رواية -الرّقص الوثني- في اليوم السابع

ديمة جمعة السمان
2018 / 1 / 26

رواية "الرّقص الوثني" في اليوم السابع
القدس: 25-1-2018 ناقشت ندوة اليوم السابع في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية "الرّقص الوثنيّ" للكاتب إيّاد شماسنة، صدرت الرواية عن دار فضاءات في عمّان، وتقع في 317 صفحة من الحجم المتوسّط.
و"الرقص الوثنيّ" هي الرّواية الثّانية للكاتب الفلسطيني إيّاد شماسنة المولود عام 1976 في القدس، فقد سبق وأن صدرت له عام 2014 روايته الأولى"امرأة أسمها العاصمة"، كما صدر له ديوانا شعر هما: "التاريخ السّرّي لفارس الغبار" و"حدائق الكريستال".
بدأ النّقاش مديرة الندوة ديمة جمعة السّمان فقالت:
رواية "عائد إلى حيفا" ما زالت حيّة تسكن فينا، فقد استطاع الأديب الشّهيد غسان كنفاني من خلالها أن يضرب على وتر حساس موجع، فجّرت الأحاسيس والمشاعر الإنسانيّة لدى كل صاحب ضمير، وكم كان الشاعر والرّوائي إياد شماسنة ذكيّا حين ارتكز على هذا العمل الخالد وبنى عليه، ففاجأنا بجزء ثان حمل اسم "الرقص الوثني".. فالجرح لا زال ملتهبا لم يندمل بعد، عاد ينزف من جديد حين وظّف شخوص عائد إلى حيفا: سعيد، صفية، خلدون وخالد، فأكمل الرواية، ومضت السّنون، عرّفنا شماسنة إلى أحفاد سعيد وصفية، حيث زادت مشاعر التّيه داخل هذه العائلة المنكوبة، فالخسارات كانت متتالية، أكبرها الاضطراب في الهويّة، والّتي لا زال الاحتلال يسعى إلى محوها، وبالتالي تذويب الشّعب الفلسطيني في المجتمع الاسرائيلي داخل الوطن، أو حتى في المجتمعات الأخرى إن كان لاجئا في الشّتات، قاصدين محو أعدل قضية على وجه الأرض، وبذلك تتعمق مأساته.. فيعود يسأل: من أنا؟ وهو السّؤال الأكبر الذي تعثّرت الإجابة عليه، فتوسّعت الهوّة، في ظلّ معادلة تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، تعدّدت فيها العناصر التّائهة عن تحديد الهدف، فلا قاعدة ولا جذور ينطلقون منها ليرسموا طريقهم وقناعاتهم، تأرجحت قيمهم فسقطوا في هوّة الضّياع.
رواية "الرقص الوثني" أدخلت القاريء إلى البيت اليهودي والفكر اليهودي العنصري، أجابت على العديد من الأسئلة التي تعدّدت فيها الاجابات ولم تكن شافية.
من الواضح أن شماسنة بذل مجهودا كبيرا في جمع المعلومات الغنية التي قدمها للقارىء على طبق من فضة. فلا شك أننا أمام أديب مثقف كتب رواية تزخر بالعديد من المعلومات السياسية والتاريخية والدينية والاجتماعية والدّيمغرافية والفسيولوجيّة والسّيكولوجية، الّتي بثّها عبر عمله الابداعي لخدمة رسالته. الأديب عرّى المحتل.. وكشف مؤامراته الخبيثة، ووصف الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي من وجهة نظر الطّرفين: الذّئب والحمل.
ولن ننسى أن الأديب يعمل في مجال التمريض، كما أنه يحمل شهادة الماجستير في التنمية البشرية، فارتكز على هذه المعارف؛ ليقدم لنا شخوصا أتقن رسمها على شتى المستويات الاجتماعية والصحية والنفسية، فكشف للقارىء عن مكنونات صدر كل واحدة منها، فبدت مقنعة جدا للقارىء، تدرّج تطوّرها بتسلسل سليم، لم تكن مقحمة أبدا، ولم يجعلها تتحدث بلسانه، انفصل عنها، فاستقلّت وتمرّدت، وبدت منافسة للكاتب دون أن يفقد السّيطرة على تحريك خيوط البناء الرّوائي، بل جعلها تصبّ في خدمة هدف الرّواية، وهذا يشير إلى أن الأديب يمتلك قدرة متميزة في الفن الرّوائي تماما كما هو مبدع في فن الشعر.
أمّا عن الخيال، فقد دمجه مع الواقع، وبفعل الأحداث السّاخنة الّتي تحبس الأنفاس، ذابت الشّخصيات الحقيقيّة بالشّخصيات الخيالية.. فخرجت لوحة فنية بديعة.. شكّلها شماسنة كما أراد لها أن تكون.
أما عن اللغة فكانت سرديّة جميلة، سهلة ممتنعة، أغنى الوصف الدّقيق عن الحوار الذي لم يعطه الكاتب عناية تذكر.
"الرقص الوثني"رواية بمثابة "صرخة" أن اصحوا، فالمرء دون هوية كالفرع المقطوع من شجرة، تعبث فيه الرياح، وهذا ما يسعى إليه المحتل، ليبقى الفلسطيني يشعر بالغربة حتى وهو في عقر داره.
وفي الختام، الرواية تعتبر إضافة نوعية للمكتبة العربية التي تفتقر لهذا النّوع من الروايات.

وقال جميل السلحوت:
أثناء قراءتي لرواية "الرّقص الوثنيّ" وبعد أن انتهيت منها، تذكّرت تساؤل النّاقد المعروف الدّكتور عادل الأسطة أستاذ الأدب العربيّ في جامعة النّجاح أكثر من مرّة وهو: هل أتى الكاتب بجديد في عمله هذا؟
وفي الواقع أنّ الكاتب شماسنة قد أتى بجديد في روايته هذه، من ناحيتي الشّكل والمضمون.
فهذه الرّواية التي يطغى عليها عنصر التّشويق بشكل لافت، جاءت خليطا من الواقع والخيال، خلط فيها العلم بالأدب، بالتّاريخ وبالواقع، علم الآثار وتزييف التّاريخ، تداخل الشّخصيّات اليهوديّة بالعربيّة، ألاعيب الأجهزة الأمنيّة، الصّراع حول الحقّ التّاريخي في فلسطين، الدّين والخرافات، الأخلاق وجرائم الحروب، التّضليل الاعلامي والاعلام الموجّه، الاسقاط الأمني بوسائل شتّى، الضّياع والصّمود. تسخير الأكّاديميّين لخدمة أجهزة الأمن، الانفصام الثّقافي والإثني بين المهاجرين اليهود، ومحاولة التّوفيق بين ما تربّوا عليه في بلدانهم الأصليّة، وبين المطلوب منهم في اسرائيل، العنصريّة بين اليهود والعرب، الحبّ والزّواج المختلط بين عرب ويهوديّات، منظّمات حقوق الانسان بين الوفاء للمبادئ ومحاولة تحسين صورة دولة الاحتلال، الصّراع على الهويّة والانتماء.
وقد استغلّ الكاتب رواية "عائد إلى حيفا" للشّهيد غسّان كنفاني، بطريقة إيجابيّة لافتة، ليبيّن استلاب هويّة وانتماء أطفال فلسطينيين تُركوا أو ضاعوا من ذويهم في نكبة العام 1948، أو في سنوات لاحقة، وتمّت تربيتهم من قبل أسر يهوديّة.
تحدّثت الرّواية عن يهود وعن عرب، وعن الأرمن في القدس، وعن الغجر، دارت أحداث الرّواية بين يافا، تل أبيب، الرّملة، القدس بحاراتها وبعض قراها، حيفا، رام الله وحتّى إيلات. وطرقت جانبا من تاريخ الأرمن في فلسطين، وصدق انتمائهم لفلسطين وللشّعب الفلسطينيّ.
كما تحدّثت عن سرقة الآثار والاتّجار بها. ومرّت على حروب اسرائيل على قطاع غزّة.
واللافت في هذه الرّواية أنّها احتوت على عشرات الشّخصيّات التي استطاع الكاتب أن يربطها ببعضها البعض، بما يخدم النّصّ الرّوائي ّ الزّاخر بعشرات الحكايات والقصص، التي جاءت مترابطة بخيط شفيف، من خلال سرد سلس انسيابيّ متناغم وشيّق.
في هذه الرّواية يلاحظ القارئ أنّ الكاتب على اطلاع واسع بتركيبة المجتمع الاسرائيليّ، وكيف يجيّر فيه كلّ فرد لخدمة الدّولة الأمنيّة. ولم ينس الكاتب آراء بعض اليساريّين اليهود الذين عاشوا في اسرائيل ولم يقتنعوا بالصّهيونيّة، أمثال الرّاحل الدّكتور اسرائيل شاحاك، الذي كان يرأس جمعية حقوق الانسان في اسرائيل.
ورغم أنّ الكاتب استفاد بشكل ملحوظ من رواية "عائد إلى حيفا" للشّهيد غسّان كنفاني، إلا أنّ القارئ يلاحظ أنّه لم يكرّر غيره، وقدّم للقرّاء رواية مدهشة، لم تخلُ من الصّراع الثّقافيّ، ولا من الصّراع على الهويّة.
هذه الرّواية تشكّل إضافة نوعيّة للمكتبة الفلسطينيّة بشكل خاص، وللمكتبة العربيّة بشكل عام.
وقال سامي قرّة:
لا يمكن الحديث عن رواية الرقص الوثني أو دراستها دون البحث في السياق التاريخي والثقافي للمؤلف الأستاذ إياد شماسنة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالناقد الذي يحاول تحليل الرواية وأحداثها، إذ هو الآخر يكون شديد التأثر ببيئته واعتقادته وأيديولجيته. وسوف لا يجد القارئ أو الناقد الفلسطيني أية صعوبة أو عائق في التعاطف مع سليمان بن إبراهيم مثلا ذلك الشاب المحامي الذي يتمتع بأخلاق رفيعة وولاء لوطنه، والشعور بالحقد تجاه إدريس؛ لأنه سارق آثار وعميل. وعلى العكس من ذلك، قد يُبدي القارئ الإسرائيلي للرواية تعاطفًا مع تسيبي وبن أورون وبنيامين بن يهودا؛ لأنهم يعكسون فكر المجتمع الإسرائيلي العام ومعتقداته السياسية والثقافية.
من المواضيع الهامة التي تطرحها الرواية موضوع كتابة التاريخ أو إعادة كتابته من جديد. وعادة يتناول المؤرخون الأحداث التاريخية من وجهات نظر متعددة، وكما يقول البطل القومي الفلبيني خوسيه ريزال بأن "كل شخص يكتب التاريخ حسبما يناسبه" (ص 9). لذلك علينا أن نميّز بين تاريخين: التاريخ الموضوعي الذي يجيد سرد الوقائع التاريخية والتثبت منها من مختلف المصادر وتأويلها، والتاريخ الذاتي الذي يهدف إلى تحقيق مآرب قد تكون أيديولوجية استعمارية سلطوية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما يقوله مسلم أسأر بأن "الدولة هي من تعيد كتابة التاريخ" (ص 50)، نستطيع القول أن الدولة تخيط لباس تاريخها ليناسب مقاس سياستها. أثناء الحديث عن ديمقراطية إسرائيل وأزمتها الأخلاقية تقدم تسيبي نصيحة هامة لزوجها البروفسور بن يهودا الذي يبغي كتابة رواية وتقول له: "لا تخدع نفسك، أنا وأنت نعرف أن هذا تسويق إعلامي، أريد أن يذكرك التاريخ بالموضوعية، والتسامي، وأن تناقش الأخطاء كما تناقش الفضائل وأمجاد الآباء" (ص 70). فالتاريخ إذن يجب أن يُكتب بموضوعية ويسلط الضوء على أخطاء الأجداد كما على فضائلهم. ويؤكد مسلم أسأر عند الحديث عن بناء الدولة أن للشعوب أخطاء وأن لها إنجازات أيضًا، لكنه يشدّد على أن "الدولة هي التي من يعيد كتابة التاريخ ... من يدفع لكتّاب التاريخ، وللمؤرخين، ويدفع لهم مقابل إثارة قضايا مختلفة تخدم المشاريع السياسية في المستقبل" (ص 50). تحتار تسيبي في زوجها بن يهودا الأكاديمي المعروف، وتتساءل ما إذا كانت أبحاثه تهدف إلى اكتشاف الحقيقة العلمية أم أنها تهدف إلى توظيف التاريخ لخدمة اقتصاد الدولة ومؤسساتها الأمنية؟
عندما أقرأ كتابًا فإني آخذه على محمل الجد، ولهذا كنت كلما مررت على حدث تاريخي يرويه مؤلف الرواية الأستاذ شماسنة أبحث عنه في كتبي أو عبر مواقع الشبكة الإلكترونية؛ كي أتحقق من صحة الأحداث التاريخية، ووجدت أن كافة الأحداث التاريخية صحيحة وقد وقعت بالفعل، أي أن في كتابة روايته يعتمد الكاتب على وثائق تاريخية؛ كي يخلق عملا أدبيا تماما كما توصي تسيبي زوجها حين تقول له: "أكتب حكايتك مع الوثائق، أكتب حكاية الوثائق" (ص 69). وقد صرّح الكاتب أثناء حفل توقيع الرواية في 13 ايلول 2017 "إن العمل على الرواية استغرق قرابة السنتين من البحث والمقابلات والكتابة والمراجعات حتى خرجت إلى النور". لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنه من المجحف الإدعاء بأن الرواية عمل تاريخي محض؛ فهي تجمع ما بين التاريخ والخيال الأدبي اللذين ينعكسان في أسلوب السرد الذي يستخدمه المؤلف، وهو مزيج من الأسلوب الصحفي والأسلوب القصصي الروائي.
يقدّم الكاتب على لسان الراوي التاريخ المعاصر للصراع الفلسطيني-الإٍسرائيلي من وجهة نظرة خاصة به، فهو في نهاية الأمر كاتب فلسطيني يتحدث عن الظلم التاريخي، الذي حلّ بشعبه، وكيف أن شعبا آخر استولى على أرضه بمساعدة بعض الدول الأجنبية والعربية كي يبني دولته. تتضمن الجملة الأخيرة من الكتاب دلالة على أن العمل الروائي هو من صنع الكاتب نفسه إذ يقول: "فالرواية جملة وتفصيلا هي لروائي من القدس، هو الذي خلق الشخصيات، وابتكر المؤامرة الإبداعية" (ص 314). وعن طريق سرد العديد من الأحداث التاريخية ونتائجها وأثرها على الشخصيات الفلسطينية والشخصيات الإسرائيلية، نستطيع اكتشاف العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين التي يحكمها الشعور بالعداء والكراهية. فنجد على سبيل المثال ما يميز العلاقة بين بن يهودا وإدريس هو الشك وانعدام الثقة والشبهة على الرغم من تعاملهما مع بعضهما البعض في مجال التهريب. يقول أمنون شامير بعد أن استفزه سليمان بن إبراهيم عندما قال أن الجدار في الرملة له وجها عنصريا: "العرب يشكلون الخطر، يرغب اليهود في أن يعيشوا بعيدا عن العرب المليئين بالجرائم والمخدرات" ص91.
لكن مقابل علاقة الكراهية والعداء هذه نجد علاقة حب جميلة تحاول أن تتخطى الحواجز السياسية، وتخلق مستقبلا أفضل، وتمهّد الطريق لتأسيس تاريخ جديد. تجمع هذه العلاقة بين المحامي الفلسطيني من اللد سليمان بن إبراهيم والشابة الإسرائيلية استير ابنة بن يهودا المتعصب لهويته اليهودية وتسيبي التي تبدي استعدادا للتخلي عن مبادئها للحصول على مقعد في البرلمان. كلا الحبيبين يحاولان تحدّي التاريخ وخلق تاريخ جديد يتسم بالتعايش وقبول الآخر. وهذا ما تعكسه رواية المؤلفة الإسرائيلية دوريت رابينيان التي تحمل عنوان حياة الحدود الوارد ذكرها في الرواية (ص 40). تثير رواية حياة الحدود العديد من التساؤلات بشأن الهوية الوطنية والاندماج بين العرب واليهود. تحكى الرواية قصة امرأة يهودية من تل أبيب تدعى يات تسافر إلى نيويورك فى أواخر الثلاثينات من عمرها، بسبب منحة دراسية، كما أنها تلتقى ببطل الرواية حلمي الشاب الفلسطينى الذى يعمل فنانا تشكيليا، يعيش فى رام الله ثم يتجه إلى نيويورك أيضا حيث تبدأ بينهما علاقة حب. ترمز علاقة الحب بين استير وسليمان وبين يات وحلمي إلى الدولة التي يعيش فيها شعبان بسلام وعدالة للجميع. تقول استير لأبيها: "أنا أحب سليمان وهو كذلك، نحن الإثنان مقتنعان أن الوطن يجب أن يكون للجميع بعدالة: لكي نعيش بسلام في هذه الدولة ... دولة وشعبان كما يقول إيلان بابيه" (ص 46).
إيلان بابيه هو أحد المؤرخين الإسرائيليين الجدد، ويرد في الرواية عدة أسماء هامة تنتمي إلى مجموعة من علماء التاريخ الإسرائيليين يُعرفون باسم المؤرخين الجدد ومن ضمنهم إضافة إلى إيلان بابيه، بيني موريس، آفي شلايم، شلومو ساند ويتسحاق شاحاك. وباختصار هؤلاء المؤرخون يحاولون إعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي لدحض الفكر الصهيوني الذي يلخصه بن يهودا بقوله إلى ابنته إستير: "هذه الأرض لنا. كم مرة أخبرتك أن الرب أعطاها لنا قبل ثلاثة آلاف سنة، وستبقى لنا. لقد تركها السكان استجابة لعبد الناصر، لو كانوا يحبونها أو ينتمون إليها ما تركوها" (ص 46). ويحمّل المؤرخون الجدد إسرائيل المسؤولية بشأن المأساة الفلسطينية. على سبيل المثال، يُخبرنا موريس في لحظة اعتراف منه بالحقيقة في كتابه ضحايا على حق أن الهدف الرئيسي من وراء الصهيونية هو تشريد السكان الأصليين الفلسطينيين وترحيلهم عن أرضهم؛ لأنه لا يمكن للصهيونية أن تقيم دولة يهودية خالصة دون التخلص من السكان العرب، الذين كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة. ومن وجهة نظر إستير، تشكل مثل هذه الأقوال اعترافًا "من أجل الغفران، الاعتراف جزء من راحة الضمير" (ص 68).
تبيّن رواية الرقص الوثني على أن هنالك روايتين تاريخيتين ترتبطان بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي واحدة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، ويبدو أنهما روايتان متناقضتان تحاول كل منهما تفنيد الأخرى. غير أنه ينشأ عن هذا التناقض رواية تاريخية ثالثة هي رواية قبول الآخر والاعتراف بتاريخه وشرعيته. يقبل في نهاية الرواية بن يهودا بالرواية التاريخية الفلسطينية ويعترف "في وصيته ورسالة من محاميه إلى دار مساءات ... وتطلب نسب الرواية ]رقص الكولونيل] إلى محمد خالد وفاء لذكرى البطل خالد عبد الحق، ووالده سعيد" (ص 314).
وكتبت هدى عثمان أبو غوش:
يتوغل الكاتب في روايته إلى المجتمع الصهيوني؛ ليثير في القارئ ثقافة هذا المجتمع أفكاره وآراءه من خلال ثقافته القيّمة، وقد انعكست ثقافة الكاتب في أحداث الروايّة بطريقة مُدهشة، لأنّه أبدع في إيصال الفكرة التي يرمي إليها، وهي فضح الممارسات العنصريّة في هذا المجتمع من خلال سرد الراوي وشخصيات صهيونيّة ابتكرها من نسج خياله.
يقول الشاعر الروسي سيرجي يسينين" لا تقلد صوت الكروان بل غنّ بصوتك ولو كان أشبه بصوت الضفدعة" ومن هنا فإن الكاتب يغني بثقافته وأُسلوبه الخاص فنتعرف على الأغاني التي يستمع إليها هذا المجتمع والصحف العبرية المعروفة ك"معريف" و"إسرائيل اليوم" وهو لا يكتفي بذكرها وإنّما يذكر أسماء الصحفيات وبعض التقارير.
ولا يكتفي الكاتب بالصحف المكتوبة فيتطرق إلى قنوات التلفزة، فيذكر منها القناة العاشرة العبريّة.
ويُبرز الكاتب قضايا عديدة تُفنّد وعيه الثقافي بما يحدث في المجتمع المتعدد القوميات، من خلال حوار الشخصيّات وسرد الراوي، فيتحدث عن الزواج والحب المختلط بين العرب واليهود، ونظرة المجتمع الصهيّوني السلبية تجاهه، تطرق إلى حقوق الإنسان و"بيتسيلم" وقضيّة تذويب الأقليّات في الكيان الصهيّوني، وتطرق إلى جدار الفصل في حي" مطير" في اللّد ألّذي يفصل بين العرب واليهود بحجة تعاطي المخدرات فيه. وقضيّة هدم البيّوت هناك بحجّة عدم الترخيص، وأظهر الحقد الصهيّوني على النوّاب العرب في الكنيست الإسرائيلي مثل أحمد الطّيبي وحنين الزعبي .
كما وتطرق إلى استغلال العربي كعميل من أجل تحقيق المصلحة الصهيونيّة، وأثار قضيّة منع لم شّمل الزوج من الضفة الغربيّة أو قطاع غزّة، وقضيّة تاجر الآثار الذّي يضطر أن يبيع لعدوّه من أجل لقمة العيش.

ومن خلال الشخصيّات نجد أنّ ثقافة العطور لها أيضا حيّزا في الرّوايّة من خلال عرضه لأنواع مختلفة من العطور النسائيّة. وتبدو ثقافته من خلال ذكره للكتب والروايات العالميّة .
أمّا ثقافة الحوارفجاء بالعاميّة، وأحيانا بالأحرف العبريّة، وهنا نتساءل هل تعمّد الكاتب من خلال إبرازه اللغة العبريّة إلى تقريب الحدث إلى القارئ بصورة مؤثرة وأشبه بالواقع، أم يُحسب هذا لغير صالحه على الرّغم من أنّه ترجمه.
وكتبت نسب أديب حسين:
أفرح كثيرا حين أجدني أتشبث برواية خضت مغامرة قراءتها، وأركض بين الصفحات لأعلم ما الذي تحمله، لكن الفرح يكون أكبر ويرافقه الكثير من الفخر حين تكون الرواية لصديق عزيز.
الرقص الوثني
يمسك إياد شماسنة بكفّ قارئه منذ اللّحظة الأولى؛ ليسحبه إلى حلبة رقص، تمتد على طول 317 ص، فيجد القارئ نفسه منهمكا ومنسجما مع أنغام الرواية، لا يعرف الملل، ولا يحب أن يبارحها، كلّما وجد نفسه يتلقى المفاجآت الواحدة تلو الأخرى، حتّى الصفحة الأخيرة من الرواية.
على طول ستة وعشرين فصلا، يجيد الكاتب والشاعر إياد شماسنة التحكم بخيوط روايته، بالتدرّج في الكشف عن الأحداث، وتقديم المفاجآت لقارئه، وجاء التنوع في طرح قضايا معاصرة، والشخصيات والمدن، ومنح نكهة الأسلوب البوليسي في الفصول الأخيرة للرواية، وربطها بشخصيات ورواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني، لتلعب دورا مهما في إثارة التشويق في الراوية.
كثرت المدن التي تدور فيها أحداث الرواية، لكن يمكن ملاحظة أربعة مدن رئيسية، ترتبط كل منها بإحدى القضايا التي تطرحها الرواية ألا وهي:
القدس - تجارة الآثار، ومحاولة الحركة الصهيونيّة إغراء المقدسيين ببيع بيوتهم، واستغلال العلم في سبيل تكريس الرواية الإسرائيلية.
اللّد- العنصرية التي يواجهها فلسطينيو الداخل، وقضية بناء جدار فاصل بين حي عربي ويهودي.
تل أبيب – اليسار الاسرائيلي، الارتباط المختلط بين عرب ويهود، موقع تخبط أحد شخصيات الرواية حول هويته.
رام الله – موقع لجوء جزء من أبطال رواية.
يركّز الكاتب على قضية استغلال البحث العلمي في تكريس الوجود الإسرائيلي، الأمر الذي ساعد الكيان الصهيوني منذ مخططاته الأولى لإنشاء الدولة الإسرائيلية، وتدخل جهاز المخابرات بالباحثين والعمل على تسيير الأبحاث بحيث تخدم مصالحه. ومن خلال بطلته تسيبي أشار الكاتب إلى اليسار الإسرائيلي والجمعيات التي تبدي تضامنا مع الفلسطينيين، ليقول أنّ نوايا وعمل اليسار يصبّ في النهاية في ذات المكان الذي يدعو إليه اليمين، ألا وهو المشهد الأفضل لإسرائيل. ويبدي المعاناة التي قد تظهر عند الشبان اليهود، من ذوي الأصول العربية واليهودية المشتركة، والمعاناة في البحث عن الهوية، والتي قد تصل بهم إلى حالات نفسية صعبة. وكذلك المشاكل النفسية التي يواجهها الجنود الإسرائيليون بعد الحروب، جراء ما يقترفون من جرائم، كما حصل بعد حرب لبنان عام 2006، والهجوم الأخير على غزة عام 2014.
ثقافة الكاتب وسعة اطلاعه تظهر جليّة للقارئ، فهو يقدم الكثير من المعلومات في جوانب البحث التاريخي والاقتصادي، والمجتمع الإسرائيلي وتركيباته المختلفة، الأمر الذي يجعل من الرواية واقعيّة ومقنعة للقارئ.
تشهد الرواية توازنا بين القوى المتصارعة، لم يتجه الكاتب بشخصياته صوب المثالية، أو صوب السلبية المطلقة، فنجد الأرمني المقدسي الذي قد يبيع بعض القطع الأثرية للباحث الإسرائيلي، لكنّه يصرّ على الحفاظ على بيته ويرفض بيعه، ونجد المقدسي العربي الذي يخدع مجتمعه ليبيع بيته لحركة استيطانية، ونجد كذلك شخصيتين واحدة فلسطينية وأخرى إسرائيلية تدعيان كتابة الرواية ذاتها، كمشهد آخر من التشويق وتميّز الرواية.
سعي الكاتب لإيراد التفاصيل وإبداء المعرفة وكسب ملامح الواقعية، ترك هذا مساحة صغيرة لبعض الأخطاء. فمن مآخذي على الرواية هو تعداد القوميات التي تحمل الجنسية الإسرائيلية، بالشكل التالي (يهود، عرب، مسيحيون، دروز، أشكناز، سفارديم، متدينون) (ص 76، 143)، وبفصل الدروز والمسيحيين عن القومية العربية، يوجد تأكيد للتوجه الصهيوني الذي يعمل على تفكيك الأقليّة العربية، واختراع قوميات جديدة للطوائف غير المسلمة، فيما يحمل اليهود على اختلاف أصولهم وتوجهاتهم الدينية القوميّة اليهودية. هذا وجاء استخدام اللّغة العبرية في الرواية عند الحوار بين الشخصيات أحيانا، دون داع في رأيي، فقد ظهر الحوار واقعيا ومقنعا دون إظهار اللّغة ذاتها في النص، عدا عن هذا وردت بعض الأخطاء في الترجمة من العربية إلى العبرية. كذلك جاء تقدير مدّة السفر بين اللّد ورام الله في صفحة 173 غير مناسب، إذ بدت السفرة حسب الرواية وكأنّها مسافة هائلة تمتد لساعات، وتسبب عطلا في السيارة، وهي تحتاج في الواقع نحو ساعة وربع. كما أنّ المبلغ المدفوع لشخصية "إدريس" الذي باع عمارة من 12 شقة لجمعية عتيريت كوهانيم الاستيطانية، مليون دولار حسب الرواية، وهو مبلغ لا يتماشى مع الواقع، ويجب أن يكون أعلى بكثير.
ختاما سعى إياد شماسنة في روايته أن يحيط بكلّ التفاصيل والمنافذ، التي قد يقودنا إليه أيّ خيط من خيوط الرواية، فقد أورد الكثير من المعلومات عن المجتمع الإسرائيلي، وحافظ على لغة أدبيّة جميلة وممتعة، ليترك قارئه ينهل معلوماته سعيدا مستمتعا بالقراءة، مقدما أسلوبا أدبيا جميلا بجمع أبطال روايته بأبطال رواية غسان كنفاني. هكذا ترك شماسنة بين أيدينا رواية على مستوى عالٍ أدبيا، فنيا، وثقافيا، نفرح كونها جزء من أدبنا الفلسطيني.
وكتبت آمال القاسم:
الرقص الوثني
بين أيدينا رواية سياسية تاريخية توثيقية، تدور أحداثها في فلسطين التاريخية الممتدة من النقب جنوبا إلى اللد فالجليل شمالا مرورا بالقدس مركز الحياة وإدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، اراد الكاتب أن يضع بين أيدينا أحداثا حقيقية يعيشها الفلسطينيون عامة والمقدسيون خاصة في قالب درامي يجسد الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال الاسرائيلي، في ظل غياب السيادة الوطنية، وما يعنيه هذا الغياب من اهمال في معالجة الآفات الاجتماعية الناتجة عن الاحتلال، مثل انتشار للمخدرات وسرقة الآثار والمتاجرة بها، واسقاط الشباب المقدسي المحافظ من خلال ابتزازه بالأفلام الاباحية وربطه بأجهزة الأمن الاسرائيلي، واستغلال الدين وسيلة للتسترعلى الخيانة، التي تتجلى في أهمّ الملفات التي تقض مضاجع المقدسيين وهو تسريب العقارات بأساليب ملتوية، تستخدم المظاهر الدينية لخداع الناس، وذلك من خلال شخصية ادريس حمدان العتيق كنموذج، فقد اعتقل ادريس ليخرج من السجن مختلفا كليا ضمن صفقة مقابل أن يقوم بدور المتديّن، فأذهل الناس بشدة انتمائه للدين وممارسة الطقوس الدينية، والالتزام باداء الصلوات الخمس في الجامع متقدما الصفوف، تداعب أنامله مسبحة طويلة في إشارة إلى توبته، ولإيجاد وسيلة عيش كريمة؛ ليعيش بكرامة فيقتنع به من حوله، وتغيب الظنون من رؤوسهم (ربنا هداه وفتحها عليه) فقام بشراء حصص الورثة في بيت العائلة في سلوان؛ ليقوم بهدمه وبناء عمارة سوبر ديلوكس أثار تشطيبها الشك في حي سلوان؛ لتسقط على رؤوسنا المفاجأة الكبرى بأن العمارة تم بيعها لعطيرت كوهنيم المنظمة اليهودية الاستيطانية.
اختار الكاتب أبطال روايته بعناية فائقة، ومنذ البداية أحاط أبطال روايته بالغموض ابتداءا من ادريس حمدان العتيق ابن البلدة القديمة في القدس، سارق الآثار يتعاطى الخمر(سكير) يستهوي مشاهدة الأفلام الإباحية، إلى مايك سمرون الأرمني صاحب محل الأنتيكا في باب خان الزيت، وهو شخصية ذكية جدا، يحسب الأمور بدقة (حويط ) لديه علاقات مع شخصيات ذات مكانة رفيعة (واصلين )، ولا ينفك الشك يداعب مخيلته، لديه مفهومه الخاص للنجاح، فهو يعتقد أن من ينجح بأعماله التجارية خاصة في القدس، لا بد أن يكون مدعوما من أجهزة الأمن الاسرائيلية، وإلا ما كان لينجح. ربما هذا أسلوب سلطات الاحتلال في رفع شأن من يتعاون معها، ولكنه أسلوب ثبتت عدم نجاعته مع المقاومة الفلسطينية، التي تصدت لروابط القرى، وأفشلت مخطط الاحتلال بجعلهم بديلا لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.
يتبادر إلى ذهني سؤال وهو: هل حقا هؤلاء هم من يبيعون ثروات الوطن سعيا وراء متعتهم وشهواتهم؟ وما الثمن إلا فيلم بورنو على اليوتيوب، أم أنهم مجرد وسيلة وأداة في أيدي أصحاب النفوذ ذوي الياقات، وزبائن "البراندز" الذين تزكم أنوفنا رائحة عطورهم الباريسية، من هم الضحايا ومن هم الجناة الحقيقيون؟
امّا البروفيسور بنيامين بن يهودا الذي يعمل في الجامعة العبرية، فقد أدخل عنصر المفاجأه إلى جانب الغموض الذي أودعه في الغرفة المغلقة، التي يحفظ بها أسرار طفولته وطفولة ابنته بالتبني، والتي تبين أنها من أصول فلسطينية عربية، وجدها تائهة على شاطيء يافا، والتي كان شديد الحذر من أن يكشفها لأفراد أسرته اليهودية، حرصا على تماسكها، هنا وضع القاري في صراع ما بين مشاعر التضامن معه كونه حفيد سعيد بطل رواية عائد الى حيفا، وبين مشاعر الكره كونه الصهيوني المعادي للعرب وارتباطه بجهاز المخابرات الاسرائيلية، وأعتقد أن القاريء الفلسطيني انجر وراء مشاعره راغبا أن يرتد هذا البروفيسور إلى أصله العربي، ولكن ما نيل المطالب بالتمني، على أيّة حال هذه العائلة نموذج للتكوين الاجتماعي للمجتمع الاسرائيلي ومثلما تدين تدان.
تناول الكاتب الأقلية المسيحية من خلال مايك الأرمني، وأعماله القبيحة، وهو يؤمن بالمادة، وسرعان ما تحول إلى بطل في التحقيق بعد مداهمة بيته واعتقاله ومساومته على أملاكه، في إشارة إلى تسريب العقارات في القدس، وأنا لا أوجه نقدا للكاتب بقدر ما أوجه لوما وعتابا له؛ لأنه تناول الوجه القبيح للقدس، مما أفسد الرواية قليلا. كنت أود لو تناول رموز الطائفة المسيحية، وابراز دورها الوطني مثل الأب عطالله حنا، كذلك كنت أرغب في اظهار المقاومة الشعبية للمقدسيين، ودور المقاومين المقدسيين في التعامل مع الظواهر السلبية في المجتمع كالعمالة والمخدرات، فالقدس على الرغم من محاولة محاصرتها وعزلها عن محيطها الفلسطيني، خاصة بعد بناء جدار الفصل العنصري، إلا أنها ما صمدت إلا بفعل المقاومة والدور الوطني الذي لعبته منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الوطني.
الرواية تعج بالأحداث التي تأتي متسارعة كأنها تقرير اخباري على شاشة التفزيون، بينما تطل علينا الأخبار العاجلة على شريط أحمر أسفل الشاشة
المحامي
في البداية ظهر دور المحامي من خلال علاقة غرامية مع الطالبة الجامعية اليهودية ابنة البروفيسور بن يهودا؛ ليضفي قليلا من الرومانسية على أبطال روايته، إلا أن الكاتب لم يكن موفقا في هذه العلاقة، فسرعان ما زج بالمحامي بطلا قوميا يدافع عن مجتمعه في اللد ضد قضايا العنصرية اليهودية ضد العرب، ومصادرة الأراضي، وقضايا الهدم في مدينة اللد المحتلة منذ العام 1948، وقد أدخلنا الكاتب إلى قاعة المحكمة لنشهد إحدى المرافعات القوية والجريئة للمحامي الشاب حديث التخرج، ولمع دوره في الأوساط الصحفية والاعلامية حتى وصل صيته الى القدس؛ ليصبح موضع اهتمام المخابرات "العين عليه".
لم يكن كاتبنا موضوعيا في رواية المحامي سلمان بن شاهين، ولا أعتقد أنا شخصيا كما القاريء والمواطن الفلسطيني أن بامكانه أن يجمع بين علاقة غرامية ودور بطل قومي في آن واحد، حتى وإن كان ذلك بارادة ورغبة جهاز المخابرات الاسرائيلي. فشارع ديزنغوف بتل أبيب الذي احتضن علاقة عاطفية بين فتاة إسرائيلية وشاب فلسطيني ابن اللد (المحامي بن سلمان )هو نفسه الشارع الذي شهد اعمال مقاومة بطولية للفلسطينيين، واحتضن جثث الشهداء، كان جدير بكاتبنا أن يشير إلى العمليات الفدائية التي أرّقت مضاجع الأجهزة الأمنية الاسرائيلية في ذات الشارع.
حاول الكاتب أن يضيف مسحة انسانية لأبطاله، فأظهر دور أمّ سليمان والدة المحامي الشاب، ولكنه لم يعطها مساحة كافية في حياة المحامي بقدر ما أعطى لحبيبته اليهودية، فكان دورها صغيرا وقصيرا، داهمها الموت وحيدة في غياب ابنها المحامي، فكان المشهد قاسيا ومؤثرا يحاكي المعاناة و الظلم الذي يقع على النساء الفلسطينيات المقهورات حتى بالموت.
الأماكن
اهتم كاتبنا بالأماكن جيدا حتى انتشرت أسماء كل المدن والشوارع والأحياء على صفحات روايته، وتنقل بمهارة وسلاسة وانسياب بين المكان والأحداث المختلفة جنبت القاريء القليل من الملل، وأجاد الربط بينها من خلال علاقة أبطال الرواية الذين انتشروا عبر الأماكن بتناغم مع الأحداث؛ ليبين من خلال ذلك ترابط العلاقات بين الشعب الفلسطيني في شقيه المحتلين عام 1948 و1967 أن الشعب الفلسطيني واحد موحد من الشمال الى الجنوب
(جبل المشارف وباب الخليل سلوان ووادي الناطوف، دكان أبو غزالة بالسوق، سجن المسكوبية، سوق خان الزيت، شارع صلاح الدين، شارع الزهراء، كنيسة الخضر، الخالصة التي تسمى كريات شمونة، تل أبيب ولفتا وبيتح تكفا، باب الخليل وسلوان – جبل المشارف – التلة الفرنسية –لفتا – محنيه يهودا – ديمونا –رهط وبئر السبع والنقب –المنطقة الصناعية بالقدس ومخيم الجلزون برام الله –عطاروت. كلها أسماء لاماكن حيوية، تشكل مركز حياة المقدسيين بالذات، فالجامعة العبرية المقامة على أراضي لفتا، والقريبة من البلدة القديمة، وعطروت منطقة صناعية بين القدس ورام الله، الكثير من الفلسطينيين من خارج الجدار يعملون فيها، وشارع يافا الشهير حيث الكنيسة الروسية المعروفة بالمسكوبية، والتي يجري التحقيق الاسوأ والاصعب مع المعتقلين المقدسيين فيها، وهي قريب جدا من البلدة القديمة، ومن أماكن أخرى لها دلالات وطنية، وقد ارتبطت هذه الأسماء بأعمال مقاومة نوعية، فحي محانيه يهودا لم يكن مجرد ضاحية في القدس الغربية، بل كان مسرحا للمقاومة الفلسطينية منذ السبعينات، شاهد على أجرأ العمليات النوعية للمقاومة، والنماذج والشواهد متعددة في هذا المجال، عملية النفق في طريق بيت لحم واستدراج ضابط كبير في المخابرات الاسرائيلية، وعملية في تل أبيب أمام وزارة الدفاع الاسرائيلية، وانتفاضة الجليل كلها نماذج حية لا زالت في ذاكرتنا شاهدة على تحطيم أسطورة المؤسسة الأمنية الاسرائيلية، كان حري بكاتبنا لو مرّ عليها مرّا سريعا في روايته؛ لتشكل حافزا للأجيال القادمة إذا ما وقعت بأيديهم.
رواية الرقص الوثني هي محاكاة للحياة في المجتمع الاسرائيلي، اشتملت على كافة جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والقانونية والحقوقية.
اجتماعيا
أعتقد أن الكاتب ركز في روايته على المجتمع الاسرائيلي بهويته وثقافته وقيمه الأخلاقية ومؤسساته، ومكوناته الاجتماعية والطبقية والعقائدية والطائفية، مكونات المجتمع الاسرائيلي عرب ويهود اشكناز وسفراديم ودروز ومسيحيين 76
مجتمع تعددي يقوم على أساس التمييز العنصري والتناقضات، فأساس التعددية الحياة الديمقراطية وتقبل الآخر، قدم لنا الكاتب أمثلة متعددة كنموذج لعنصرية المجتمع الاسرائيلي، وأشهرها قيام المستوطنين بمدينة اللد ببناء جدار فاصل بين العرب واليهود.
وليس أقل شأنا منها حادثة احتراق سيارة شاب درزي دون تقديم المساعدة له على خلفية قوميته، رغم أن بعض أبناء الطائفة الدرزية يخدمون في صفوف جيش الاحتلال، وهذا حتما يصب في يهودية الدولة. وفي ذات الوقت يريد منا الكاتب أن نتقبل علاقة المحامي بن سلمان بفتاة يهودية تلتحق بالخدمة العسكرية، وتشارك بالحرب على غزة دون أن تتحرك فيها جيناتها ذات الأصول العربية، وكان هذا أساس انفصاله عنها مما ساهم في انهيارها كليا.
سياسيا
تناولت الرواية المجتمع الإسرائيلي بمكوناته السياسية اليمنية واليسارية والكتل العربية ممثلة بالقائمة الموحدة في داخل الكنيست الاسرائيلي، وحركات سياسية مثل (السلام الآن ومؤسسات مجتمع مدني مثل بيتسيلم) مبينا الوجه الديمقراطي لدولة الاحتلال.
عكست الرواية الصراع في المجتمع الإسرائيلي ما بين اليمين واليسار من خلال البروفيسور وزوجته، التي تعمل في بيتسيلم، حيث يكشف لنا الكاتب عن الدور الخفي لهذه المؤسسات المنضوي على تحسين صورة إسرائيل من خلال الدفاع عن حقوق الانسان الفلسطيني. واظهر التناغم الحاصل بين الشريعة والقانون الذي يستخدم فقط لخدمة الدولة الاستيطانية، الأمر الذي يحول دون تطبيق العدالة، كما أشاد بمنهجية التقييم واستخلاص العبر كأحد أهمّ الوسائل لتطور ونجاح المجتمع الاسرائيلي على مستوى جميع مؤسسات الدولة.
الكاتبيتحدث عن الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، ولكنه أطل علينا من نافذة المجتمع الاسرائيلي ومكوناته وثقافته وقيمه الأخلاقيه وسياساته، والمؤسسات التي تحكم هذا المجتمع هي مؤسسات الأمن (الجيش والشرطة والمخابرات )
اقتصاديا
تناول الكاتب رموز ازدهار دولة الاحتلال ابتداءا من تجارة الألماس التي تشتهر بها دولة الاحتلال، إلى التقدم التكنولوجي الذي تفوقت به على مستوى العالم (هاي تك ) إضافة إلى دور الجامعات والمعاهد التي يعود لها الفضل في شهرة دولة الاحتلال في المجالات التقنية والتكنولوجية والأبحاث العلمية، والأكثرها شهرة الجامعة العبرية في القدس ومعهد التخنيون في حيفا.
امنيا
استعرض عضلات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في السيطرة على مصادر المعلومات والتحكم بكل صغيرة وكبيرة، واظهار القوة الأمنية للاحتلال الاسرائيلي، وأن الكل يعمل لحسابها من البروفيسور في الجامعة إلى موظفي مؤسسات المجتمع المدني إلى العاهرات، سيطرة أمنية كاملة على مناحي الحياه بما يخدم مصالح الدولة العليا، ولكنه في هذا المجال كان حري به أن يظهر أسطورة المقاومة الفلسطينية في تحطيم معنويات تلك المؤسسة المتغطرسة، والنيل من معنوياتها، والشواهد ماثلة في عملية استدراج ضابط كبير في جهاز المخابرات الاسرائيلية إلى نفق بيت لحم واغتياله هناك.
عسكريا
أسطورة الجيش الذي لا يقهر سقطت أمام المقاومة الفلسطينية في غزة، جسدت الرواية هذا الانهيار الأسطوري في دور استر عشيقة ابن اللد المحامي ابن شاهين، وبين هشاشة المجتمع الاسرائيلي الذي سرعان ما ينهار أمام أبسط الأحداث، استر انهارت عند اكتشاف حقيقة والدها وأصوله الفلسطينية، وانهارت أكثر عند اكتشاف حقيقتها أنها متبناه، هربت من مواجهة العدو الذي يسكن في حقيقتها لتلتحق بالجيش الاسرائيلي، وشاركت في الحرب على غزة ليتخلى عنها عشيقها بن شاهين.
ركزت الرواية على اظهار الأثر النفسي على المجتمع الاسرائيلي من خلال انهيار استر ابنة البروفيسور، دون اظهار هول الحرب على المجتمع الفلسطيني ككل وخاصة في قطاع غزة.
الرواية سياسية بامتياز قوية وواقعية وبشدة تحاكي الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، وبعد قدوم السلطة الفلسطينية وليدة أوسلو، إلا أن الكاتب جلد الفلسطينيين باستعراضه خيبتنا وبؤسنا التي ساهمت في ازدهار إسرائيل، وتحويل أحلامهم إلى حقيقة، ربما ساهم جهلنا وفقرنا وسذاجتنا في تسهيل مرور سياسات الاحتلال، ولكن لا شك أن مقومات قيام وازدهار دولة الاحتلال تفوق قدراتنا مجتمعين وفرادى.
الرواية طويلة جدا امتلأت بالأحداث، ولكنها خلت من العواطف والمشاعر، عكست بصورة واضحة نقاط القوة في المجتمع الاسرائيلي ومؤسساته، ولكنها لم تكن منصفة للمجتمع الفلسطيني خاصة المقدسي، الذي سطر أروع نموذج في الصمود والمقاومة في وجه سياسة الاحتلال التهويدية، وحافظ على هويته الوطنية، ودافع عن عروبته، وقدم المعتقلين الذين أصبحوا رمزا من رموز الثورة الفلسطينية، كما قدم الشهداء الذين روت دماؤهم الزكية تراب القدس، وانتصبت قبورهم حراسا للمدينة.

وقالت رائدة أبو الصوي:
شعرت بأني أقرأ رواية عالمية مترجمة للغة العربية .عنوان الرواية مثير جدا
الرقص على أوجاع الوطن .القضايا التي عرضت في الرواية قضايا مهمة جدا وتناولها الكاتب بأسلوب جميل ومثير وسلس ،صندوق مخطوطات وحراك سياسي
أو رقص وثني .كل يبحث عن معبوده .
شخصيات الرواية تبحث عن الثراء السريع بطرق غير مشروعة .سرقة الآثاريوجد رمزية باختيار موضوع سرقة الآثار وهو طمع الجميع بالجوهرة المقدسة "القدس وما تحتويه من مخطوطات ومباني وعقول"
البشر والحجر والشجر .
الكاتب موفق جدا في اختيار الشخصيات والأسماء .خلط بين الواقع والخيال بطريقة لافتة جدا .بعض الشخصيات وأنا أقرأ عنها وجدتها أمامي في الحقيقة مثل شخصية طلب أبو عرار النائب بالبرلمان .المصداقية بالطرح تحسب للكاتب .
أسماء المناطق .رواية راقصة .فيها حبكة بوليسية وحبكة اجتماعية وحبكة سياسية .
وصف مؤلم وصورة تقطر دما
عندما قال ادريس للدكتور زكريا الحروب "ما تلوم نفسك،هاي البلد مثل القطة بتاكل أولادها" وضعنا في هذا الزمن .وضع صورا انسانية تدل على انعدام العدالة الوظيفية عندما قال فرق شاسع بين أجرة طوبرحي عند اليهود ودكتور بالسلطة .
التطرق لمنظمة بيتسليم المنظمة اليهودية المختصة بحقوق الانسان. اعرف الطرف الآخر ،في هذه الرواية تعمق الكاتب في اظهار الجانب النفسي والانساني في الطرف الآخر من المعادلة .معادلة العرب واليهود .
هنا تسليط الضوء ع عائلة البروفيسور والخبير بالآثار(بن يهودا) وزوجته "تسيبي" وابنتهما (استر ) وحياتهم الخاصة جدا .
بعض النقاط لا أريد الحديث عنها حتى لا أحرق عنصر التشويق في الرواية،
فيها مد وجزر وإثارة .علاقة استر ابنة بن يهودا مع المحامي سليمان بن شاهين اللداوي .مدينة اللد كانت حاضرة في الرواية وهذا جميل جدا .اختيار موفق لأنها مهمشة رغم أهميتها .
تحدث الكاتب عن قضية منع بعض الكتب، وكيف أن قرار المنع يضاعف نسبة المبيعات لبعض الكتب وهذه ظاهرة ملحوظة .
نقطة أثارها أيضا عندما كتب (تل أفيف تكبر كل يوم ...يافا تموت .انقلاب موازين المعادلة .فتح الصندوق .فتح مخيلة القاريء ،تحليل منطقي وعقلاني وعلمي لمجريات الأمور في الوطن .
المزج بين الواقع والخيال . في صفحة 143، هل قصة سليمان الهزيل مع ابنته حقيقية؟ادخال رواية (عائد الى حيفا) في سلسلة الاحداث ادخال ممتع جدا فيه ذكاء لدى الكاتب .يربط الأحداث بصورة جذابة جدا .بحث واستقصاء وابداع واثارة .
الرقص الوثني .رقص بالمفهوم الايجابي .
عندما يتناوله الكاتب بنظرته اللماحة المواكبة للتطورات على الساحة السياسية والاجتماعية والأقتصادية .
وقالت نزهة أبو غوش:
في روايته ، "الرّقص الوثني" يدهشنا الأديب إِياد شماسنة بإِبداع روائيّ جديد خارج عن المألوف الرّوائي الّذي ألفناه.
ولدت الرّواية من رحم معاناة إِنسان جثم على قلبه الاحتلال بكلّ ثقله، فكتم أنفاسه؛ فتولّدت في داخله صراعات لولبيّة ليست لها نهاية.
استطاع الأديب شماسنة أن يملأ الفراغات الّتي تكوّنت في داخله من خلال صبّ خياله وإِبداعه، وعاطفته على شخصيّاته المتعدّدة في الرّواية.
فتّش الأديب عن قاعدة عريضة لروايته وبنى عليها برجا عاليا يناطح الفضاء.
إِنّ شخصيّة الطّفل المفقود، خلدون الّذي نسيه أهله عام النّكبة - 1948- في رواية غسّان كنفاني ( عائد إِلى حيفا) ؛ كانت هي الأساس.
بطل الرّواية، يمين بن يهودا، هو ابن خلدون( ديفيد) االمنسي في حيفا. عرف بن يهودا بأنّ جذوره عربيّة، لكنّه حاول أن يخبئها عن أُسرته ومجتمعه بين أوراق وملفّات في غرفة سريّة مقفولة في بيته.
بن يهودا يعمل محاضرا – برو فسور- في الجامعة العبرية، وهو رئيس قسم التّاريخ والآثار، والخبير بالتاريخ الشرقي لليهود في الجامعة العبريّة، ينتمي لجهاز المخابرات (الشاباك) ويعمل عند مدير الجهاز، شلومو بن أورن. أراد بن يهودا أن يبرهن لنفسه قبل الآخرين بأنّه يهوديّ الهويّة والانتماء، حتّى أنّه كان يناقش ابنته استير في أُمور العلاقات الغيريّة، أي مع العربيّ؛ وذلك؛ وذلك من اجل أمن الدّولة. تقبّل بن يهودا كلّ شيء يهودي حتّى النّخاع، لكنّ الصّراع الّذي بداخله سبّب له الكثير من العقبات، وخاصّة حين اكتشفت ابنته سرّ الغرفة المقفلة. تباعدت بينه وبين زوجته المسافات، سخر في داخله من خطاباتها الرّنانة في الكنيست الاسرائيلي؛ لأنّه كان يعرف تماما ما هي حقيقتها. كان شعارها المألوف الّذي رفعته: التّعايش الثنائي – عربا ويهودا- في دولة مشتركة مبنيّة على الاحترام والدّيمقراطيّة؛ كلّ ذلك من أجل فوزها بالانتخابات.
ظلّ الصّراع بداخل شخصيّة بن يهودا يلحّ عليه، حتّى أنّه قرّر أن يذهب إِلى المخيّم الممتلئ بالكتل البشريّة، كي يبحث عن سعيد وصفيّة.
شخصيّة استير ابنة بن داوود عاشت صراعا مريرا مع ذاتها كامرأة يهوديّة أحبّت شابّا عربيّا من مدينة اللد، واجهت والديها بقوّة، تحدّتهم وتركت لهم البيت وهربت مع بن شاهين المحامي. حين فتحت استير غرفة والدها السّريّة وقرأت أوراقه، اكتشفت بأنّ والدها ذا جذور عربيّة؛ فاشتدّت أزمتها، وعاشت صراعا مضاعفا جعلها تعيش داخل أزمة يصعب الخروج منها. حاولت استير أن تدخل مخيّم الجلزون، قضاء رام الله؛ كي تبحث عن جذورها، لكنّها فشلت وكانت كأنّها تفتّش عن ابرة في كومة من القش. لم تنته أزمة استير بل ازدادت تشابكا وتعقيدا حين اكتشفت بأنّها ابنة متبنّاة وليست ابنة تسيبي وبن يهودا، بل وجداها تمشي على الشّاطئ لوحدها فاقدة أهلها. هنا تولّد لديها الاضطراب والصراع الحادّ بينها وبين نفسها، فشعرت بأنّها بحاجة لأن تحقّق ذاتها، وتثبت بأنّها المرأة اليهوديّة الأصل والانتماء، فأصرّت أن تدخل الجيش بعكس ما أراده والداها، وبعكس ما أراد حبيبها بن شاهين، الّذي اعتبر أنّ هذه الخطوة خيانة له ولمبادئه كمواطن عربي؛ فاضطرّ لتركها. لكنّ اصرارها كان قويّا وعنيدا؛ لأنّ البحث عن الهويّة كان في مقدّمة أولوياتها. في الحرب على غزّة وحين رأت ما رأت أُصيبت بصدمة حادّة أفقدتها توازنها؛ لأنّها أصبحت ذات هويّة متذبذبة، ليست بالعربيّة ولا باليهوديّة؛ فأُدخلت المصحّة النفسيّة، مما خلق أزمة جديدة لوالديها.
حول شخصيّة استير أرى بأنّ الكاتب شماسنة قد أرهق تلك الشّخصيّة وحمّلها أزمات كثيرة ومتلاحقة فوق طاقتها. يكفي مثلا بأن تعرف بأنّ جدودها عرب فهذا يمكن أن يجعلها انسانة فاقدة لذاتها، وهنا تكون قد وصلت الفكرة للقارئ، ولا داعي بأن تكون ابنة متبناة مثلا، أو العكس هو الصّحيح أيضا.
شخصيّة سليمان بن شاهين، المحامي العربي هي رمز للمواطن العربي الّذي يعيش مفكّك الهويّة يبحث عن ذاته، ويريد أن يأخذ حقّه بشتّى الوسائل من بين مئات العقبات الّتي يضعها أمامه المحتلّ. أراد بن شاهين أن يمنع بناء جدار يعزل ما بين الحيّ الّذي يعيش فيه وبين الحيّ اليهوديّ؛ لأنّه اعتبر هذا الاجراء نوعا من أنواع العنصريّة، لكنّه قوبل بالصّدّ من قبل الطّرف الآخر، وأُحرق بيته وسيّارته وتشتّت مع والدته. لم ييأس وظلّ صامدا أمام العقبات. أحبّ سلمان بن شاهين امرأة يهوديّة ( استير) وتمسّك بها، لكنّه تخلّى عنها عندما علم بدخولها الجيش؛ لتقاتل في حرب غزّة. بدت هنا غيرة الانسان العربي المحتلّ على أبناء جنسه ووطنه ودينه واضحة في شخصيّة سليمان. هو رمز للتّحدي.
شخصيّة ادريس العتيق تمثل شخصيّة الخائنين لأوطانهم. الّذين يبنون أمجادهم وثرواتهم على ظهور أوطانهم. تآمر مع المخابرات الاسرائيليّة من أجل بيع الأراضي في بلدة سلوان، بوّابة الأقصى.
شلومو بن أورون، رئيس المخابرات الاسرائيلي، وشخصيّة تسيبي وغيرها، وثقافة كلّ هؤلاء، نشعر من خلال قراءتنا للرّواية بأنّهم أشخاص حقيقيّون بلغتهم وعاداتهم وثقافتهم وتبريرهم بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة. غاية وجودهم على هذه الأرض تحلّل كلّ شيء، حتّى قتل أقرب المقرّبين لهم. أُسلوب الأديب شماسنة يدلّ على مدى ثقافة الأديب وسعة اطّلاعه. تعتبر الرّواية شاهدت على العصر، فهي تاريخ يوثّق الأحداث والحرب الأخيرة على غزّة. أدخلنا الكاتب إِياد شماسنة إِلى عالم سمعنا عنه لكنّنا كنّا نجهل كنهه.
وكتبت رفيقة عثمان:
تعتبر رواية الأديب شماسنة، من الإبداع المميز؛ من حيث عدة عناصر أدبية منها: الفكرة، المضمون، التكنيك الفني، تحريك الشخصيات، الأبطال، السرد المتسلسل؛ رصانة اللغة، واستخدام الوصف المناسب للأحداث الدرامية.
استخدم الأديب أسماء الشخصيات في الرواية؛ لأسماء حقيقية، وكذلك لأسماء الأماكن التي دارت في رحاها أحداث الرواية؛ اسماء الشخصيات مثل: احمد الطيبي، والأسماء التي وردت في رواية غسان كنفاني؛ سعيد، صفية، دافيد؛ بينما الأماكن كانت؛ حيفا، يافا اللد، الجلزون ، سلوان، القدس، راهط، إلخ.
اتسم أسلوب الكاتب بأسلوب شيق للقارىء، على الرغم من طول الرواية؛ كذلك تخلل ابداع الأديب شماسنة، التركيب الفني الذي يتسم بالتجديد، كما ورد في نهاية القصة؛ حيث تمت المناقشة والمنافسة حول من كتب الرواية؟ هل هو يهودا أم محمد سعيد؛ أنهاها الراوي لحل وسط وبتواضع عن إعلانه بأنه هو الراوي المقدسي، والذي بدوره تسامح باسم يهودا ثم باسم محمد سعيد؛ كما ورد على غلاف الرواية، فعلا نجح الكاتب أن يخلق الدهشة في قلوب القارئين؛ على غرار المألوف في نهاية الروايات الأخرى.
عنوان الرقص الوثني: عنوان لافت للانتباه؛ مما يجذب القارىء؛ لتصفح الرواية، واقتنائها. تسمية الرواية بهذا العنوان، ورد صفحة 70، " أليس من فيهم الكولونيلات الذين رقصوا فوق الدم ليصنعوا أمجادهم؟ إذن ليكن العنوان. "الرقص الوثني"، كناية عن الأجسام المتشبهة بالأصنام؛ التي تفتقد للمشاعر الإنسانية، عند بناء أمجادها فوق الدماء المسفوكة دون أي اعتبار؛ لحقوق الإنسان، وإنسانيته.
نجح الأديب في حبك الرواية، واستخدام أسماء الأشخاص اليهود، مع استعمال بعض المصطلحات باللغة العبرية، كما هي مستخدمة في الشارع الإسرائيلي.
استطاع الأديب شماسنة في خلق صور درامية للأحداث؛ لدرجة التماهي، والانسجام مع الشخصيات والأحداث.
تعتبر رواية الأديب رواية واقعية من الدرجة الأولى. تعكس حياة الصراع القائم، والمستمر بين طرفي النزاع الدائر في المنطقة على مدى أجيال متعاقبة.
- أكمل الروائي شماسنة رواية غسان كنفاني، "عائد إلى حيفا" كأسلوب روائي غير مألوف، حيث خلق نهاية مدهشة؛ لا أعلم لو كان غسان كنفاني حيّا، أية نهاية كان سيتحفنا بها؟
- راعى الروائي البعد الزمني، في الرواية؛ حيث انتقى شخصية ابن ديفيد-يهودا، في رواية غسان كنفاني لاستمرار أحداث الرواية حتى أيامنا الحاضرة.
- تفتقر الرواية للحوار، والحوار الذاتي.
- كانت العاطفة طاغية في كافة مراحل الأحداث، سواء كانت حزنا، أو فرحا.

وكتب عبدالله دعيس:
تتحلّق القبيلة الوثنية حول نارها المشتعلة، وتتمايل بطقوس غريبة وأزياء أكثر غرابة، وقد اختلط عبق الدماء مع رائحة شواء آدمي. مشهد رهيب قد يتخيله القارئ عندما يتناول رواية الرقص الوثني لإياد شماسنة ويتمعن في لوحة غلافها، لكنّه ما أن يشرع بقراءتها حتّى يجد وجها آخر للرقص الوثنيّ.
قد يوحي الرقص الوثني بالفوضى والهمجيّة رغم أنّ القبائل الوثنية قد تكون منسجمة مع ذاتها وتراثها، وملتفّة حول قادتها ومعتقداتها، أمّا الرقص في الرواية، فله طعم آخر مختلف، فهو تأرجح بين تناقضات "مجتمع" صهيونيّ يعيش في فلسطين، متناقض مع ذاته، مختلف في كلّ شيء، مدّعي لكل شيء، سارق لكل حقيقة، أفراده متناقضون وعائلات
ه مفكّكة، أشخاص حائرون يعيشون في صراعات نفسيّة طاحنة، لا يجمع شملهم ولا يلمّ شعثهم إلا عدو يخلقونه من غيرهم، يلوذون ببعضهم ليحتموا من الاصطلاء بنيرانه. وبالمقابل مجتمع عربيّ فلسطينيّ يعيش تحت الاحتلال، لكنّه غارق بتناقضاته أيضا، فسارق الآثار يبيعها للعدو ليصيغ منها تاريخا مزوّرا له، ثم يتحوّل إلى متدين فقط ليبيع العقارات للعدو أيضا، وتاجر الآثار الارمنيّ يتواطؤ مع العدوّ لتزوير التّاريخ مقابل فتات من المال، لكنّه يأبى أن يسرّب عقارا في القدس له، والمحامي الذي يدافع عن حقوق بلدته ويناهض بناء جدار فصل فيها، يقع في عشق يهوديّة ويهيم بها، لكنّه يتراجع عن عشقها عندما تلتحق بالجيش الصهيونيّ.
فالرواية خليط من الشخوص والأحداث والأمكنة والأزمنة، تتأرجح وتهتزّ بعنف في كلّ الاتجاهات، لتخلق لوحة متمواجة مضطربة، لكنّها متكاملة تعطي صورة عمّا يدور داخل فلسطين في ظل الاحتلال، وتكشف المستور من صراعات الصهاينة الذين "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى." وتخلق لوحة راقصة حول نار ملتهبة تحت الرّماد، لم تخبُ أبدا ولم يخمد أوارها.
الرقص الوثني رحلة بين الواقع والخيال، والماضي والحاضر، والمجتمع الصهيوني والعربي، يستعير الكاتب فيها أسماء شخصيات واقعيّة مع قليل من التحريف، ويتناصّ مع رواية (عائد إلى حيفا) لغسّان كنفاني ممعنا في خياله، فيبتعد قليلا عن الواقعيّة، ويعود إلى الماضي الغابر مع لصوص الآثار وأستاذ التاريخ في الجامعة العبرية، لينتقل بسرعة إلى الحاضر حيث الأحداث المضطربة حين الهجوم على غزّة عام 2014 وإحراق الطفل محمد أبو خضير. نحيا مع الشخصيّات الصهيونيّة عن قرب، وننتقل من القدس إلى تل أبيب، نرى تناقضاتهم وصراعاتهم النفسيّة: فالأكاديمي الصهيوني بن يهودا يعمل باحثا لكنّه يتعاون مع جهاز المخابرات لتزوير التاريخ وإظهار الرواية الصهيونية اليهودية له، وهو يعلم في قرارة نفسه أنّه من أصول عربيّة. تناقض يعكس حقيقة وواقع المجتمع الصهيونيّ. أما زوجته تسيبي فهي تعمل لدى منظمات حقوق الإنسان وتطالب بالحقوق المدنية للفلسطينيّين، لتنقلب فجأة إلى صهيونيتها وعنصريتها عندما ترتبط ابنتها بعربيّ، ومن أجل الفوز في الانتخابات. أمّا إستر فهي تعيش في بيت متناقض ومجتمع أكثر تناقضا، تبحث عن هويتها تماما كما يبحث مجتمعها عن هوية مفقودة، تتذبذب بين حبها للمحامي العربي وبحثها عن ذاتها داخل الجيش الصهيوني، لتنتهي في مستشفى للأمراض العقليّة. ونرى هذا التناقض أيضا في شخصية اليهوديّ اليمنيّ مسلّم أسأر الذي يرتبط بثقافته اليمنية ويحن إلى بلاده، ويعلم حجم الخديعة التي وقع بها عندما رحّل منها، لكنّه يرفد المجتمع الصهيوني بأسباب الحياة، كغيره من اليهود الصهاينة.
لا شكّ أنّ رواية (الرقص الوثني) فيها ابداع وتميّز، وقد أتت بجديد، فهي لم تعرض الأحداث في فلسطين بالطريقة النمطيّة التي اعتدنا عليها: فليس هناك فلسطينيّ ضحيّة وجلّاد صهيونيّ، وإنما مزج الكاتب الأحداث والأشخاص بتوليفة جديدة مبتكرة، واستطاع أن يمسك بجميع خيوط شخصياته المتعدّدة ويحرّكها على خشبة المسرح باحترافيّة وإتقان، فسار بالقارئ في حقل مليء بالألغام، لكنّه خرج به إلى شاطئ الأمان دون أن يتعثّر بأيّ منها.
وتنتهي الرّواية بصراع بين البروفيسور اليهودي بن يهودا والكاتب العربي محمد خالد سعيد عبد الحق (الذي هو في الحقيقة ابن عمه) على الملكية الفكرية لرواية (رقص الكولونيل) التي ادّعى كلّ منهما تأليفها، وهذه النهاية ترمز إلى الصراع على كتابة التّاريخ بين الصهاينة الذين يحاولون صياغته بلغة المنتصر وإدعاء حقّهم في هذه الأرض، وبين صاحب الأرض الذي على الرغم من هزيمته وانكساره إلا أن حقّه فصيح اللسان يعلو ولا يعلا عليه. يتراجع بن يهودا عن نشر روايته لصالح ابن عمّه العربيّ، وكأنّها إشارة إلى أن تزوير التاريخ لن يفلح وسينتصر الحقّ في النّهاية، وستعود الأمور إلى مجراها الصحيح.
ينهي الكاتب روايته بفصل بعنوان (إعلان) ويكرّر هذا الفصل على الغلاف الأخير للرواية. أرى أن هذا الفصل لم يكن هناك داع له، ولم يكن هناك داعٍ أيضا لذكر اسم دار النشر وصاحبها في الصفحات الأخيرة: سمّاها الكاتب دار مساءات وسمّى صاحبها ميلاد أبو حشيم، وهو يقصد دار فضاءات التي نشرت روايته ومديرها جهاد أبو حشيش، لم تكن هناك حاجة إلى ذلك ولم يكن هناك حاجة للتلاعب بالأسماء أيضا. وقد وردت في الرّواية بعض المعلومات غير الدقيقة، وإن كانت بسيطة جدّا، إلا أنّها قد تضفي ظلالا من الشك على المعلومات الأخرى التي يجهلها القارئ، وحبذا لو بذل الكاتب جهدا أكبر في التحقق من هذه المعلومات. فمثلا ذكر في صفحة 240 أن محمد أبو خضير كان يعيش في قرية بيت حنينا ويدرس في مدرسة اللوثري الصناعية، والحقيقة أن محمد أبو خضير كان يعيش في شعفاط ويدرس في مدرسة عامال في مستوطنة عطروت المقامة على أراضي بيت حنينا وليس على أراضي الرام كما ذكر الكاتب في موضع آخر.
قراءة رواية الرقص الوثنيّ، تجربة فريدة ممتعة مفيدة، وأعلن أنا أيضا انحيازي التام لها "سواء فازت الرواية بأية جائزة أم لم تفز"؛ فإنها فعلا استطاعت أن تصنع بعض الدهشة في قلبي.