبتدئ من التخلص من إرث الأفكار البالية الرجعية والمتخلفة والشوفينية وكل ادوات ومظاهر الاستبداد الداخلى او تقديس وعبادة القيادة او الافراد، وامتلاك الوعي بالمنهج الجدلي المادي وتطبيقاته على الاقتصاد والمجتمع والثقافة ، كما على كل جوانب الواقع انطلاقاً من قناعتهم بأن أحزاب اليسار الماركسي العربي وحدها التي تملك الرؤية الإستراتيجية النقيضة للوجود الامبريالي الصهيوني في بلادنا ولكل قوى اليمين الليبرالي والاسلام السياسي، من منظور الثورة الوطنية الديمقراطية ... وهي بالتالي وحدها التي تمثل المستقبل لشعوبنا العربية.
في ضوء ما تقدم، تبدو الحاجة ملحة لاكتساب وعي مناسب بما هي الديموقراطية ، وبضروتها وراهنيتها، وعي ينطلق من حاجات الواقع ذاته، ومن ضرورة الانعتاق من الاستبداد، بجميع صوره وأشكاله، ومن تقدير الحرية حق قدرها.
ولكن ما هي الديموقراطية التي نحن في حاجة اليها؟ لاشك أن احترام إنجازات الديموقراطية البورجوازية – حقوق الإنسان وحرية الرأي وإقامة مؤسسات الحكم على مبدأ الانتخاب.. إلخ.. لا تكفى، إذ أن الديموقراطية الغربية ناقصة من حيث المضمون الاجتماعي.
"فالديموقراطية التي تطمح إليها جماهير العالم الثالث المعاصر هي بالتحديد تلك الديموقراطية والتي تجمع بين التأكيد على البعد الاجتماعي إلى جانب العَلمانية، وهنا يتجلى الخلاف الجوهري بينها وبين الديموقراطية الليبرالية.
الأمر الذي يتطلب تفعيل دور القوى والأحزاب الوطنية الديمقراطية التقدمية في أوساط الجماهير الشعبية بما يؤدي إلى مراكمة العديد من عوامل الضغط الشعبي تحت شعار التغيير الديمقراطي المحمول بالوعي العميق لمضامين مفاهيم المواطنة والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والعَلمانية كشعارات مركزية لعملية التغيير المطلوبة.
لابد لنا من طرح رؤية ماركس ولينين الديمقراطية البديلة، الديموقراطية الاجتماعية المنسجمة مع نفسها، ديموقراطية الغالبية الكادحة، كمدخل رئيسي صوب تحقيق مضمون استراتيجية الثورة الوطنية الشعبية الديموقراطية التي تفتح في هذه الظروف مرحلة الانتقال الطويل والشاق إلى الاشتراكية .
لأن أطروحة التحرر الوطني القديمة تجاهلت إلى حد كبير البعد الديموقراطي الضروري من أجل دفع التقدم الوطني الشعبي.
لقد تحولت الرأسمالية الى البربرية وتندفع نحو الابادة الجماعية وأصبح من الضرورى ان يحل محلها منطق مختلف طالما ترغب فى بناء عالم مؤسس على التضامن بين البشر . إن الاختيار اليوم اصبح بين الاشتراكية والبربرية وليس بين الاشتراكية والرأسمالية.