-البدلةُ الزرقاءُ وسامٌ- … قالتِ الجميلةُ

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 25

اللهُ رحيمٌ. اللهُ عادلٌ. هذا لأنه "الله". بوسعه تعالى جلَّ شأنُه، أن يكون رحيمًا وعادلاً في آن واحد. أما نحن، بنو الإنسان ذوو القدرات المحدودة، فليس بوسعنا أن نكون رحماءَ وعادلين، في أمر واحد، وفي نفس اللحظة. بل إننا غيرُ قادرين حتى على تصوّر كيف تتّحد الرحمةُ مع العدل في أمرٍ واحد. الرحمةُ تنتقِصُ من العدل. والعدلُ ينقُضُ الرحمة. خذ هذا المثال: امرأةٌ سرقت رغيفَ خبزٍ لكي تُطعِمَ صغارَها الجوعى. هنا، على القاضي أن يكون إما عادلا فقط، أو رحيمًا فقط. إن حكمَ بالعدل، عاقبَ المرأةَ لأنها "سارقة”. وإن حكمَ بالرحمة، عفا عنها لأنها "أمّ”. لا احتمالَ ثالثٌ. ويُسمِي الفلاسفةُ هذا الاحتمالَ الثالث المستحيل: “الثالثَ المرفوع". لأنه مرفوعٌ من قائمة الاحتمالات، أو غيرُ موجود. المُتَهمُ إما "مُذنبٌ" وإما "بريء"، لا ثالثَ هناك. وهنا تظهرُ إشكاليةٌ عصيةٌ على الحلّ. إن كان القاضي رحيمًا وأطلق سراحَ سارقة الرغيف، عُيِّرَ المجتمعُ لأن قُضاتِه يُبرّئون اللصوص! وإن كان القاضي عادلاً وسجنها، عُيِّرَ المجتمعُ أيضًا لأن قُضاته يسجنون الأمهاتِ الفقيراتِ، ويُعرّضون أطفالَهن للتشرّد والموت جوعًا. تلك مأساةُ القُضاة. أما بالنسبة للمرأة فالأمرُ جَدٌّ مختلف. فإن أُطلِقَ سراحُها، فإنها "رحمةُ" الله قد تجلّت. وإن سُجنت فذلك "كرمُ" الله قد منحها شرفَ السجن لإطعامِها طفل جائع. هنا يكونُ السِّجنُ شرفًا، لأن التهمةُ، نبيلةٌ. أما المجرمُ الحقيقيُّ في القضية السابقة، فهو ذلك "البليدُ" “التافهُ" الذي قدّم بلاغًا في امرأة أخذت رغيفًا سوف يقتاتُ منه صغارٌ.
ذاك المجرمُ البليدُ موجودٌ بصورٍ شتّى في عصور شتى ومجتمعات شتى. لكنه لا يجد أرضًا خصبة لمراهقته وتفاهته إلا في تربةٍ رجعية مترهّلة تسبح في الظلام خارج الزمن. ذاك البليدُ هو الذي صلَبَ الحلاجَ وقطع رأس السهروردي وحرق كتب ابن رشد وطارد أبو بكر الرازي والكندي وجاليليو وفولتير وابن عربي وطه حسين ونصر حامد أبو زيد، وقتل فرج فودة، وسرق من عمري أنا ثلاثَ سنوات، وسجن إسلام بحيري وسجن الشيخ محمد عبد الله نصر، وهو يتنمَّرُ الآن للدكتور يوسف زيدان.
هذا التافهُ البليدُ الذي يطاردنا بالقضايا يأكلُ كلَّ يومٍ طنًّا من الشطائر والثريد والشحوم، ويترهلُ على أرائك الكسل، ولم يُضبَط مُتلبّسًا بقراءة كتاب، ولم يُرَ غاضبًا لرؤية طفلٍ عار يرتعش بردًا أو طفلةٍ حافية تُمزّقُ الحصواتُ لحمَها وينهشُ الجوع بطنَها. لم يُسجِّلِ التاريخُ أنه رفع دعوى قضائية واحدة ضد مُتحرّشٍٍ بالنساء أو مُفجّرِ مسجد أو كنيسة أو مغتصِبِ طفلة، لكنه يُشاهَد حاملا تحت إبطيه دفترًا عامرًا بقضايا تافهة ضد مثقفين ومفكرين وأدباء ورهبان وشيوخ ينادون بالسلام والحب بين الناس.
لهذا لم أندهش حين هاتفتُ السيدةَ الجميلة، والدة الشيخ محمد عبد الله نصر، يومَ خروجه من السجن على ذمّة قضايا مازالت قيد الحكم، لأبارك لها فقالت لي بفخر: "بدلة السجن الزرقا اللي لبسها ابني، وسام شرف على صدري، بالظبط زي بدلة والده العسكرية اللي حارب بها العدوّ في 73".
يا عزيزي الشيخ، إن حكم القضاةُ ببراءتك، فتلك "رحمةُ" الله، وطوبى للقُضاة ولك. وإن أدانوكَ وسجنوكَ، فذلك "كرمُ" الله وشرفٌ لك.
ويطيبُ لي أن أهديكَ مقطعًا من قصيدة "سجن"، التي كتبتُها وأنا على عتبات السجن الذي كان الُله رحيما بألا أدخله، مثلما كان كريمًا بدخولك فيه.
“أيها السجّانون الغِلاظُ / وفِّروا زنازينَ العتمة / لسافكيْ الدمِ وقاتليْ الأحلامْ / وخلّوا عني كلبشاتِ الفولاذِ التي أولى بها لصوصُ العقولِ وسارقو الأوطانْ/ …. / لو كانوا يعلمون / لوفَّروا أطنانَ الحديدِ / وشكائرَ الأسمنتْ / من أجلِ الفقراءِ / يبنون لهم منازلَ وأكواخًا / تحمي أجسادَ العرايا / من ويلاتِ الصقيع / لا تُشْهِروا أمامَ وجهي سيوفَكم / فلا حاجةَ لي بها لأُنحَر / أنا تقتلُني كلمةٌ تخرجُ من فمٍ عبوسْ/ لا يحِبُّ النغَم.”
عزيزي الشيخ محمد عبد الله نصر، أهلا بك ضيفَ الشرف في صالوني الشهري السبت القادم 27 يناير، بمكتبة مصر الجديدة، بإذن الله.