خمارة دليلة والزئبق -10-

علي دريوسي
2018 / 1 / 26

ضحكتُ بدوري وقلت: وأنت ما هي حكايتك يا معلم وفيق؟ يلقِّبك الناس في غيابك بالأعرج وهذا أمر عادي، فالجميع صار يعرف بأنَّك تَغْمِز برِجلِك بعد أنْ سقطت في مراهقتك في بئر المصعد وأُصيبَتْ قدمك بعَطَبٍ. لكنهم غالباً ما يسمونك "ربع البالة"، كما يفعل أبي أيضاً، فمن أين جاء هذا اللَّقَب؟
أجابني وفيق: يبدو أنَّنا سنتوقف عن العمل لهذا اليوم. سأنزل إلى الدكان وأشتري لنا بطحتي براندي وبعض المكسّرات، وبعدها نستطيع أن نتكلم بمزاجٍ أفضل. سأحكي لك عن قصة ربع البالة وقصص أخرى حين أعود، اِنتظرني لن أتأخر.
قاطعته: ولو يا معلم، أستطيع أن أذهب بمفردي لأحضار ما ترغب إذا أحببت.
ردَّ وفيق: لا فائدة من ذهابك، لأنَّهم لن يبيعونك المُنْكَر، المنطقة هنا كما ترى مختلفة عمّا تعرفه في ضيعتك، هنا لا أحد يشرب الخمر علناً أو يبيعه إلا لمن يعرفونه جيداً، ثم ليس لدي نقود وسأشتري منهم بالدين، فأنا منهم وفيهم.
*****
رجع وفيق بغنيمته بعد حوالي عشرين دقيقة، جلسنا في ظل حائط ورحنا نشرب. قال وفيق: عمّا كنا نتحدّث؟ سألتني عن قصة لقب الربع بالة، ها هي القصة...
*****
"ذهبتْ جدتي أم شفيق صباح يومٍ من القرية إلى البالة في سوق ساحة السمك في المدينة مشياً على الأقدام خلف أحلامها، أرادت شراء غطاءٍ جديد للرأس، كان لديها مناسبات كثيرة في تلك الفترة، لعل زيارة الصهر المنتظر من أهمها، العريس الموعود لابنتها، بحثتْ طويلاً عن إِيشارب حتى وجدتْ ما يناسبها...
بإشارةٍ من يدها اليمنى سألتْ البائع: كم حقه يا أخي؟
بإشارةٍ من يده اليسرى أجابها: نصف ليرة، ثم بربر كلمة: يا أختي!
هرشت رأسها مُتذاكية، بدأت التَشْبِير، اللغة التي تُتقنها، وقالت: والله يا أخي غالي جداً، ألا تبيعه بثلاث أرباع الليرة!؟ (وكانت تقصد في الحقيقة ربع ليرة فقط لا غير)
قَبِلَ البائع، ابن حارة الصليبة، عرضها بإيماءةٍ من رأسه دون كلمات.

مشت على قدميها مرةً جديدة إلى حارة الرمل الفلسطيني التي بُدِأَ البناء بها آنذاك، هناك سكنت أختها حديثاً، توجَّهتا معاً إلى تعزية أحد الأقارب. في غرفة العزاء بدأت لغة التَشْبِير بين النساء لمواساة بعضهن البعض، بعد بُرْهَة قصيرة نهضتْ من قعدتها على البساط راغبةً بالذهاب، نهضت بقية النسوة معها لوداعها وشكرها على قيامها بالواجب، نظرت إليهن بحرجٍ، رفعت يديها مُلوِّحة في الهواء أمام الوجوه الحزينة، قالت بصوتها القروي الحنون: اِقعدن، اِقعدن، الله لا جعلكن تقمن. (لعلها ودَّت أن تقول: شكراً لكن، لا تعذبن أنفسكن بالنهوض لأجلي!)
اِسْتَوْدَعَت أختها الله بعد أن حكت لها عن تجارتها الرابحة في السوق ووعدتها بأنّ تَقُصّ عليها في اليوم التالي أخبار العريس.

في المساء تناولت عائلة أم شفيق طعام العشاء، الأرز على زوم الفروج والسلطة، برفقة العريس الشاب، ابن المدينة، الذي يزورهم للمرة الأولى للتعرُّف على إحدى بناتها.
سأله جدي أبو شفيق: ما الذي تشتهيه يا ضيفنا العزيز بعد هذه الوجبة الدسمة؟ قبوع من البُوْظَة المُجَلّدة؟ أم كأس شاي أسود؟
أجابه بحياءٍ: بارك الله بكم يا عمي وجعلها سفرة عارمة، لعلّ الشاي في هذا الطقس الحار أرحم من البُوْظَة.
أعدت أم شفيق الشّاي الأسود، جلبت ابنتها الكؤوس وعلبة السُّكَّر، خرجوا جميعهم إلى البلكون لشربها، وضع العريس ثلاث ملاعق صغيرة من السُّكَّر في كأسه، بعد أن بردت الكأس الساخنة قليلاً أخذ منها رشفة، لم يستسغ طعم الشاي، أضاف له المزيد من السُّكَّر، شرب منه ولم يقدر على المتابعة، قال: يا إلهي كم هو ثقيل! يؤسفني أني لا أستطيع شربه يا عمي أبو شفيق، والله قد تعوَّدت في غربتي في الشام على الخفيف، شاي الزهور والنباتات!
فرك أبو شفيق شاربيه الصغيرين وأجاب بفخرٍ: إنَّه الشاي المفضّل بالنسبة لي، خاصة بعد بطحة العرق! ثم طلب من زوجته استبدال الكأس الثقيلة بواحدةٍ أَخَفّ.

أمسكتْ أم شفيق الحائرة كأسه بين أصابعها، نظرتْ إلى لونه، باليد الأخرى وبعفويةٍ غير مُصطنَعة حملت كأسها، حاولتْ تقدير وزنيهما، استغربتْ ما يدّعيه الضيف، تمتمت في سرها: ليس ثقيلاً كما قالَ!
نهضتْ، بدت وكأنَّها تشك فعلياً بقدرات العريس العقلية، لحقتها ابنتها، لتجدها تبربر: يا عالم، يا ناس والله ليس بالثقيل. وضعت الكأس على الطاولة، حملتها ثانيةً كأنَّها تُخمِّن وزنها، خاطبت اِبنتها: يا الله، والله ليس بالثقيل! إذا كان عريسك لا يقدر على حمل هذه الكأس، فكيف له أن يحملك أنت النحيلة إلى فراشه؟

في اليوم التالي سألتها أختها: ما هي أخبار عريس الهنا يا أم شفيق؟
أجابتها: لا أعرف كيف يتجرَّأ قارئ عدّادات الماء على طلب يد ابنتي، بعد أن دفعنا لها دم قلبنا حتى تخرّجت من مدرسة الفنون النسوية!؟ فقط، لأنّه يعيش في جبل العاصمة؟ والله يا أختي طردته مجرد أن شرب كأس الشاي الأول."
*****
أضحكتني القصة حتى أدمعتْ عينايّ، في الوقت نفسه شعرت بالحزن والتعاطف مع المسكينة الهَبْلاَء أم شفيق. ثم سألته: بالله عليك يا وفيق ألم تندم جدتك على طردها للعريس؟
علّق وفيق: بعد مدة زمنية شعرت جدتي بالكآبة والندم الذي لا يُطاق لأنَّها خافت على مستقبل بناتها من التعنيس.

وبينما كنا نتكلم بشفافية واِسترخاء وصل إلى مسامعنا فجأةً أصوات نساء في حالة عراك...