الحداثة والسلطة والتراث عند العرب

حكمت الحاج
2018 / 1 / 25

الكلام على الحداثة وعلاقتها بالتراث، كلام أثير على قلوب المثقّفين العرب. لذلك ليس غريبا أن يُعدُّ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قرين أرسطو. فإنّه في أمّة العرب مثل المعلم الأول عند الإغريق. ما من فكرة إلاّ وتعود إليه، وما من علم إلاّ وعنده منه نصيب. ولم يكن القاضي الفاضل، ذلك الكاتب المرموق، مغالياً حين وصف الجاحظ بالمعلم الأول للعرب. ويزعم د. محي الدين اللاذقاني، وهو من المتبنين لهذا النوع من الكلام، إنّ تراث العربية الأساسي في النثر الفني يقوم عمليا على إثنين هما الجاحظ وأبو حيان التوحيدي. أمّا ما تبقّى فكماليات تسدّ بعض النقصان وإكسوارات تزيّن حيطان المكان على حد قول الباحث.
ويعلّق اللاذقاني قائلا أنّ عقلية الجاحظ الجبارة وحبّه للطرافة والإثارة صنعا منه حزبا مميزا في الكتابة العربية ثمّ جاء دور ذكائه وقدرته على الإقناع ليجعلا من كتاباته أدبا جذّابا
ومحبوبا وقادرا على التأثير من خلال العمل على موجتين واحدة تخاطب العقول وثانية تستميل القلوب. وبهذا الأسلوب البديع وتلك الثقافة العميقة التي زانتها روح شفافة طريفة صار الجاحظ سيد كتّاب العرب والأب الحقيقي للحداثة العربية. فالحداثة حسب ما يرى اللاذقاني ليست مرتبطة بالتاريخ وعلاقتها بالآداب والفنون لم تبدأ في العصر الحديث لأنّها كانت موجودة دائما كنضارة أسلوبية وتصويرية وكروح تسري في النصوص واللوحات منذ أناشيد الرعاة
ورسومهم في العصر الحجري والحقب البرونزية.
ورغم قلّة الدراسات عن التصوّف السياسي فقد استطاع د. محي الدين اللاذقاني في المدخل الثاني من كتابه "آباء الحداثة العربية" الصادر عن الهئية المصرية العامة للكتاب أن يخلص أبا المغيث الحسين بن منصور البغدادي الشهير بالحلاج، من زمرة المتصوفة ليضعه في مكانه الطبيعي بين المتمرّدين والإنقلابيين وقادة الثورات عبر التاريخ. وبما أنّ الحلاّج المتصوّف قد نال كفايته من البحث والدرس فلربّما يكون الأوان قد حان لإعادة الإعتبار إلى الحلاج السياسي صاحب النظريات الجريئة التي أوشكت أن تغيّر عصرها لو لم ينتصر سلاطين الإستبداد بأموالهم وبجهلهم على سلطان الملامتين ورهطه من نبلاء الإصلاح والمعرفة. لقد أثبت الباحث كيف ستر الحلاج ميوله القرمطية بثياب التصوّف حيث ترجح كل الأدلة انتسابه إلى إحدى الجمعيات السرية التي كانت تعج بها بغداد في ذلك العصر كما تشير كافة الدلائل والنصوص إلى أنّه قد سجن بتهمة القرمطة واشتهر في بغداد على أنّه أحد دعاتهم. ثمّ واصل إدارة وتحريك بعض تلك الجمعيات السرية من داخل سجنه في قصر الخلافة وبرعاية من أم الخليفة المقتدر. ومن المتّفق عليه منذ لويس ماسينيون إنّ الحلاج كان المحرّك الأساس لانقلاب إبن المعتزّ قبل سجنه وقد دفع حياته لاحقا ثمنا لصراع مدمّر بين بعض تلك الحركات السرية. ويرسم المؤلف بلغة أخاذة منحنى شخصيا للحلاج يختزل مسيرته في ثلاثة مراحل أساسية أوّلها مرحلة السياسي المتمرّد صاحب الفكر الإنقلابي الذي كان لا يقرّ له قرار ولا يعرف جنبه الإستقرار وهي مرحلة تمتدّ من خوزستان إلى الأهواز والبصرة وتنتهي مع حضوره متنكّرا إلى بغداد. أمّا المرحلة الثانية فهي التي كان فيها مستشارا للقائد العسكري الحسين بن حمدان وقريبا من النخبة الفكرية البغدادية وهي مرحلة المفكّر الإصلاحي صاحب التجربة السياسية الناضجة التي حاول تطبيقها في انقلاب إبن المعتزّ السلمي. وتعقبها ثالثة مرحلة السجن وهي تلك المرحلة التي أتيح له فيها أن يلعب في قصر الخلافة في بغداد دورا لا يقلّ خطورة عن الدور الذي لعبه راسبوتين في بلاط القياصرة وذلك من خلال التأثير الطاغي الذي مارسه الحلاج على الأرملة القوية أم المقتدر التي أفشلت بنفوذها وأموالها التي كانت أكثر من أموال الخليفة انقلاب إبن المعتزّ دون أن تدري بضلوع الحلاج فيه لأنها لم تقابل أبا المغيث إلاّ حين تمّ سجنه في دار الخلافة وصار الخدم يتناقلون عنه بعض الكرامات التي دفعتها للإستعانة به في شفاء إبنها، فلمّا جعلت الصدف مريضها يشفى تحوّلت إلى محامية شرسة عن الحلاج ولم يتم الإيقاع بالحلاج إلاّ بعد أن خفّ تأثير أمّ المقتدر نتيجة لاجتماع القواد ورجالات البلاط ومطالبتهم بإبعاد نساء القصر وقهرمانات أم الخليفة عن ممارسة أي دور سياسي. وفي لفتة نقدية ذكية إلى واقع الدراسات والأبحاث التي تخصّ تراثنا العربسلامي يقول اللاذقاني بأنّ كل الأدلة كانت متوفّرة أمام ماسينيون لإثبات قرمطية الحلاج وانتمائه إلى إحدى الحركات السرية في ذلك الوقت، لكنّه شاء أن يراه صوفيا فحسب ليجعل منه شهيدا مسيحياً لاعتقاده بالتأثيرات المسيحية على التصوّف الإسلامي. ولم يقم من ينقض هذا الكلام من المثقفين العرب بعد ماسينيون وذلك لوهمٍ إستقرّ في الأذهان بصعوبة نقض ما يقوله المستشرقون، بل لقد خيّم استلاب كامل على الجيل المؤسّس للحداثة العربية المعاصرة حيث أحال معظم الظواهر الفنية الجديدة العربية إلى مرجعيات غربية. ويحاول المؤلف الذي لا تنقصه الجرأة هنا، الحديث عن الظلم الذي لحق ليس فقط بالحلاج أو غيره من الشخصيات الإنعطافية في تاريخنا بل وأيضا ذلك الذي لحق بالفكر العربي عموما وبفكر الحداثة على وجه الخصوص. فلقد أهمل الباحثون العرب المعاصرون الآفاق السوريالية الرحبة التي فتحها الشعراء العرب بمن فيهم الحلاج ليعيدوا الفتوحات السوريالية بمجملها إلى شعراء غربيين. فلقد تنكروا لسجع الكهان ومواقف النفري ومخاطباته وطواسين الحلاج ومناجياته واضعين لقصيدة النثر العربية الجديدة مرجعيات فرنسية وانكليزية معاصرة وكأنّه لم يكن لها أية مشاتل وجذور في تراثنا الفتي الخصب. وكما يستشهد المؤلف بأمثلة من كتاب الطواسين للحلاج يراها مناسبة للكلام على الأثر الذي تتضارب فيه الآراء حد التناقض بين من يعتقد أنّه مصنوع ورتيب وملتو وغير مفهوم، وبين من ينظر إليه نظرة فيها بعض القدسية معتقدا بوصول التعبير فيه إلى أقصى درجات الكمال. ولكن اللاذقاني بحصافة المفكّر الموضوعي وروحية الشاعر المعاصر يرفض أية مبالغة بشأن الطواسين سلبا كانت أو إيجابا إنّما هو في إطار عصره وشرطه التاريخي أحد الأشكال الجديدة في التعبير عن الزخم الروحي. ومأثرة الطواسين أنّه فتح في تاريخ الثقافة العربسلامية درب التصرّف في التعبير النثري بكافة أشكاله دون الخوف من تهمة تقليد الآيات وكان ذلك الدرب قد أغلق بقوة السلاح في أعقاب ظهور الأنبياء الدجالين مثل مُسيلمة الكذاب وسُجاح.
وللحديث عن أبي حيان التوحيدي، ذلك المثقف العضوي في عصره وفيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة كما أسماه معاصروه، يرصد الباحث ومن خلال تجربة التوحيدي الموزعة بين التمرّد والإستسلام تلك العلاقة الملتبسة والمشحونة بالتوتّر بين منطق السلطة الإستبدادية وهواجس المثقفين الحالمين.
لم تتغيّر علاقة المثقّف بالسلطة كثيرا منذ عصر التوحيدي ولا تبدّلت شروطها التي استقرت نسبيا وأصبحت معروفة منذ القرن الثاني الهجري إلاّ في الحدود الدنيا التي يفرضها اختلاف شكل مؤسّسات السلطة أكثر ممّا تؤثّر فيها طموحات المثقّفين وأحلامهم. وقد كان المثقّف الذي لا تستخدمه الدواوين بمثابة طائش يلهو وعقل لا يؤبه له، ولا يعمل على تقديمه أحد لأنّ استخدام السلطان لأحد الكتّاب كان ينظر إليه على أنّه الدليل على ارتفاع الذكر
والنباهة والتقدّم في الحرفة أيضا. وهكذا صار الإستغناء عن العمل مع السلطان مستحيلا
وفي الوقت الذي حلّت فيه المؤسّسة الفقهية عقدتها واعتبرت التردّد اليومي على أبواب السلاطين منقصة وطورت شكلا ذكيا من أشكال التعامل المثمر غير المباشر مع السلاطين لم يستطع الكتّاب الوصول إلى تلك النتائج بالرغم من تبجّحهم القديم والمحدث بأنّ الملك لا يكتمل إلاّ بهم والسياسة لا غنى لها عنهم. فأمور السلطان كما كان يقول شيوخ المهنة إذا استوت بالكتابة صارت سياسية. والحقيقة أنّ الملوك كان لهم رأي آخر. فهم لم ينظروا دائما إلى الكتّاب بتلك الأهمية وكانوا يعاملونهم كالخدم ويسومونهم سوء العذاب مهما علت مراتبهم. وكان أبو حيان يعلم في قرارة نفسه أنّ الكرامة والحرية لا تجتمعان غالبا في ظل الحاجة وأنّ السلطة في زمانه كالسلطة في معظم الأزمنة لا ترى في المثقف غير تابع مفيد عليه تنفيذ الأوامر وعليه ألاّ يطمح لأكثر من دور الناصح والمشارك بالرأي فقط حين يخفّ التوتّر في تلك العلاقة القائمة على الإحتقار والمغلّفة بألوان شديدة التعقيد من الكراهية الدفينة.
وترجح الأدلة انتساب أبي حيان إلى إحدى الجمعيات السرية التي كانت تعجّ بها بغداد في ذلك العصر وتجعله رغم تنصّله من ذلك على سبيل التقية عضوا مشاركا في كتابة رسائل إخوان الصفا التي حاول أصحابها تغيير المجتمع بالعلم والثقافة والفكر والفلسفة بعد أن فشلت معظم حركات التمرّد الثوري والتغيير بالعنف منذ ثورة الزنج بالبصرة إلى ثورات القرامطة في الشام واليمن والعراق. ومن بين جميع الأدباء ومؤرخي الأدب يعود الفضل إلى أبي حيان التوحيدي في الكشف عن أسماء المفكرين والفلاسفة الذين وضعوا رسائل إخوان الصفا وذلك في مصنفه الشهير (الإمتاع والمؤانسة). وكان إخوان الصفا الذين يجالسهم التوحيدي ويتّهم بالمشاركة في كتابة بعض رسائلهم، يقودون التيار الفكري المتحرّر الذي حمل عبء التأسيس لثقافة راقية تنتشر في أوساط العامة من خلال تبسيط المسائل المعقّدة والإكثار من المحاورات والمناظرات التي تغني الحياة العقلية. وما رسائل إخوان الصفا إلاّ إحدى الأدلة العديدة على وجود تيار قوي من المفكرين والكتاب الذين شغلتهم هواجس الحرية والتجديد ولم يكن التزلّف إلى السلطة والإرتزاق بالمديح والعمل بالدواوين من وسائلهم وأساليبهم.
إنّ حكاية التوحيدي مع السلطة قصّة في غاية التعقيد. ولعلّ خير وصف ينطبق عليها هو وصف أحد المعلّقين على كتاب ( الإمتاع والمؤانسة) حيث كتب يقول أنّ مؤلفه بدأ الكتاب صوفيا وتوسّطه محدّثا مسامرا وأنهاه سائلا ملحفا، وتلك صفات تنطبق على مسيرة أبي حيان التوحيدي في علاقته مع سلطات زمانه. فقد بدأ طوباويا متمرّدا يريد تغيير العالم ووقف الجور وإشاعة العدل والحرية، ثمّ مال إلى التوفيقية والوسطية وصار يوازن بين مصالحه
وأقواله إلى أن وصل المرحلة التي تصاعدت فيها الخيبات واكتمل الإستسلام فسأل وألحف وتسوّل جهارا وباع الدين والمروءة وتزلّف ونافق وعاد دون نتيجة مقابل ذلك الإستسلام للسلطة ومنطقها الذي لا يقبل الرفض ولا يحبّ التعامل مع كلمة (لا) وقائليها، ولا للحوار مع المطالبين بالتغيير.
ولنا مع بعض التجاوزات أن نعتبر التوحيدي من نوعية المثقفين العضويين بالمفهوم الغرامشي أي بمعنى التفاعل مع قضايا الناس والإنخراط في طبقة تحمل مشروعا سياسيا ورؤية فكرية تحاول تطبيقها بوسائل شتى. ودائما يطمح الغرامشيون إلى تشكيل نخبة حاكمة يصعدون بصعودها ويطبقون أفكارهم من خلالها. بهذه الرؤية النافذة إلى مفهوم الحداثة يطرح اللاذقاني مقارناته بين الماضي والحاضر. لقد كان المشروع الإصلاحي للتوحيدي يتشابه مع بعض التعديل في ترتيب الأولويات في نقاط عديدة مع مشروع عصر النهضة ومفكريه وطروحاته. فلا غرابة والحالة هذه أن تجد إعادة الإعتبار لهذا المفكّر والمثقّف الكبير تبدأ في عصر التنوير العربي وأن ترى نصوصه الهامة النور على يد أحمد فارس الشدياق أولا ثمّ يكتمل نشرها وتنقيحها وتحقيقها والعناية بها على يد الجيل الذي أتى مباشرة بعد جيل التنوير وحافظ مثله على علاقة يشوبها الإرتياب وعدم الوضوح ما بين المثقّف والسلطة.