خمارة دليلة والزئبق -9-

علي دريوسي
2018 / 1 / 25

كان قد مضى أكثر من أسبوعٍ على مشاهدتي لفلم "جُماع عبر النافذة" عندما انتقلنا إلى ورشةٍ ثالثة في حي أقل رُقْي من حي البرجيات. ذات نهار يوم خميس كنا ما زلنا على سطح البناية في غرفة المصعد حين توقفنا عن العمل لاستراحةٍ قصيرةٍ، رحنا ندخن فيها ونتحدّث ونراقب الأبنية المجاورة وسكانها.
قال وفيق وهو ينظر باتجاه البحر: من لم يزر اللاذقية ومشى في شوارعها، لا يعرف الكثير عن العالم. شيئان في الحياة يستحقّان الحرب والتضحية من أجلهما، مدينة بحرية رائعة واِمرأة شبقة. ثم أضاف: أشعر أحياناً أنَّ الله قد خلقني حيوان خمَّارات ومصاعد، ما أجمل عطلة نهاية الأسبوعِ بعدَ عَمَلٍ مُضْنٍ، لقد اشتقت إلى خمَّارة دليلة والأصدقاء هناك، اشتقت للعم هاشم خضرة وجملته المعهودة بعد أول كأس: "الحياة حلوة لو كنا نفهمها، علينا أن نفرح بها لا أن نعقّدها".
هنا ضحكت ملءَ شِدْقيّ وسألته على سبيل المِزاح والتسلية: منذ متى صار خالي هاشم عمك؟ هل أنت إبن خالي دون أن أعلم؟
قهقه وفيق وأجابني: والله لم أكن أعرف أنَّ العم هاشم هو خالك، لكن الآن توضّحت لدي الصورة أكثر، إذ طالما سألت نفسي ما الذي يدفع أبوك إلى أن يقف في صف هاشم في كل مرة نحاول فيها مداعبة هاشم بالكلام. ولماذا يلقبونه باسم خضرة؟
رَدَدْتُ عليه: عندنا في الضيعة كما في كل ضيعة لكل إنسان لقبه، وإذا لم يكن مُلقَّباً نخترع له اِسماً يلائم صفة من صفاته بالذم أو المدح. لدينا كل ما قد يخطر أو لا يخطر على بالك من أسماء. بعضها غريب عجيب لا معنى له وبعضها مرتبط بموقفٍ معينٍ حدث في الماضي كما الحال مع اسم الخال، لو أن شخص ما من كل قرية يهتم بإنشاء ملفٍ يحفظ الألقاب الاِجتماعية من الضياع والضلال ويشرحها لصار لدينا في المستقبل قاموس سوري مدهش بحكاياته.

قال وفيق: لقد أثرت فضولي أكثر، هيا أخبرني من أين أتى الاِسم خضرة؟
*****
ورحت أحكي له ما أعرفه عن لقب خالي:
"كان أبو هاشم في الخامسة والستين من عمره حين تمكّن من شراء راديو صغير، ربطه ذات يوم صيفيّ على مقود بسكليته الغليظ، وساق إلى المدينة ليلحق بعمله، الذي لا يمكن له الاستغناء عن ساعة عمل منه لصعوبة الحال، وهو في الطريق فاحت رائحة زوادته التي اعتادت زوجته الصبورة خضرة على تحضيرها له وتنوعيها قدر الإمكان، هزّ رأسه بحبٍ حين شمّ رائحة زهرة الفل التي حشرتها خضرة في جيب قميصه بعد أن قطفتها من الجُنَيْنَة الصغيرة أمام بيتهم المؤلّف من غرفة كبيرة ومطبخ وحمّام وباحة دار، الجُنَيْنَة التي زرعتها خضرة بالفل والياسمين والنعناع رغم مساحتها الضيقة التي لا تتجاوز الأمتار الثمانية المربعة، في الجُنَيْنَة ذاتها اعتادا على تناول لقمة الفطور وشرب كأس الشاي واستقبال خيوط الشمس الأولى.
في الطريق أدار أبو هاشم الراديو على إذاعة دمشق المحببّة، ليأتيه صوت جبليّ جميل يغني: (خضرة يا بلادي خضرة رزقك فوار) حينئذٍ قطب أبو هاشم حاجبيه غضباً وغيرة على زوجته، (أوّل ما الشــمــس بتوعى علينا بتطل)، عندئذٍ فرمل بسكليته، وما أن سمع (بجناينها المزروعة ياســـــمين وفل) حتى جُنَّ جنونه في تلك اللحظة، أمسك الراديو، فكّه وضربه بأرض الشارع وقال: اِذهب إلى جهنم الحمراء، إلى هنا وكفى.
ثم قفل عائداً إلى بيته، فتح الباب بعنفٍ، صرخ بأعلى صوته: وك يا خضرة، والله لأقصف عمرك. من المطبخ صرخت به: ليش رجعت يا أبو هاشم؟ نسيت الزوادة؟ دخل إلى المطبخ وأمسك بمنديلها ودفعها باتجاه الحائط وهو يزعق: قولي لي بسرعة، أين تعرّف عليك وديع كي يغنيلك بالإذاعة ويتغزّل فيك وبجنَيْنَتك؟ وانهال عليها ضرباً بكفه الغليظة كجسر بسكليته، بينما كانت تئن خضرة تحت وقع ضرباته وتغمغم: والله العظيم يا أبو هاشم لا أعرف ولم أعرف غيرك في الدنيا كلها."
وهكذا يا معلم وفيق ما أن سمع الجيران الحكاية حتى صار اِسم جارهم: أبو هاشم خضرة ومن بعده توارث أولاده اِسم الكنية خضرة.
ضحك وفيق وقال: والله قصة حلوة، الآن جاء من يعرفك يا هاشم خضرة.
*****
ضحكت بدوري وقلت: وأنت ما هي حكايتك يا معلم وفيق؟ يلقِّبك الناس في غيابك بالأعرج وهذا أمر عادي، فالجميع صار يعرف بأنَّك تَغْمِز برِجلِك بعد أنْ سقطت في مراهقتك في بئر المصعد وأُصيبَتْ قدمك بعَطَبٍ. لكنهم غالباً ما يسمونك "ربع البالة"، كما يفعل أبي أيضاً، فمن أين جاء هذا اللَّقَب؟
يتبع