دولةُ المُتملِّق: في العقل الاحتيالي (1)

سامي عبد العال
2018 / 1 / 25

التملُّق لونٌ من التودُّد والمداهنة والمخادعة لأصحاب السلطة القائمة، وبالوقت نفسه يكشف افتعال ذلك وصولاً إلي مآرب أخرى. ولهذا يشكل مجسَّاً لردود الأفعال عليه والاستجابة لنتائجه في حركة الواقع، أي أنَّه قد يعدُّ سلوكاً فردياً لكنه يختبر أبنية الدولة وسياساتها داخل نطاقها الكلي. ولا سيما أننا بسياق ثقافي عربي قائم على علاقات القرابة والطوائف والقبائل والعائلات والأحزاب مؤخراً. ولقد أحدث هذا فوضى المجال التداولي العام. فهل يستردُ التملقُ - إزاء تحولات المجتمعات العربية بفضل رياح الحداثة- أصول تلك المكونات وخلفياتها؟! إنَّ آثار التملُّق في المجال العام ظاهرة عربية شملت السياسة والإدارة والاعلام والثقافة والتعليم... إنْ لم تزدد اتساعاً.

القضية على درجة من الأهمية، فلا يتم تنوير حقيقي دونما نقد العقليات السائدة التي جعلت التملق درباً لتسلق الحياة العامة. أي تصفية التصورات والطرائق الحياتية التي خيمت على الفكر طوال التاريخ الثقافي للعرب القريب والبعيد. واستطاعت تكبيله وتحجم فرص الإبداع والتفكير الحر أمام أفراده. ويبدو التملُّق هاهنا معياراً لفشل السياسات وانتشار الجهل وضياع المعايير وقيم العمل ونهب الرأسماليات الرمزية من ابداع وفنون وآداب واتجاهات فكرية. لأن المتملِّق يأخذ موقعاً لا يستحقه، وفوق ذلك يزيح هؤلاء الأجدر بهذا الموقع. والأخطر أنه يدمر الحقوق الإنسانية ومفاهيمها، حين تخل أعمالُّه بتكافؤ الفرص وعوائدها على الإنسان والمجتمع.

يجب أن نسأل: كيف نفهم دور التملق- ثقافة وفعلاً- في انتشار جماعات المصالح؟ ألم تهدد سيولة الاحداث المتملقين - في السياق العربي- بالانفتاح وحرية النقد والتفكيك؟

من جانبٍ آخر، عندما يأتي التملُّق بناءً حياتياً أشبه بالحاجات الأولية( له أعراضه – أساليبه - أشكاله الخطابية – مراوغاته - علاماته الجسدية والحركية)، فماذا عن نظام المجتمع ككل؟ إن التملق سياسة الضعفاء لبلوغ غايات ومنافع خاصة. بالمقابل يتقيأ ما في جوفه من ترويج لعلاقات الأفراد بالسلطة طالما كانت مجديةً أمام طموحاتهم. كما لن يُفلت الحاكم المستبد أيَّ تملُّقٍ دون زيادة هيمنته وتقوية قبضته من الدولة. إنَّ تملقاً بمعناه السابق لا يتم بوجه واحدٍ، هو دوماً وجهان يغذيان بعضهما البعض( ذهاباً وإياباً)!!

وعليه يتأسس نظام سياسي يدجن فئات المجتمع ويُخضِع المواطنين بالدوران في شراكه المنصوبة. لأن ثمة تبادلاً للمنافع خلال المناطق الرمادية المظلمة بين الزبائن(المتملقين) والسلطة. وسيدل مصطلح دولة المتملَّق أنَّ شخصاً ما يحظى بفرص العيش الرغد والعلاقات النافذة. وكأنَّه يمتلك ما يستحيل امتلاكه من خدمات ومكانةٍ، بل تنحاز إليه الدولة الفاشلة. لأنَّ المتملِّق امتدادها الفاشل الذي يشعر الاخرين بكونه مهماً ولا غنى عنه.

في هذا الباب هناك معادلات شبه رياضية ثقافية:

- تملق + نفاق + حيل وألاعيب = مكانة وحظوة ( حركة صاعدة ).

- تملق + مصالح + قرب أو بعد = علاقات السلطة ( حركة هابطة ).

- تملق + ضياع الكفاءة والمعايير + دجل السلطة = ثقافة التملق( حركة أفقية ).

- رئيس متملَّق + بيع أوهام + تخبط واستبداد = سياسات كاذبة ( حركة مراوغة ).

- شعب خانع+ نظام سياسي كذوب+ انعدام قدرات= دوائر التملق(الوضع السائد).

والدوائر أشبه بخيط العنكبوت التي ينسجها المتملقون(من أعلى إلى أسفل والعكس). حيث تنتج في حقبة من الحقب ثقافةً جاريةً تكتسح مجتمعاً عبر مستوياته المتداولة. ويغدو التملق لغةً لها معجمها السياسي والوظيفي والاجتماعي والطقوسي. فينشر تراكمه مضيعاً آفاق العلاقات الحقيقية. وبالمدى التاريخي يرسخ التملق لنماذج حياتية من جماعات الهامش تسرق قدرات الدولة وتؤكد أصحاب المصالح على ذات المنوال. والجماعات تبدو كأنها تقضي المنافع( باللهجة الدارجة) لكنها تخرب السياسة وتفخخ جوانب المجتمع(كالأقرباء والأعوان والموالي) بالنسبة للحكام المستبدين.
ذلك نتيجة لما نراه يومياً في أروقة الدول العربية حيث يمثل النفاق والتسلق وصنع الدسائس أبرز آليات الشأن العام. أشياء يتعلمها المسئولون نتيجة الدربة والخبرة في بطن القطاعات التي يعملون بها. وإذا كنا نعرف ضعف القوانين وفشل الكوادر للنهوض بالمجتمعات العربية، فالمتملقون هم أصحاب الرأي والغلبة والاستشارة والفتاوى والأحزاب ورؤساء الهيئات التعليمية والثقافية... ماذا بقي من جثة الدولة لم يخترقوها كاختراق الديدان للجيف العفنة؟!!

لقد كوَّن التملُّق لاوعياً وممارسةً جمعية ولا سيما لدى جماعات المصالح ومافيا العلاقات السلطوية. وهو الأمر الذي يبلور ما اسمية العقل الاحتيالي. وإذ ذاك لا يعد في ذاته عقلاً، بل ذهنية مشوشة المعالم وتتكون في إطار السلطة السائدة وتخدم أهدافها بشراسة. والذهنية ظواهر هامشية تصاحب تطور المجتمعات والتغيرات الحادثة عميقاً في بنية الأنظمة السياسية. فحينما تفقد الأنظمة اتساقاً مع نفسها وتعجز عن تطبيق القوانين والاجراءات الموضوعية العاملة بها، تنشأ جماعات التربح للقيام بمهامها البديلة. حيث يفقد الناس السيطرة على الواقع ويخفقون في انجاز الأهداف الكلية. وهذا ما يجعل التملق مظلة تجتذب رجال دولة ومسئولين وباحثين وفنانين ومثقفين ورجال علم واعلاميين وخبراء استراتيجيين ومحللين وأحاب خطابات دينية...!! وتلك هي حقيقة الأنظمة العربية بلا تجميل... لقد تجاوز تملقها جميع الخطوط وبات يغتصب كل شيء في وضح النهار!!
أكيد ليس الأمر خبط عشواء ولا قفزات لضفادع ليلية في وجه الحياة الراهنة. ولم تكن القضية عبثاً- داخل انظمة سياسية متخلفة - لتصل إلينا في شكل قطعان من المتربحين وأدعياء الثقافة والمعرفة والعلم. وللأسف هم أصحاب مناصب داخل أمعاء الدولة. ورغم ذلك هناك من يخرج زاعماً محاربة الفساد والتمسك بالقوانين والآليات الديمقراطية. أية قوانين إذا كان التملق سائداً والمحسوبية مقياساً لمواقع الأفراد من السلطة؟!

العقل الاحتيالي عقل ينهب الفرص نهباً للكسب والتزلف. وهو قدرة شخصية مدهشة( نفسية وبيولوجية وحياتية) لكل صاحب سلطة عبر وسائل إرضاء أصحاب المكانة الأعلى. وفي هذا يتفنن المحتال لمغالبة الأمور وقلبها التهاماً لمزيد المصالح. ولا يتوقف عن الالتواء كلما لزم الأمر حتى يشتَّم ما يتطلبه الحال فيسرع لتقديم خدماته فوراً. ويجري الأمر بمقدرة نادرة في حركات بهلوانية. وهو عقل يصفر( أصوات الصفير) بكل ما يحويه جراب المسئولين من ألاعيب ومؤامرات ودسائس يحاربون بها غيرهم ضمن أروقة المؤسسات والهيئات.

والعقل الاحتيالي عقل رعوي لا يعرف سوى الاحتماء بالسلطة، يلعق أقدام الأسياد الذين يظهرون فجأة أمامه من مرحلة إلى أخرى. وفي غير مرة يسعى إلى تكليلهم بالهالات والألقاب والأوصاف وعبارات الدجل السياسي والأكاديمي. ونظراً لانتظار مواقفهم فلا يستبق إلى أخذ أية خطوة من تلقاء نفسه. لأنه عادةً رد فعل، بصقة على جدار مهترئ، خرقة بالية لفظتها الريح على طريق متوّحِل دون الخروج من ذلك المستنقع. إن العالم كله، الحقائق، التاريخ، الجغرافيا... هي حزمة لما يفعله بمهارة. بل يتلذذ الوقوف أرضاً بمحازاة الأقدام والأحذية. لا يدرك أنَّ هناك قامات سامقة لا تنحني لكونه – كما يظن- في الجنة الموعودة (جنة العبيط).

لنتخيل: ما هو الإنسان الذي يحمل هذا العقل الاحتيالي؟ كيف نرسم شخصيته من دم ولحم، بحيث نقول ها هو المتملق يمشي على الأرض؟ وما هي الثقافة التي كونت خلفياته؟ لماذا ينمو- كحشائش برية قوية- في بيئات عربية تزعم الديمقراطية والعدالة والحريات؟!

العقل الاحتيالي يسكن جسداً اجتماعياً وسياسياً بعينه. ليس متحرراً حتى يعبر عن رأيه صراحة ولا يتحمل مسؤولية أفعاله. لكنه محمول بصورة بارزة على موضوع التملق والتزلف. وأغلبه لو أزيل موضوعه( الشخص المتملَّق- السلطة المتملَّقة) سيذبل المحتال وسيقع في حيص بيص. لكونه لا يقف واضحاً ولا يرتئي ممارسات العراء حتى لا يراه الناس عارياً. وإذا وجد منفذاً لذلك، فلن يفعل، لأنَّه لا يعيش إلاَّ بالظلام وبين الأضابير القديمة وعبر الردهات الخلفية وعلى الجدران وبين العناكب والأطلال وآثار الخراب.

والجسد الاجتماعي الذي يغطيه ليس ولاؤه لأشخاص وإن كانوا يحملون أسماءه. فهم خلال هذه اللحظة أو تلك كائنات هشة مفرغة بفعل سياسي اجتماعي عام. ويعلمون أنهم يمارسون النفاق والتزلف لينالوا الحظوة عن قصد وهم صاغرون. ولقد بات عندهم الصِغار نوعاً من التضخم الأجوف إزاء المواطنين العاديين. أي يعيدون الاعتبار التافه لأنفسهم بممارسة القهر على الآخرين.

فقد تراه أستاذاً جامعياً يُشار إليه – للأسف- بعبارات الفكر والثقافة والإبداع!! وهو ليس إلاَّ لاعقاً لأيادي المسئولين والمديرين والوزراء. ولا يفكر دون أن يفلتر جوانب عقله على مقاييس السلطة انتظاراً لنظرة من فوق أو هبة تُعطى له، طمعاً في مكافأة أو منصب يتلاعب فيه بقوانين الدولة ومواردها أو رحلة مدفوعة الأجر لأقربائه وأعوانه أو يطبع نصوصاً ملفقة على نفقة الدولة تحت بنود محاربة الإرهاب. أحدهم وصل إلى رئاسة الجامعة وغيره نائبها، لكنهما يرشقان العالم في ياقات السلطة تملقاً وهمساً بالأمجاد الفارغة وتوقيفاً للزمن حتى تمر كلمات التملق فوق عنقه. بينما يحتفيان ويمضغان لسانهما في وقت واحد إنْ كانا قد همهما – محض همهمة- في أيِّ شأن يغضب السلطة مهما صَغُر!!

وقد ترى اعلامياً لزجاً يثرثر عما يدور في كواليس السلطة والمجتمعات. وأنَّ احداثاً بعينها ستسير بالطريقة التي يرسمها وأنَّ العالم جميعه يتابع برامجه عن كثب لأن كلامه حقائق وأسرار بينما هو(أي الاعلامي) مجرد كتلة سائلة من الاوهام والأكاذيب والنفاق. بعض الإعلاميين هم " كائنات الزومبي " في عصر العولمة بامتياز. ينهشون لحم المشاهدين ووعيهم أمام التطورات التي تشهدها المجتمعات العربية. وعندما يخدمون مصالحهم القريبة يأتون بمسؤول يبتزونه أو يسندون إليه انجازات غير موجوده. ويعتبرون ظهوره على الشاشة عربوناً مقدماً لإنجاز منافعهم!!

أما المثقفون فحدِّث ولا حرج كشكل قميء من التملق العام، لقد تعلموا كل شيء في سيرك التملق الفارغ. المثقف هو اللاعب الرئيس في السيرك السياسي. يعطى مساحات الكلام والحوار على أغلب الفضائيات والمنابر والمطبوعات والمقاهي. وهو يدرك كونه مستعملاً باعتباره دابة ليلية تقرض ما تبقى من معارف وأفكار حقيقية. لقد انشأت الدول العربية وظائف مبتكرة للمثقف. بدءاً من صناعته على أعينها، لأنه كان بيوم من الأيام متملقاً صغيراً في أحدى المؤسسات، وانتهاءً بقدرته الفذة بأنْ يصبح مسخاً له كافة الحيل لتدجين مواطنيه والالحاح عليهم بقبول القهر والعبودية.

بعض المثقفين العرب أصحاب عقل احتيالي على الأصالة. فليس عملهم تنويراً بالقيم العقلانية والسياسية والثقافية. عملهم نتاج لقيم اللصوصية والنهب العام وفساد الأخيلة. ولذلك تجد أحدهم يلتصق بوزير أو رئيس أو أمير يعتبر إياه إلهاً في عالم لم يعد يعترف بالآلهة. وقد يسوقَّه بوصفه بطلاً تراجيدياً لولاه لحلت لعنات الإرهاب فوق أدمغة الشعب المسكين. المثقف في هذا الإطار مجرد حافر للسلطة آخذا بركل من يقترب. وقد حمل لواء المداراة والمناورة والخدمات السرية لمن يحتمي في كنفه.

وبرغم أنَّ العالم الافتراضي ونتاجات العولمة أشياء أنهت تلك الوظيفة، وبرغم تحول السلطة من عيون مباشرة إلى قدرة للاتساق مع الآخر الذي قد لا يكون محلياً بالطبع، إلاَّ أن المثقفين قد واكبوا هذه التغيرات. فأفكار يضيعها المتملق قد تكون مبدعة لدرجة أنها تقزم هذيانه تحت أقدام السلطة وتظهرها بحجم العالم. إن التملق – ضمن الثقافة- عمل لا أخلاقي وغير إنساني. وإذا كانت حيل الثقافة تختلط بالأبعاد الاخلاقية، فحرية الفكر كفيلة بكشف إلى أي مدى تأسست الدولة العربية على ما يناقضها من الجذور.

وبعد الربيع العربي تخطى التملق حدود الثقافات المحلية ليصبح في طاعة أمراء النفط والغاز وممالك الصحراء وإماراتها. سال لعاب المثقفين لخدمة هذه الدولة أو تلك عبر قنوات اعلامية وندوات ومؤتمرات. حتى أن هناك من وضع إمكانياته البهلوانية في خدمة الإمارة التي يسكنها. ولم يمانع من وضع تنظيرات خاصة لها مخالفاً بذلك قناعاته الشخصية.

1- هناك مثقفون تبنوا قضايا مؤامراتية لدول تحارب اتجاهات العقلانية والحرية. وتخشى من التطورات السياسية وتمنع حقوق الإنسان وعدالة القوانين.

2- هناك مثقفون أيدوا انشاء مجتمعات مغلقة تناهض الانفتاح داعين إلى الاستبداد والديكتاتورية وقاموا بتبرير ذلك على طول الخط.

3- هناك مثقفون أعادوا عقارب الساعة إلى الخلف وقوفاً بجانب التيارات الدينية السلفية. لأن الأهداف واحدة في مداها البعيد حين يلتقي أقطاب التملق لأصحاب السلطة.

4- هناك مثقفون أكلوا على كل الموائد من أنظمة إخوانية إلى أنظمة عسكرية إلى أنظمة عائلية وبدوية.

5- هناك مثقفون تملقوا بالقطعة بحسب من يدفع أكثر. فالخطاب قد يكون زائداً أو متماسكاً بقدر الأموال التي تدفع والخدمات التي تجنى من ورائه.

6- هناك مثقفون ظهروا عند الحاجة. وهم من أصحاب التملق لمرة واحدة ثم يتوبون عن ذلك ليزعموا بعد عملهم هذا كل الشرف والنضال. وهم أشبه بالراقصات والفنانين اللائي تحجبن وتأسلمن بعد ترك الوسط الفني.

7- هناك مثقفون تملقوا في الخفاء ضمنياً مع السلطة ولكنهم أمام الرأي العام أعلنوا الحياد وأنهم من أصحاب المواقف والآراء الحرة.

8- هناك مثقفون اقتنصوا فرص التربح من المناخ العام بالكتابة الاعلامية أو بتقديم برامج فضائية وافرة الأجر دونما اقتراب من نظامهم السياسي في شيء.

يبدو أن أشكال التملُّق ستواصل مسيرتها، فالدولة العربية أخفقت في بناء مجتمعات حرة. بحيث لا يخشى الأفراد– مهما كانوا- الإدلاء بأفكارهم وآرائهم. وقد يغيب هذا السلوك لدى مرحلة أو أخرى، ولكن أسبابه ستولد أنماطاً أكثر خداعاً من سوابقه. لأن تلك الحركة مضمونه بضمان غطائه العام الذي ظل باقياً في انتظار أي متملق قادم.