ثنائية الحب والجنون (رزاق وعالم مخبول) ح13

عباس علي العلي
2018 / 1 / 25

دون القاضي أقوال المشتكية رضية وأقوال الشهود كل من أم حسن وسائق الستوتة وأبو عباس وأثنين من أصدقاء رزاق وكليهما بالأسم علي، كما دون أفادة الطبيب المعالج كخبير وأخصائي وقرر أحالة رزاق للجنة الطبية النفسية والعصبية لتقدير قواه العقلية أو أمكانية تدوين أفادته كمجني عليه، وبأنتظار ورود تقرير اللجنة الطبية من بغداد سيكون قرار السيد القاضي حاسما، كما طلب من دائرة التسجيل العقاري تزويدها بنسخه من مستمسكات المشكو منه عناد مجهول الأقامة حاليا لربطها مع الأوراق.
لم يعد الأمر خفيا الآن فالتحقيق أخذ مجراه وتولد قناعة مبدئية عند الجهات التحقيقية أن المشكو منه له يد حقيقية في كل ما جرى، يبقى السؤال الأهم في علم التحقيق ما هي المصلحة المتحققة للجاني في حصول الجريمة أو الدافع الرئيسي، وما هي الأسباب الأساسية التي جعلته يرتكبها، هذا ما يمكن أستنتاجه من خلال تدوين أقوال المشكو منه ومقارنة كل ذلك مع الدلائل والحجج وما يتوفر للقضية من ظروف وملابسات، أيضا هناك عنصر غائب ولكنه مهم في فهم ملابسات الحادث، وهو دور مريم وأفادتها التي فشلت رضية مرة أخرى في العثور على مكانها من خلال سائق الستوته، فهي لم تسكن في البيت أكثر من أسبوع واحد وأنتقلت بعد ذلك لمكان أخر، الكل لا يعرف عنها شيئا ولم يرها منذ فترة، حتى صديقة التي أخيرا نجحت في مقابلتها وفي الوصول إليها لم تلتقي بها منذ فترة طويلة ولا تعرف عنها أي شيء.
سيكون سهلا على المحقق أن يتعرف على كامل عنوانها والأستدلال عليها بعد ورود تقرير اللجنة الطبية وتقرير مصير المشكو منه بناء على قرار من قاضي التحقيق، سيعرفون بالضبط ما إذا كانت مشتركة في الجريمة أم مجرد شاهد فيها، حضر رزاق أمام اللجنة الطبية والنفسية في بغداد مع كامل ملفه الطبي من مستشفى كربلاء، وخضع للكثير من الأسئلة من اعضاء اللجنة وكلهم من ذوي الأختصاصات الدقيقة في علم النفس الأطباء والأستشاريين المتخصصين والذي تبين لهم أنه غير قادر تماما أن يخضع للتحقيق، ولكن يمكن أخذ أقواله على سبيل الأستئناس بها دون أخافته أو أزعاجه.
بعد شهر كامل تم ربط التقرير مع أضبارة الدعوى وطلب قاضي التحقيق أن يتم تدوين أقوال المجني عليه رزاق أمامه حصرا دون أن يمر على مركز الشرطة، مراعاة لحالته النفسية وتوافقا مع توصيات اللجنة الطبية على أن يبقى التحقيق معه سريا ولا يسمح لأحد الأطلاع عليه حتى يقرر القاضي ذلك، في هذه الفترة وبعد أستمرار العلاج بأشراف طبيبه الأول يبدو أن حالته أخذه بالتحسن البطيء وإن كان كذلك فهو ثابت، وقلت حالات النفرزه والعصبية لديه، كما عاد إلى أداء الصلاة بين فترة وأخرى ويقضي معظم وقته بمشاهدة التلفزيون والجلوس في البيت وأحينا يحاول القراءة في كتبه القديمة.
كثيرا ما يسأل عن جدته وعن سبب ترك البيت القديم ورغبته بالعودة للسكن في المحلة حيث كان يعيش سابقا، توعده عمته رضيا أن ذلك سيتحقق حالما ننتهي من مشكلة الشيخ عناد وأظهار الحق، يسألها في كل مرة من هو الشيخ عناد وما قضيته فتكتفي بأنه زوج مريم وأنه من فعل كل ذلك بك، صار ذكر أسم الشيخ أمامه يزيد من توتره النفسي لكنه تعود أن يتماسك ويمرر الأمر، حتى طلبت منه عمته أن يذهب معها للمحكمة لأن القاضي يريد أن يسألها عن أسباب ما حصل ومن الضروري أن يرافقها هذه المرة.
لم يبدي أي رغبة في ذلك ولم يمتنع أيضا مما شجعها للأتصال بالمحامي لترتيب الأمر وهو ما حصل فعلا، فقد دخلت هي ورزاق والمحامي على قاضي التحقيق الشاب الذي تبدو عليه الحماسة في أظهار قدرته على أستدراج رزاق لمكمن الأسرار، بعد دقائق طلب من المحامي ورضية الخروج وتركه مع رزاق وموظف المحكمة الذي يدون الأقوال، وأستعان بمسجل صغير لعدم تفويت أي معلومة منه، جلس القاضي قريبا منه لكسب وده وطمأنته على أن الأمر لا يتعدى معرفة ما حصل بالقدر الذي يعرفه، دون أجهاد نفسه وعليه أن يتذكر مجريات ما حدث وسر علاقة الشيخ عناد به، نجح القاضي فعلا في كشف جزء من الحقيقة وكيف أنه ربط قدميه ورجليه وكممه في قطعة قماش ورمى به في أرض السرداب لمدة لا يعرفها بالتحديد.
كان ذلك كافيا لأن يصدر القاضي أمرا بإلقاء القبض على عناد مطرود هادي الملقب بالشيخ عناد وفقا لما أسنده إليه من تهمة الأختطاف والتعذيب، وطلب تعميم الأوصاف لمجهولية محل أقامته في كربلاء، ومخاطبة محكمة تحقيق النجف لتكليفها بتنفيذ أمر القبض وأرساله مخفورا إلى هذه المحكمة على العنوان المذكور في بطاقة السكن، لأكمال أجراءات التحقيق وفقا للأصول، لم يعد ينقص التحقيق غير أن يتم القبض على عناد وتدوين أقواله أصوليا، وأن كافة الدلائل المرجحة والمتحصلة في القضية تشير إلى مسئوليته فيما حدث لرزاق كاملة، وأن عليه أن يحضر إن كان يملك دليل براءته وإن كان ما وجه له من تهمة بنيت على خلاف الحقيقة.
أستطاع أبو عباس أن يكلم شيخ عناد عن طريق هاتف أخر وطلب منه الحضور ليفظ قضية رزاق وتسوية الأمر مع ذويه قبل أن تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباها، خاصة وأن رزاق قد أستعاد وعيه وتكلم عما جرى بالتفصيل، وأن أهله الآن يلقون بالتهمة عليه ولا بد له من أن يحضر، أنكر كل ما سمعه وأنه لا علاقة له بالأمر جملة وتفصيلا، وأن هذا الشباب مجنون ولا يمكن أن يتهمه بقضية خطيرة بناء على أقواله، لكنه عاد وأتصل بأبي عباس طالبا منه أن يتولى تسوية الأمر مع الناس، وأنه حاضر لأي أمر يتفق عليه معهم، أعتذر الرجل وطلب أن يحضر هو بالذات أو تكليف شخص أخر لأنه لا يستطيع ضمانه بعد الذي جرى بينهم.
من مساوئ عناد أنه لم يحتفظ بأصدقاء دائميين له يرجع إليهم في حالة كهذه، فكلما أنتهت قضية ما يترك من ساعده فيها ولا يسأل ولا يتواصل معهم، حاول أن يكلم أبو شعلان شيخ عشيرته الذي أقفل الهاتف بوجهه أكثر من مرة من بعد ما خدعه ولم يخبره بحقيقة ما جرى أيام الأنتخابات، مما سبب له حرج أمام زملائه ومعارفه من الشيوخ والوجهاء الذين جرى خداعهم جميعا، حتى أنتشرت فضيحة التزوير في المدينة ولم يعد أحد يحترم عناد شخصيا وأعلنوا البراءة منه مرة أخرى، حتى جبار لم يقبل بأن يورط نفسه في قضية لم يعرف حدودها ولا يمكنه أن يخمن ما ورائها.
أبو غانم الذي عرف لاحقا أنه قد ضحك عليه وأبتزه بكثير من الأموال وأتضح ايضا أن لا ديه ولا فصل جرى ولا كل الذي كان يخبره به كان صحيحا، فقد ألتقى بالصدفة مع أبو محمد في مناسبة دينية في النجف وعرف منه كامل الحقيقة، وأن كل ما جرى عبارة عن عملية نصب وأحتيال لم يقبض فيها أبو محمد سوى مبلغ مليونين ونصف المليون فقط، عليه الآن أن يرجع إلى أبو عباس فهو الوحيد القادر على تسوية الأمر فالرجل عاقل وأمين ويمكن الوثوق به لما عرف عنه من إيمان ونزاهة وأستقامة وسمعة حسنة.
بالرفض القاطع كان جواب الحاج فاضل وكل ما يستطيعه الآن هو وقف الأجراءات مؤقتا لحين حضوره أو تكليف من ينوب عنه في ذلك، ومنحه مهلة أسبوع كحد أدنى لذلك بعدها سيكون في حل من كلامه ومسؤوليته، وافق عناد ووعده أن شخصا ما سيحضر عنده لترتيب الأمر وهو مخول عنه في تسوية الأمر وخلال المدة المتفق عليها، أخبر أبو عباس رضية والمحامي بفحوى ما جرى وطلب تأجيل الأمر لمدة أسبوع ريثما يتم تسوية الأمر على وجهة ما لمصلحة كل الأطراف، وتم الأتفاق على ذلك بأنتظار ما سيحصل.
بعد يومين حضر رجل معمم إلى بقالية أبو عباس ومن النظرة الأولى عرف الحاج فاضل أنه لا بد وسيط عناد في القضية، رحب به وطلب منه أن يدخل للدار بعد أن نادى على زوجته أم عباس لتقف بدلا عنه لوجود ضيف لديه، شرح الرجل كل ملابسات القضية من أولها وحتى صدور أمر القبض عليه من المحكمة، تعجب الوسيط من كل ما جرى وأعتذر له أنه لم يكن يتصور أن الأمر بهذا السوء، لا سيما وأن شيخ عناد لم يطلعه على التفاصيل كاملة، وأنه كان يظن أن الموضوع مجرد سوء فهم حاصل ووعده أن ينقل كل الذي عرفه وأنه يعتذر عن أكمال المهمة.
بعد الذي سمعه من زميله والوسيط الذي بعثه والمراحل التي وصل إليها التحقيق لم يعد بإمكانه الأستقرار أو الشعور بالراحة أو حتى الامل في أن يتمكن التخلص من هذه القضية بأي صورة، لقد غلقت الأبواب بوجهه خصوصا وأنه لم يعد ذلك الشيخ الذي له حضور وتقدير عند أحد بعد سلسلة الفضائح والمشاكل التي جرت خلال السنوات الماضية، فالكثير ما زال يتهمه بالنصب والأحتيال ولم تعد ديوانيات رجال الدين تستقبله أو تمنحه ما كان يتقاضى من رواتب، اليوم هو يعتاش على ما يتحصله من خلال المجالس الدينية والقراءة فيها وراتبه الذي يتقاضاه كسجين سياسي سابق، ولم يتبقى من ما كان عنده إلا هذا البيت الذي أشتراه من رضية وبيت النجف.
حتى صباح التي أصبحت الآن الدكتورة صباح لم تعد تهتم به وكثيرا ما هددته بالتخلي عنه لما يشكله من تشويه لسمعتها في الوسط الأجتماعي والديني، وخوفا على مكانتها العلمية والأجتماعية، أما تقية هي الأخرى لم يعد يعنيها كثيرا أمر الشيخ ولا يهمها إن تركها أو بقيت، فهي معه فقط حتى لا تخسر مكانتها التي كثيرا ما تفاخرت به على قريناتها في المدينة، وأيضا لتهرب من كلام النساء وكلام أخوتها الذين ظنوا أنهم خدعوا به مرة أخرى وورطهم فيما لا يطيقون.
وحدها رقية الصابرة على بلواها متمسكة به فهي لا تريد أن تخسر زوجا وتبحث عن مستقبل مجهول، وهي تردد مقولة (الشر الذي تعرفه خيرا من الخير الذي لا تعرفه)، لذا هي صابرة لعل الله ينظر لها بعين الرحمة أو يصلح أمور الشيخ مرة أخرى وتعود المياه لمجاريها، لذا لم تفكر في غير الصبر والتصبر وهي وحيدة لا تملك حلا وليس لديها أي خيار أخر لتعالج وضعها فيه.
مريم وحدها البعيدة عن الأضواء فلا أحد يعرف أين هي وكيف يمكن الوصول لها أو معرفة موقوفها في كل ما جرى، لعلها غادرت العراق أو أنها تحت أقامة جبرية في مكان ما، رضية أكثر الجميع من تتمنى أن تلتقي بها وتعرف منها ماذا حدث كاملا وبالتفصيل، ولكن لا مجال أمامها بعد أن يئست من الأستدلال عليها وصار يقينها أن الشيخ قد يكون تركها أو طلقها، أو قد تكون سافرت خاصة وأن صورة قيد الأحوال المدنية التي طلبها قاضي التحقيق وردت خالية من أسمها أو تأشير زواجه منها.
مضى الأسبوع بالتمام وحاول الحاج فاضل أن يتصل بالشيخ من هاتفه أو أي هاتف أخر، لكن الخط مغلق ولا جواب، بعد أن تأكد أنه قد أوفى بألتزامه مع الرجل ومضت المدة وزيادة، أخبر رضية أن عليها أن تستمر من النقطة التي توقفت عندها، لم يكن أمامها وأمام المحامي إلا الذهاب إلى محكمة تحقيق النجف والتحري عنه حسب بطاقة السكن المثبت فيها العنوان كاملا، بعد الأجراءات الأصولية خرجت مفرزة من الشرطة لإلقاء القبض عليه، تبين أن لا أحد في الدار وأن الشيخ قد يكون سافر خارج العراق حسب أقوال المجاورين والمختار.
عاد المحامي بجواب محكمة تحقيق النجف ليربطه مع أوراق الدعوى ليتخذ القاضي القرار المناسب بشأنه، من المعتاد في مثل هذه الحالة أن يتم أحالة الأوراق إلى محكمة الجنايات المختصة ليتم محاكمته غيابيا ووفقا للأصول، بناء على سير التحقيق وللدلائل المتحصلة في القضية ومن ثم أصدار حكمها فيها حسب ما هو مستقر في عملها وأصوليا، يوم المحاكمة بعد أن تم تأجيله أكثر من مرة لغرض أتاحة التبليغ بموجب الطريقة القانونية، صدر قرار المحكمة بسجنه لمدة سبع سنوات والحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة وأشعار الجهات المختصة بتنفيذه حكما غيابيا قابلا للأعتراض وخلال سنه من تأريخ صدوره، كما منحت المحكم المتضرر من مراجعة المحاكم المدنية للمطالبة بالتعويض عن ألأضرار المادية والمعنوية.
أحست رضية الآن أنها أسترجعت شيئا مهما من حقها وحق أبن أخيها الذي تعافى تقريبا مما حصل، لكنه يحتاج إلى متابعة وصولا للشفاء التام والكامل، لم يعد رزاق مجنونا الآن فقد طلب أن يؤدي الأمتحان الخارجي لنيل الشهادة الأعدادية، وواضب على الدراسة تاركا الماضي خلفه بما فيه من ألام وذكريات مرة، وها هو يعود للمحلة ليسكن في بيت إيجار بعد أن قضى سنة كاملة تحت العلاج والعناية وفي غربة عن محلته وبيته، إنه يعود لذاته ولما كان معروفا عنه تاركا قضية عناد ومريم للقدر، وأن لا مفر من يوم تتواجه في الوجوه كل منهم يأخذ حقه كاملا ولا بد.