عن الإمارات سألوني .... فقلتُ (إنهم يصنعون الحياة)

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 25

============

أمضيتُ في دولةِ الإمارات العربية المتحدة ثمانيةَ أشهرٍ من عام 2016. كانت من أقسى الشهور، وكانت من أطيب الشهور وأحنِّها، في آن.
كانت شهورًا قاسيةً قسوةَ البُعد عن الوطن. وأنا سمكةٌ تموتُ إن أُخرِجَتْ من لُجّة النهر الذي فيه جاءتْ إلى العالم، ومنه ترحلُ عنه. زرتُ بلدان العالم شرقًا وغربًا، لا أمكثُ أكثر من أيامٍ، أو أسابيعَ، أعودُ بعدها إلى حضن أمّي مصر مُحمّلةٍ بشوق كثيرٍ وكثير من السؤال. كانت شهورًا قاسيةً قَسوةَ فِراق البيت والأطفال والأصدقاء والأهل وعصافير شُرفتي التي تزورني كلَّ صباح وتحطُّ على أشجاري طلبًا للطعام والماء والحُبِّ والحَّب، وكذلك فراق قططي وكلابي وعالمي وموسيقاي، وشرنقتي الخاصّة التي أجدتُ غزلَ خيوطها حول جسدي كي تحميني من بشاعة العالم حين يقسو على الضعفاء ويحنو على الأقوياء.
وكانت شهورًا طيبةً حانية؛ حُنوَّ أهل الإمارات النبلاء وحدبهم عليَّ وعلى غُربتي. كانت شهورًا طيبةً بأصدقائي المصريين المقيمين بدولة الإمارات الذين احتووا ضعفي ووحدتي وساندوني في كلِّ صغيرة وكبيرة حتى أتممتُ مهمتي وعدتُ إلى أرض الوطن. كانت شهورًا طيبة حين رأيتُ رأيَ العين عبقريةَ وفرادةَ ذلك المجتمع الإماراتي النبيل الذي سمعتُ عنه كثيرًا وزرتُه زيارتٍ خاطفة؛ حتى حانَ الحينُ لأعيش بين أهله قرابةَ العام؛ فألمَسُ بيدي ما كنتُ أقرأه عن بُعدٍ قراءة المُطّلع وأسمع عنه سماعَ الغريب السائح. عاينتُ بنفسي سموَّ تربيةِ الشيخ زايد، طيّب اللهُ ثراه، لأولاده وشعبه، وكيف زرع فيهم حبَّ الآخر، قريبًا كان أو غريبًا، جارًا كان أو وافدًا أجنبيًّا، إنسانًا كان أو كائنًا خلقه الله لكي يُزيّنَ الدنيا، فلا يُهان ولا يُقسَى عليه. تعلّم المواطنُ الإماراتي منذ نشأته الأولى طفلا، كيف يكون رقيقًا نبيلا متحضّرًا مع كل إنسان، مهما كان عِرقُه ومهما كانت عقيدتُه ومهما كان لونُه ومهما كانت طبقتُه الاجتماعية أو الثقافية.
وكان لابد من "كتاب" يُوثِّقُ تلك الرحلة الطيبة. وكان الكتابُ. وكان تشريفٌ طيبٌ للكتاب الذي يصدر خلال أيام عن دار "روافد"، في معرض القاهرة الدولي للكتاب يناير 2018. أما الكتابُ فعنوانه: “إنهم يصنعون الحياة… بناء الإنسان في دولة الإمارات". وهو الكتابُ "الفِضّيّ" من بين كتبي لأنه يحتلُّ رقم 25 من إصداراتي حتى الآن. وهذا مصدرُ فرح لي ويحملُ دلالة في نفسي. وأما التشريفُ الطيب، فكان التصديرُ القيّّمُ الذي كتبه قلمٌ مثقفٌ وازن. كتب التصديرَ سموُّ الشيخ "عبد الله بن زايد آل نهيان"، وزير الخارجية في دولة الإمارات، ووزير الثقافة والإعلام الأسبق. وتلك إضافةٌ ثرية للكتاب؛ لأن ذلك الرجلَ أحدُ دُعاة التنوير والتسامح في العالم العربي؛ وله تاريخٌ مشهود في مكافحة التطرّف والإرهاب الذي يجتاحُ العالم.
قال في تصديره عن الكتاب:
“في كتابها الجميل، تحدّثت فاطمة ناعوت عن التسامح في دولة الإمارات، وقالت إن السبب وراء ذلك كلمتان سحريتان: التعليم، وتطبيق القانون. وأقول لها إنه لا يوجد خيارٌ آخرُ للبشرية سوى التسامح. فغيابُه يعني الدمار الشامل. ويكفي أن ينظر أحدُنا حوله ليرى كيف انهارتْ دولٌ، وشُرِّدَت شعوبٌ، وأُبيدت جماعاتٌ وحضاراتٌ؛ فقط لغياب التسامح. فعندما يعتقدُ شخصٌ ما بأنه هو وحدَه من سيدخل الجنّة، وهو وحده من يحظى برحمة الله، وهو فقط من يستحقُ الحياة، فإنه يتحوّل إلى وحشٍ بائس، يقتاتُ على مآسي الآخرين؛ فيقتلُ الأطفالَ، ويُفجِّر دورَ العبادة، ويدعسُ بظلاميته على كلِّ ما هو إنسانيّ. لقد كان نهجُ الشيخ زايد، منذ بداية تأسيس الدولة، احترام الآخر أيَّا كان عِرقُه أو دينه؛ ففتحتِ الإماراتُ أبوابَها للعالم أجمع، وتحوّلت إلى قِبلة للحياة الكريمة.”
ثم ختم كلمتَه الجميلة بقوله: “أودُّ أن أتقدّم للأستاذة فاطمة ناعوت بالشكر لانشغالها بتجربة الإمارات الحضارية، التي على الرغم من حداثة سِنِّها، إلا أنها قدّمت نموذجًا عربيًّا وعالميًّا يتماهى مع روح القرن الحادي والعشرين. وإنني أرجو أن تُلهِم تجربتُنا دولًا شقيقةً وصديقة، لن نتوانى عن العمل معها للنهوض بشعوب الأمة العربية، وبناء مستقبل جميل لنا، وللأجيال القادمة.”
ها هو الرجل النبيل يتعّهد بمدِّ يد العون لكل دولة شقيقة تنتوي النهوضَ واللحاق بركب الدول التي قطعت شوطًا مرموقًا في دروب التحضّر والتنوير والسلام والعدل.
وهنا تُطلُّ مصرُ برأسها وتقول: “أنا أحاول النهوض من كبوتي، وأحاول التعافي من عثرتي.” فكان أن قدّمتُ لها خارطةَ الطريق في هذا الكتاب. دعوتُ أمّي أن تحذو حذوَ الشيخ زايد وأبنائه وآله من صُنّاع القرار في تلك الدولة الطيبة التي أسميّها: "كوكب الإمارات".
كان إهداءُ كتابي إلى أمّي مصر. يقول:
إهداء:

"إلى مصرَ ...

أحلُمُ أن أراكِ يومًا

كما يليقُ بكِ أنْ تكوني.

إليكِ يا مصرُ خارطةُ الطريق، في هذا الكتاب الصغير، عن دولةٍ شيّدتْ مجدَها بالحبِّ. فانهضي يا حبيتي من كَبوتِك … واستعيدي بالحبِّ مجدَكِ المهدور.”

فاطمة ناعوت

وفي مقالات قادمة، سأضعُ مقتطفاتٍ من هذا الكتاب الذي أعتزُّ به وأفخر من بين كتبي ونزيف قلمي … ورحيقه.


#فاطمة_ناعوت
#مصرر