فيثاغوراس، بين الدين والفلسفة

سعود سالم
2018 / 1 / 25

كانت الظروف السياسية في أيونيا شديدة الإضطراب بين منتصف القرن السادس ونهاية القرن الخامس، حيث كانت كل المدن الأيونية تحت إحتلال الإمبراطورية الفارسية منذ سنة ٥٤٦ وقد تحالفت كل هذه المدن - ما عدا مدينة Ephés وتمردت على سلطة الإحتلال وقامت بثورة عارمة في حوالي سنة ٤٩٨. وقد منوا بهزيمة شنيعة وانتقم منهم داريوس Δαρεῖος الذي حكم من من ٥٢١ إلى ٤٨٦، ودمر مدينة Milet تدميرا كاملا. وبذلك توقفت المدرسة الأيونية وهاجر كل المثقفين والمفكرين ودارسي العلم والفلسفة إلى المستعمرات الأخرى لليونان الكبرى، وبالذات سيشيليا Cicile في إيطاليا، مثل فيتاغوراس وكزينوفان وغيرهم من الأيونيين الذين واصلوا نشاطهم الفكري بعيدا عن موطنهم الأصلي .. وفي هذه الأجواء نشأت المدرسة الفيثاغورية كإستمرار للأورفية وإمتداد لهذا التيار الروحي.
المدرسة الفيثاغورية هي أولا مدرسة دينية وجماعة صوفية وحركة سياسية، وتعتبر في نفس الوقت تيارا فلسفيا، وإن كان من الصعب تمييز أفكارهم الفلسفية من مذهبهم الديني أو أتجاههم السياسي. غير أن أهدافهم كانت واضحة، نشر الفكر الديني والأخلاقي الذي يبشر به فيثاغوراس والوصول إلى الإستيلاء على السلطة السياسية وتولي الحكم في المدن اليونانية المختلفة لإصلاح المجتمع. والحركة تنقسم زمنيا إلى مرحلتين، الأولى من بداية تأسيس الحركة وإفتتاح المدرسة في مدينة كروتون سنة ٥٣٠ ق.م والتي استمرت حتى موت إفلاطون سنة ٣٥٠ ق.م. أما المرحلة الثانية والمسماة بالفيتاغورية الجديدة من بداية القرن الأول بعد الميلاد، في روما أولا ثم الإسكندرية فيما بعد.
فيتاغوراس Πυθαγόρας / Pythagóras المولود في جزيرة ساموس Samos في حدود سنة ٥٨٠ والمتوفي سنة ٤٩٥ وعمره ٨٥ عاما. وكان منذ صغره مغرما بالرياضة وألعاب القوى وشارك في السابعة عشرة من عمره في الألعاب الأولمبية في أثينا وذلك في لعبة تشبه الملاكمة تسمى pugilat - πὐξ - púx. ويذهب إلى جزيرة Lesbos في الثامنة عشرة من عمره ليدرس الفلسفة على يد الفيلسوف Phérécyde de Syros ٥٨٥ - ٤٩٩، الفيلسوف الذي قال لأول مرة بأن الروح الإنسانية تتمتع بالخلود. والحكايات متعددة حول رحلاته للدراسة في مصر وهناك تعلم طقوس ديانة أوزيريس والتقط فكرة التناسخ وبعث الأرواح بعد الموت، وحسب ما يقوله بلوتارك، فإن الكهنة ألصقوا على فخذه القرص المجنح لآتوم - رع Atoum Râ المرسوم بأوراق ذهبية. ويقال بأنه طرد من مصر كسجين أو كعبد من قبل الملك الفارسي الذي جاء لإحتلال مصر وأرسله إلى بابل. وسافر أيضا إلى سوريا وبابل وبلاد الفرس، بل وهناك من يقول بأنه تلقى دروسا من زرادشت النبي الفارسي نفسه Zarathoustra - Ζωροάστρης. وبعد هذه الرحلات الطويلة يعود إلى موطنه ساموس ويبدأ في التدريس دون أن يحقق نجاحا، ويقرر أن يترك ساموس ويذهب إلى اليونان الكبرى. هناك من يقول بأنه هرب وهناك من يقول بأنه طرد ونفي من قبل دكتاتور ساموس في ذلك الوقت Polycrate ويقر به الترحال في كروتون في سنة ٥٣٥، حيث يؤسس مدرسته الدينية والفلسفية، وكانت مثل هذه الجمعيات والطوائف الدينية مثل، الأورفية، منتشرة في المدن اليونانية في هذه الفترة. وقد تمكن في فترة قصيرة من تكوين سمعة واسعة وأصبح ذات تأثير كبير في إدارة المدينة، ويقال بأنه حوالي ثلاث مئة من أتباعه كانوا يديرون المدينة، وفي دروسه يمكن أن يصل عدد الحاضرين إلى أكثر من ستة مئة مستمع. سياسيا كان ضد الديموقراطية ويساند النظام الأوليغارشي النخبوي وكان يقول بأنه من الجنون الأخذ في الإعتبار ما يقوله العامة من الناس. كانوا يمارسون طقوسا سرية خاصة هدفها التطهير purification ويمنع على الذين لم يتطهروا الوصول الى أسرار الجماعة والإطلاع عليها. وكانت الحركة مفتوحة لكل من يريد الإنضمام إليها من الرجال والنساء والأجانب، مما جعل تعاليم الطريقة تتجاوز مدينة كروتون التي نشأت فيها، وأنشأت مدارس أو ما يمكن تسميته بالزوايا hétairie ‪‬ ἑταιρεία ‪‬ confrérie مشابهة في العشرات من المدن الأخرى في إيطاليا واليونان. في حوالي سنة ٥١٠ ق.م قامت ثورة شعبية في مدينة Sybaris بقيادة أحد الخطباء الديموقراطيين Télys نتج عن ذلك هروب حوالي خمس مئة من الأرستقراطيين الذين لجئوا إلى كروتون طلبا للحماية من قبل الفيثاغوريين. ثم أسس الأرستقراطيون بطلب من فيثاغوراس جيشا كبيرا بقيادة ميلون الكروتوني هاجموا به مدينة سيباريس حيث انتصروا عليها وارتكبوا مجازرا رهيبة في حق المواطنين. وبعد حوالي ستين سنة من هذه الحرب، حدثث ثورة أخرى ضد الفيثاغريين في حوالي سنة ٤٥٠ بقيادة أحد نبلاء كروتون Cylon de Crotone وكان حاكم على سيباريس وأراد أن ينتقم من فيثاغوراس الذي لم يقبله في مدرسته واعتبره غير مؤهل لتقبل علمه. وحرض الجماهير ضد هذه الأرستقراطية وأشعلوا النار في بيت Milon de Crotone حيث يجتمع أكثر من أربعين فيتاغوريا واحترقوا جميعا ما عدا ثلاثة منهم، وهناك من يقول - منهم ديوجينيس اللائرسي - بأن فيثاغوراس مات في هذا الحريق، ولكن يبدو أنه مات قبل هذه الحرب بوقت طويل سنة ٤٩٥.