ثنائية الحب والجنون (رزاق وعالم مخبول) ح14

عباس علي العلي
2018 / 1 / 26

بعد أربع سنوات قضاها رزاق في الجامعة نجح بتفوق لينال البكلوريوس في الصيدلة بجداره، كانت أمنيته أن يدرس الطب لكن الظروف كانت أقوى منه، الآن لا مجال للتراجع أو الحسرة على ما فات فليست الصيدلة أقل شأنا من الطب ولديه رغبه حقيقية أن يستمر بالدراسة والعمل معا، وهو المكلف بأعالة نفسه وعمته بنفسه، لذا قرر تأجيل قرار أكمال دراسته العليا والتفرغ لمدة سنه أو سنتين للعمل حتى يتمكن من تسديد تكاليف الدراسة وتكاليف المعيشة، نحن الآن في أواخر عام 2015 والفرصة متاحة في أي وقت له لمتابعة حلمه أن ينال شهادة الماجستير في أختصاصه، إنها الأحلام الطيبة التي تبنى بالعمل والمثابرة والصبر الجميل.
استأجر صيدلية أحد زملائه الذين سافروا خارج العراق لأكمال التخصص ولمدة سنتين، وباشر العمل بها فورا معتمدا على ما تبقى لديهم من ثمن الدار التي باعوها، على أمل أن يتمكن من شراء دار جديدة في المستقبل بدلا مما ضاع منهم، كانت الصيدلية قريبة جدا من مدخل المدينة الشرقي حيث ينزل معظم الزائرين القادمين إلى كربلاء أو ممن له حاجة فيها، أول شيء وضع صورة الشيخ قريبا من واجهة ألمعرض لعل أحدا ما يتعرف عليه، أو يحصل على خبر منه، كما فعلها كثيرا من خلال نشر الصورة مرات عدة في مواقع التواصل الأجتماعي، أنه مصر تماما على أن ينال عناد جزاء ما أقترفه من جريمة لا سيما وقد مر العام على الحكم الغيابي وأكثر.
كانت أمور الصيدلية تسير من حسن إلى أحسن وأستعان بأكثر من شخص لأدارتها والتواجد الدائم فيها، لم يكن طامعا بأكثر من الحلال في ظل موجة أرتفاع الأسعار الجنونية وما يكسبه الصيادلة من فرض أسعار عالية على الأدوية والمستلزمات الطبية، شعوره أن الناس بحاجة للتعاون أكثر من حرصه على أن يجمع المال وبأي طريقة، كان أيضا حريصا على أن يزود الصيدلية بالأدوية من مناشيء معروفة وذات قيمة علاجية حقيقية، إنه يتذكر تماما حكايات التمار الذي بقيت راسخه في ذهنه وكيف حول ثروته وعلمه لخدمة الناس.
مرت شهور عديدة على عمله وهو يشعر بقمة السعادة من أنه حقق حلمه الأول وأنه الآن مؤهل لأن يبدأ بدخول الحياة من أوسع أبوابها، رضية التي رافته في كل خطوة تنام قريرة العين ولم تعد حتى تتذكر الأيام السوداء التي مرت، أنها تريد لرزاق أن يبقى هكذا في قمة النجاح وتحرص على مؤازرته في كل صغيرة وكبيره، حتى أنها كثيرا ما كانت تلح عليه أن يتزوج، فهو الأن في حدود الثلاثين من العمر وهو وقت متأخر نوعما للزواج، عليه أن يفكر في حياته ومستقبله بدل الأنتظار، يعدها في كل مرة أن يفكر في الفتاة المناسبة وأنه لا بد أن يجدها في لحظة ما.
في عصر أحد الأيام وهو يؤدي عمله في الصيدلية مرت سيدة أنيقة يتبين من مظهرها أنها على مستوى عال من التعليم والثقافة وطلبت دواء محددا، لمحت صورة الشيخ وسألته إن كان يعرفه أو عن سر تعليقه للصورة، أجابها أن بينه وبين صاحب الصورة قضية كبيرة ولا بد أن يصله يوما، قالت له وقد طلبت منه أن يخرج لتكلمه على إنفراد بخصوصه، عرفت نفسها بأنها الدكتورة صباح أستاذة في علم القرآن وعلوم الحديث وأنها من أهالي البصرة وتسكن النجف حاليا، وقد سبق وإن كانت زوجة المذكور وقد تطلقت منه بقرار من المحكمة بعد هروبه إلى إيران وترك زوجاته الثلاث بدون سبب معروف.
شرح لها ما حصل وموضوع القضية التي تمت محاكمته عليها، وأن سبب ذلك كله زوجته مريم العجمية التي كان يساكنها في الدار القريبة من داره، تعجبت صباح من هذه المعلومة وأنها كانت مغفلة وبقية أزواجه من موضوع زواجه من رابعة دون علمهمن، وكيف أستطاع أخفاء الأمر كل هذه المدة، أعطاها نسخه مصورة من قرار الحكم وأعطته رقم هاتفها لتبادل المعلومات لو حصل كل منهم على جديد، هكذا تأكد أن خصمه ليس أكثر من محتال ورجل بلا قيم حين ترك زوجاته وهرب دون حتى أن يعلمهن بما جرى، الكثير من النفوس المريضة تبقى على علاتها ولم تفلح الأيام بمداواتها أبدا.
هذا الخبر هدأ من حماس رزاق ورغبته في الأنتقام من عناد بعد أن عرف حقيقته وأخبر عمته رضيه بما حصل اليوم، هي الأخرى لم تعد تبالي به وأنها تعرف أن الله أنتقم لهم منه، وعليه الآن أكمال مشروعهم في الحياة خاصة في موضوع زواج رزاق وأستقراره، هذه المرة لم يعدها كما في السابق بل أخبرها أن هناك فتاة محددة ويرغب في الزواج منها، وهي أيضا صيدلانية وتعمل في مستشفى حكومي، فرحتها لم يحدها حد وأرادت أن تزغرد ولكن تذكرت أنهم الأن في أيام عاشوراء، قال رزاق أنه قد أتفق معها أن يخبر عمته أولا ثم عليها أن تفاتح أهلها فيما بعد وأن يكون الأمر جديا بعد أنتهاء شهر صفر ليتم الزواج لاحقا.
وأخيرا بدا لها أن مشروعها التي أفنت أيامها من أجله قد بدأ يؤتي ثماره وأن ما أضمره الله لها كان خيرا وأبقى، قامت تؤدي صلاة الشكر لله وهي ممتلئة ثقة أن رزاق سيكون بخير طالما أنه لم ولن يسعى لأذية إنسان، إنه عمل صالح لا بد أن يطرح صالحا وإن ما أبتليت وأبتلى به كان من باب تطهير النفس وأظهار معدن الإنسان في الشدائد والنوائب، أنهما على كل حال في خير ولا بد من شكر الرب على ما كتب وما وفق، لم تنسى أبو عباس الذي رحل منذ أيام إلى ربه تاركا خلفه رصيد كبير من عمل الخير والأحترام، كان رحيله خسارة لها أيضا فهو كان صديق الوالد وعشرة العمر التي أمتدت لأكثر من أربعين عاما.