واقع الفلسطيني في قصة -زاوية اليقين- سعادة أبو عراق

رائد الحواري
2018 / 1 / 25

واقع الفلسطيني في قصة

"زاوية اليقين"

سعادة أبو عراق

هناك ظلم وقع على الفلسطيني إن كان من المحتل الانجليزي وقبله التركي، أو من الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي، فأي قوة احتلال ستمارس سادية تجاه الشعب المحتل، لكن هناك ظلم آخر وقع على الفلسطيني من اخوتهم العرب، إن كان من خلال تخاذل النظام الرسمي العربي في حرب 48 أو في حرب 67، لكن الظلم الأكبر كان بعد عام 67، عندما تم قمع الثورة الفلسطينية واجتثاثها تماما من الأردن، وما واجهته من تضييق وحصار في لبنان، لكن بما أننا اليوم تجاوزنا تلك الفترة العصيبة والتي أرهقتنا كفلسطينيين وكعرب، سنقفز عنها لكي نتقدم من قصة "زاوية اليقين" التي تتحدث عن واقع الفلسطيني بطريقة سلسة وموثقة، فأهم ما في هذه القصة أن تعرف القارئ بمراحل القضية الفلسطينية وما تعرض له الفلسطيني من ظلم، فمن خلال الحديث عن "راضي" المعتقل لمدة "خمسة وعشرين عاما" في سجون المحتل، يحدثنا الراوي عن مشاعر هذا السجين، عن طموحه وأمله، فهو كان يتوقع أن لا يمضي في السجن أكثر من بضع سنين، لأن واقع دولة الاحتلال في المحيط العربي لا يعطيها اسباب البقاء: "وترى الأحكام حبرا على ورق، فأنى لإسرائيل أن تبقى هذه المدة " فعمليا لم يكن احد يتوقع أن تبقى هذه الدولة الدخيلة كل هذه المدة.

وبعدها يتعرض "راضي" لخبر محزن: " عبد الناصر قد مات " وتكون بداية النهاية للأمل الذي تشكل عند "راضي" فبعدها تكون "حرب التحريك" التي حدثت عام 73: "ها هم يعبرون السويس ويقتحمون الجولان، ويتقدمون في سيناء، يتوقفون ولا تدري لماذا" وبعدها يدخلنا إلى لبنان والمعارك التي خاضها الفلسطيني وللقوى الوطنية اللبنانية فيه " أيسرُّك أن تسمع عن ارض فتح في الجنوب؟ وعجز إسرائيل عن مواجهة كاتيوشا العرقوب؟" ثم نهاية المقاومة الفلسطينية عمليا بعد "بيروت …‍، لم يدمرها الحصار فقط" كل هذا مهم لنتأكد أن الفلسطيني لم يخذل وطنه وبذل وما زال يبذل كل جهد وطاقة لتحقيق العدالة واعطاء الحق لأهله.

لكن الأهم في "زاوية اليقين" المشاعر الإنسانية التي تلازم "راضي" فأثناء كل مرحلة من مراحل التقهقر نجده جسده يضعف وتتضعضع نفسية أكثر، فالراوي يربط بين الحدث الخارجي ـ مراحل النضال الفلسطيني والعربي ـ وواقع "راضي" المعتقل لمدة "خمسة وعشرين عاما"

سبب اعتقال "راضي" كان المشاركة في مقاومة المحتل، إذن " هو مقاوم، ويمتلك معنوية عالية خاصة بعد أن حصل "راضي" على معنوية ويقين بأن النصر قادم لا محال، وأن المحتل ودولته لن تعمر طويلا، فبعد معركة الكرامة كان "راضي بهذه المعنوية: " تخبرك أن عملية عسكرية على مواقع (المخربين) بـ(الكرامة)، وتفهم أن معركة كبيرة يخوضها لواء من الجيش الإسرائيلي في الأغوار، شيء ما يكبر في داخلك، تنتشي وتتسع البهجة في صدرك، وخاصة حينما أُخبرت عن صمود رائع بما لم تخبرك به هذه السماعة اللعينة."

هكذا كانت البداية، معنويات مرتفعة وإرادة صلبة، لا تثنها الاحكام المؤبدة أو العالية: "وترى الأحكام حبرا على ورق، فأنى لإسرائيل أن تبقى هذه المدة، لعل القدر" فالنشوة التي واكبت العمل الفدائي في الأردن خاصة بعد معركة الكرامة وما حققه الفلسطيني من أنجاز عجزت عنه الأنظمة الرسمية العربية كانت أهم عامل معنوي يعطي السجين المعنوية ويغذيه بالأمل.

لكن بعد "موت عبد الناصر" نجد هناك خلل لازم معنوية وارادة "راضي" "اليوم تشعر بالأسى، وترى الزنزانة أكثر ضيقا، والحيطان أكثر لزوجة، صلفة قاسية، تصفعك الوحدة والاغتراب " الأهم في هذا المشهد أن الراوي ركز على الحالة النفسية أكثر من الحالة الجسدية، وكأنه أراد أن يقول أن الجسد يتغذى بالروح، وبدونها يضعف ويموت.

وبعد حرب 73 ومحادثات (السلام) بين مصر ودولة الاحتلال أصاب "راضي" حالة جديد من الضعف والتي تمثلت بهذا الوصف: " والزيارات الأسبوعية صارت شهرية، وأصبحت أكثر ضيقا بالزمن، وبِتَّ تعاني آلام القرحة والمفاصل." من جمالية هذا المشهد أنه ربط "ألم القرحة والمفاصل" بحالة القهر الذي وجده "راضي" من النظام الرسمي المصري، فبعد أن رفع المعنوية وايقن القاسي والداني أن دولة الاحتلال زائلة، نجد (عملية السلام) تؤكد وتوثق وجودها، وأيضا تزيل أهم قوة عربية من أمامها، إلا وهي الجيش المصري.

وبعد ما حدث في "تل الزعتر" نجد أثر الحصار لم يكن فقط على أهل المخيم بل أصاب أيضا "راضي" في سجنه: " جلبت لك الضغط ، وجعلتك كمن يتفجر من الداخل" بهذا الشكل الوثيق بين الحدث الخارجي ونفسية "راضي" كان الراوي يتقن عملية السرد ويعمق الألم الذي يزداد مع مرور الزمن، فالخلل كان أصلا في الخارج ولم يكن من الداخل، لم من "راضي"، لكن الراوي أرادنا أن نصل إلى ذروة الألم من خلال تسلسل الاحداث الخارجية البائسة من جهة، ومن والزمن والمكان الذي يثقل كاهل "راضي" من جهة أخرى.



هناك مشهد يؤكد على هذا الربط وتواطؤ الخارج (النظام الرسمي العربي) والداخل (المحتل) على "راضي": "ورغم طنين أذنيك الذي يسد عليك صوت السماعة اللعينة، فإنك تسمع عن زيارة السادات للقدس"

طبيعة الحياة تفرض على الإنسان التشبث بها رغم ما فيها من ألم، ورغم هول ما يواجه الإنسان تبقى الحياة عزيزة عليه ولا يستطيع أن يتخلى عنها، لهذا لا بد من وجود شيء يقنع به "راضي" نفسه بضرورة التشبث بالحياة وعدم التسليم أو اليأس، فنجده يستحضر الآخرين بهذا المشهد: "تحاول أن تجد بعض العزاء فيما يرويه السجناء الجدد، أن آلامك لا تقل عن ألام غيرك في الخارج ، فهل بدأت الآن تفقد مبرر وجودك؟ وأنك في المكان الخطأ؟ وأنك لم تفعل شيئا ذا قيمة؟ وانك استهلكت نفسك ولم تبلغ الثلاثين بعد؟ وجسمك يذوي بين أربعة حيطان كالمجرمين واللصوص؟" الأهم في هذا المشهد أن الراوي أدخلنا إلى داخل نفسية "راضي" وأسمعنا ما يتحدث به مع نفسه، وكأنه يقربنا أكثر مما يعانيه، ومن حالة (المخاض) التي يمر بها، "فراضي" ليس (سوبرمان) الخارق بل هو إنسان، لهذا هو يتألم ويتحسر ويمر بهذه المشاعر الإنسانية، والتي تمثل حالة طبيعية، لهذا أرادنا الراوي أن نشعر بإنسانية "راضي" وليس (بسوبرمانيته) فهو غير معني بالخوارق والمعجزات.

يكمل لنا الراوي معناة "راضي": "وبيروت …‍، لم يدمرها الحصار فقط، بل قوضت كل ما عشت عليه من مفاهيم وقيم، وتركتك مفرغ النفس والروح، تحمل عملة لا رصيد لها، ولعلها أقسى مرحلة، بل أعتى على النفس من التجويع والتعذيب والتشريد، فالمكتنـز بالمبادئ هو الأقوى والأصلب، وأنت الآن يا راضي نافذ المخزون، فهل ضعفت قدرتك على مقاومة الأمراض والمتاعب والرطوبة ؟ وقدرتك على مقاومة السموم التي تبثها هذه السماعة اللعينة ؟ ها أنت قد أصبحت تبول على نفسك، ويدك اليسرى صارت ترتجف، ورجلاك ما عادتا تحملانك بقوة" هل وصل بطلنا إلى النهاية؟ فقد بدأ في التقهقر والتراجع، ليس على مستوى الحالة النفسية فحسب بل على الحالة لجسدية أيضا، وهو كإنسان تربى على الكرامة والعيش السلم وعلى العطاء وليس الإخذ أو طلب المساعدة من أحد، نجده يزداد الضغط عليه، فبعد أن فقد الأمل بالخارج وبالتحرير، وانعكاس ذلك على جسده، نجده يبدأ في مرحله جديدة، مرحلة أن يكون عاجز وبحاجة إلى الأخذ والمساعد بعد أن كان يعطي ويقدم.

ولكل إلى متى يستطيع هذا الفلسطيني أن يصمد؟ وإلى أين سيصل؟ وما هي مشاريعه بعد أن ينهي ال "خمسة والعشرين عاما" بين جدران السجن والأمراض التي تلازمه وتزداد عليه يوما بعد يوم؟

النهاية السعيدة مهمة لنا، فكما أوجد "راضي" لنفسه اسباب التشبث وبالأمل رغم ازداء الحال، إن كان في الخارج أو داخل المعتقل يقدم لنا "الراوي" هذا النهاية: "تغمرك السعادة، مع سيل القبلات، والسواعد التي لا تأبه لضعف ضلوعك، أما الكلمات الواثقة الجريئة فتعيد الدم إلى عروقك،" والتي أرادنا بها أن نكون كما كان راضي.

القصة منشورة على الفيس وعلى صفحة الكاتب "سعادة أبو عراق"