أدباء ورهبان 4

دلور ميقري
2018 / 1 / 26


عباس محمود العقاد ( 1889 ـ 1964 )، أحد أهم كتّاب العربية في القرن العشرين ومن أغزرهم تأليفاً. بلغ من تأثير العقاد في معاصريه، أن نجيب محفوظ أعتبره أحق منه بالحصول على جائزة نوبل. ولقد عاشَ الرجل في عصرٍ مجيد، تميّز بوجود عمالقة الفكر والأدب والفن كأحمد شوقي وحافظ ابراهيم وطه حسين وتوفيق الحكيم وسلامة موسى والمازني والرافعي. إلى ذلك، كان عصر العقاد فاصلة بين القديم والجديد، التقليد والحداثة. إهتمامه بالتراث، وضعَ اسمه إعتباطاً بين المفكرين الاسلاميين. إذ كان العقاد أديباً قبل كل شيء، متفرداً بثقافة موسوعية وقوة ملاحظة وبيان رفيع.
ولد العقاد في أسوان، بأقصى الجنوب المصري، لأسرة بسيطة ذات أصلٍ كرديّ. ملامحه كانت تشي بأصله؛ هوَ من كان وسيم الطلعة بعينيه الخضراوين وشعره الأشقر. كذلك، ما أظهره العقاد في حياته من جرأة وتصميم وعناد، سواء في معاركه الأدبية والفكرية أو السياسية بتحديه للسلطة في العهدين الملكي والجمهوري. ويكفي ذكر واقعة رفضه جائزة الدولة التقديرية، التي منحها له عبد الناصر. خلال فترة الحرب العالمية الثانية، كان صوت العقاد هوَ الأعلى بالتحذير من مخاطر النازية. لم يكتفِ بكتابة مقالات يومية تهاجم هتلر، بل وضع عنه كتاباً أيضاً. لدرجة أنه تلقى تهديداً من السفارة الألمانية، جعله ينتقل إلى السودان حين تقدمت قوات المحور إلى حدود مصر الغربية.
في سيرته الذاتية، وعنوانها " أنا "، ثمة فصل عنوانه يوحي بشخصية العقاد؛ " كنتُ شيخاً في شبابي ". فالعقاد نشأ كرجل عصاميّ. إذ لم تتح له ظروف أسرته إكمال دراسته الأساسية، كما وعمل في شبابه بمهن يدوية عديدة. إلا أنه عمد باكراً لتثقيف نفسه، بما نهله من كتب التراث. أيضاً تمكن من إجادة الفرنسية، من خلال الإحتكاك بالسياح، مما فتحَ له آفاق أخرى من معين تلك اللغة وآدابها. مثلما أنّ العقاد كان عازفاً عن الزواج، بالرغم من حياته الشاهدة على الحكايات العاطفية وبخاصة مع الأديبة مي زيادة. فضلاً عما ذكرناه عن نشأته الصعبة، فإن العقاد كان يقضي معظم أوقات فراغه في القراءة والتأليف. بدأ بمراسلة الصحافة، وبقيَ حتى أواخر حياته يكتب المقالات ثم يجمعها في كتب مطبوعة. بغض الطرف عن فكر العقاد المحافظ، فإنه يعد من أنصار التجديد في الأدب. ولقد خاضَ في هذا الشأن معركة مشهودة مع الرافعي وغيره. ولكن العقاد ما لبث أن عاد ليدخل هذه المرة في صراع مع المجددين في الفكر والأدب، مثل الزهاوي ومحمود أمين العالم. كذلك عارض العقاد بشدة نظريات طه حسين بخصوص الشعر الجاهلي وأبي العلاء، مع أن طه حسين كان قد رشحه قبلاً لإمارة الشعراء خلفاً لأحمد شوقي. يبقى عباس محمود العقاد، بصرف النظر عن كل شيء، ذلك الكاتب صاحب الأسلوب العذب واللغة البليغة والثقافة الشاملة، فلم يترك باباً بالأدب لم يطرقه. من أشهر ما كتبه، سلسلة من الدراسات البيوغرافية تناولت القدماء والمحدثين، عُرفت ب " العبقريات ". كذلك تناول شخصياتٍ أخرى في كتب مستقلة، كأبي نواس وعمر بن أبي ربيعة وابن سينا.