المعرفة في رواية -أبناء الشيطان- محمود شاهين

رائد الحواري
2018 / 1 / 26




المعرفة في رواية
"أبناء الشيطان"
محمود شاهين
المجتمع العربي يهمل التعليم الجنسي ويتعامل معه كفعل محرم يحظر تناوله أو الحديث فيه أو عنه، فثقافة "العيب والحرام" ـ حسب راي الاستاذ "نضال دروزة" مسيطرة ومهيمن على العقول، لهذا نجد العديد من حالة الزواج تنتهي بالطلاق لوجود خلل في الثقافة لجنسية عند الأزواج، "محمود شاهين" يقدم رواية جريئة، لأنها تكشف احدى عيوبنا، وطريقتنا في التعامل مع المرأة، ففي هذه الرواية تتحمل "ذؤابة" من زوجها "حكيم" ما لا تتحمله عشيرة من النساء، إن كان هذا التحمل لكونها زوجة وعليها أن تحافظ على زوجها في مجتمع ذكوري ينظر إليها نظرة دونية، أو كانت أنثى وعليها أن تلبي وتشبع رغبات الذكر "زوجها" أو كانت إنسانة تتفهم الحالة المرضية التي يمر بها "حكيم" وعليها أن تراعي حالته.
الأهم في الرواية أنها تقدم لنا امرأة جلدة وصابرة لكنها تبقى إنسانة من هنا نجدها ـ احيانا ـ تتقهقر متراجعة عن ثباتها وجلدها أمام عتو حالة "حكيم" المرضية، يبدأ الراوي روايته بمشهد في غاية القسوة والعنف: "أركعها على ركبتيها على حافة السرير وشمر لباس البيت الفضفاض الذي ترتديه على ظهرها وحسر سروالها قليلا أسفل رد فيها واستل (سوأته ) ! وواقعها بعنف في سرعة فائقة متأوهاً بصوت عال دون أن ينزع قطعة من ملابسه، ودون أن تفارق مؤخرة فتاة البكيني التي شاهدها على المسبح مخيلته" رواية تبدأ بهذا المشهد لا بد أن تجعلنا نتألم لواقع المرأة، فهي مجرد وعاء يضع/يفرغ فيه الزوج حاجته، فما قام به "حكيم" لا يتعدى فعل حيوان يمارس غريزة الجنس. أما "ذؤابة" فكانت ضحية تغتصب أقرب منها إلى زوجة تمارس الحب مع زوجها.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تعامل بوحشية من قبل "حكيم" ولم تكن المرة الأولى التي لا تشبع غريزيا كما شبع زوجها، بل هو نهج متكرر ومتواصل يقوم به "حكم"، وهي دائما من تقدم التنازلات له، فهي قبلت أن تكون وسيلة التفريغ حارم نفسها من المتعة في سبيل ارضاء الزوج المريض: "وصممت على أن تمتعه بأقصى ما تستطيع دافعها أمر واحد ، أن تجعله يشعر بالإشباع ويكف عن اختلاس النظرات إلى النساء، وكانت مستعده لأن تجعله يواقعها أينما شاء !!!" هذا حال المرأة العربية، لكن هذه الارادة تلازمها ألم جسدي ونفسي، وهنا تكون "ذؤابة" تمارس شيء من المازوشية بحق ذاتها، معطيه المجال "لحكيم" لأن يمارس سادية جنسية بشكل فج وغير عادي، "وحين استند على بطنها مقرباً باهه من عنقها ،احتوته بقبضتيها ،ثم أخذته ملء فيها ، وأطبقت عليه بشدقيها .
تأوه حكيم من أعماقه وذؤابة تقبل عليه تقديماً وتأخيراً. وجاهد قدر الإمكان أن لا يمثل فم سارة في مخيلته ، غير أنه لم يفلح .صرخ بعد لحظات .مخافة أن ينتشي في فيها ! " خلص توقفي " غير أنها لم تتوقف !!!!
ما أدهشه أن ذؤابة راحت تنتشي أيضا مطلقة الرعشات الرعشة تلو الرعشة . لم يصدق ماذا يجري " فهي هنا ضحية ومساهمة في جلد ذاتها، بينما كان "حكيم" جلاد بامتياز، يمارس دوره كذكر مسيطر ومهين لا ينافسه أحد في زوجته.
لكن ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بمعنى أنه أخذ حاجته منها، ولم ليسمح لها بأن تأخذ كافيتها منه كما أخذ كفايته منها، بل نجده يمر بحالة من الصرع الشيطاني فيبدأ بالصراع: "باكيا من أعماقه ويلطم بيديه على جانبي رأسه " لا ،لا ، لا لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا حول ولا قوة إلا بالله "" ولم يكتفي بهذا الأمر بل أضاف إليه هذا الفعل: " ابعدي عني ، لا تلمسيني ، الشيطان يسكنك الآن ، أنت قذرة ، وسخة "...لا ! عاهرة ! عاهرة ! اخرجي من حياتي ، انصرفي ، لن أحيا مع امرأة عاهرة تسكنها الشياطين " أي امرأة هذه التي تتحمل كل هذا، تتحمل ممارسة جنسية غير سوية، وزوج لا يعطيها كفايتها، وعليها أن تتحمل مرضه وما يلازمه من صراخ وشتم.
فهل سيتوقف الأمر عند هذا الحد أم أن هناك مزيد من الضغط ستتعرض له "ذؤابة"؟ ، المشهد التالي يعطينا الاجابة: "" أخرجي قبل أن أمزق جسدك "
تراجعت ذؤابة تقهقراً دون أن تستدير
... هربت نحو مدخل البيت ... . فوجئت به يخرج خلفها ويصرخ " أين تهربين يا عاهرة " ... فتح الجيران أبواب بيوتهم ليتبينوا الأمر . هرع شاب بعباءة خلف ذؤابة . توقفت حين التفتت وشاهدت الشاب يتبعها على المصعد حاملاً عباءة . لف الشاب العباءة على جسدها فيما فتحت فتاة باب بيتها وهتفت " ذؤابة حبيبتي "...كانت ترتجف بشدة والدموع تغطي وجهها" أي امرأة هذه التي تستطيع أن تتحمل مثل هذا الوضع؟ وأي ذكر هذا الذي يقوم بهذا الفعل؟ مشهد في غاية القسوة والعنف، ليس العنف الجنسي فحسب، بل العنف السادي، عنف متطرف وغير إنساني، ومع كل هذا نجدها تتحمل وتقبل بالزوج على علته.
يطلب منها "حاتم" أخ "حكيم" أن ترتدي النقاب لكي تخفف من حدة التوتر والمرض عند "حكيم" فما كان منها إلا أن قبلت الأمر بصدر رحب: " من أجل أن يشفى حكيم مستعدة لأن أرتدي النقاب مدى الحياة يا حاتم" بهذا الشكل كانت الزوجة العربية تتحمل فوق طاقتها الجسدية والنفسية والاجتماعية في سبيل الحفاظ على الزوج.
سنتوقف عند هذا الأمر لنشير إلى أن المرأة تلعب دور الضحية وبشكل متقن، فلا نجد منها أي مبادرة للرد أو للمواجهة أو لصد أفعال الزوج غير السوية، فقد وضعت نفسها لتكون "جمل المحامل" وكأنها كمرأة عربية عليها أن تقوم بهذا الدور فقط، وليس منن واجبها أن تقاوم أو تواجه العنف الجسدي والنفسي، من هنا نقول أن "ذؤابة" تعاني من "المازوشية" كما يعاني "حكيم" من السادية، وكأن المجتمع العربي مقسوم إلى هاذين المرضين، قسم مازوشي "نساء" وقسم سادي "ذكور" .
بعد أن تخف حالة "حكيم" المرضية يعود إلى البيت، لكن الحالة تعاوده بشكل أكبر من الأول، حتى أن "ذؤابة" تطلب من "حاتم" الحضور بعد أن كسر شاشة التلفزيون لأنه يبث صور شيطانية، وهنا تتعرض "ذؤابة" إلى ضغط إضافي عندما قبلت أن يسمع "حاتم" ما يدور بينها وبين "حكيم" لنجدتها عند اللزوم: "وحرصت على أن تخبره أن حكيم سيواقعها بعنف إن لم يكن بوحشية في تلك الليلة وعليه أن ينام عندهما حتى إذا حدث ما لا تحمد عقباه يتدبر الأمر .ستتحمل كل ما سيفعله حكيم إلا إذا تجاوز قدرتها على الاحتمال ، حينها ستصرخ باسمه وعليه أن يهرع لنجدتها فوراً . بل وطلبت إليه أن يظل قريبا من باب غرفة النوم ليسمع استغاثتها. وستحاول أن ترفع صوتها ليعرف ما يجري." لهذا نقول أن المرأة العربية تتحمل فوق طاقتها وتعطي أكثر مما ينبغي لها، ومع هذا تعامل باحتقار.
نلخص حالة المرأة العربية بما قاله الطيب النفسي عنها: "صدق أو لا تصدق ثمة نساء يتزوجن وينجبن ويمتن دون أن يعرفن ما هي النشوة الجنسية ،هن مجرد جسد شبه وعاء وظيفته أن يمتع الزوج ويتقبل إفراغ طاقته فيه ليحمل وينجب ، ويخدم الزوج" وهذه الشهادة كافية لنتأكد أننا نحن مجتمع الذكور ساديين في تعاملنا مع المرأة إن كنا نعي هذه الممارسة السيادية أم لا.
بخصوص حالة "حكيم" فقد أوضح لنا الطبيب ما يمر من مرض يتمثل في "مشكلة أخيك يا عزيزي هي هوس ذهاني ديني، يتصارع في شخصيته الجنس والدين ، الأول يدفعه إلى الحياة بجمالها والثاني إلى التدين ، ودائما ينتصر الدين عنده على رغبات الحياة .وهي الحالات الأخطر في الهوس الحاد ، مبعثها كبت جنسي وتربية دينية واجتماعية خاطئة بتخويف الأجيال منذ طفولتهم من عذاب النار ومن عقاب الله ومن غواية الشيطان" وهذا التوضيح لحالة "حكيم" يشير بطريقة ما إلى الحمل الثقيل الذي تحملته الزوجة.
ينهي الراوي روايته بنهاية طبيعية، حيث يستفحل حالة "حكيم" المرضية بعد أن يقوم والده بأرساله إلى أحد الشيوخ ثم إل أحد الكهنة بحيث يتعرض للجلد على مأخرته ليطرد الشيطان منه، وبعد أن يخرج من جلسة الشعوذة يقوم: "ليراه يتحول إلى وحش تكسو جسده حراب شوكية فتاكة ، راح ينتفض ويطلقها يمينا وشمالا وخلفاً وأماماً لتصرع أو تجرح عشرات الناس ، وكان أول الصرعى أبوه الذي اخترقت جسده سبع حراب . راح الوحش يجري صارخاً في الشارع " كفرة ملحدين " ويطلق حرابه في كل الاتجاهات ليصرع العشرات " وكرد طبيعي على هذا العنف كان لا بد من إيقافه بأي طريقة ومهما كان الثمن والذي جاء "وراحوا يطلقون النار عليه من مسدساتهم ، لكنه لم يسقط ، إلا بعد أن أتى أحدهم برشاش وأفرغ طلقاته في جسده"
الراوي يتعاطف مع المرأة وهو أن ينصفها، لهذا نجده ينهي روايته بنهاية سعيدة والتي جاءت بهذا المشهد "بعد قرابة ثلاثة أشهر من مقتل حكيم وأبيه .
تزوج حاتم من ذؤابة في حفل مهيب دام فيه الرقص حتى الصباح
... عاشت ذؤابة مع حاتم حياة سعيدة " وكأن الراوي لم يرد لنا أن نكون مكتئبين، فجعل النهاية سعيدة، أو أنه أراد أن يخفف عن بطلة الراوي "ذؤابة" فجعلها تنعم بحياة سعيدة في نهاية الأحداث. أو أراد أن يكافئها على جلدها وعلى صبرها وعلى عطائها بهذه النهاية، واعتقد بأن النهاية كانت موفقة تماما، وقد اعطت القارئ شيء من راحة الضمير خاصة بعد المشاهد القاسية والمؤلمة.
الرواية منشورة على الحوار المتمدن من خلال هذا الرابط http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=434543