ثنائية الحب والجنون (رزاق وعالم مخبول) ح12

عباس علي العلي
2018 / 1 / 24

ما زال أبو غانم يبذل الجهد لأقناع شيوخ عشيرة محمد وأن هناك تقدم قد يأذن بنهاية القضية قريبا حسب قوله مما زاد في أمل الشيخ في الأنتهاء من هذا الأزعاج الذي سبب له الكثير من الأذى، لم يبقى عن موعد الأنتخابات إلا أقل من أسبوعين ولا بد من نهاية عاجلة وقريبة، أخبره أبو غانم سوف يحدد خلال هذين اليومين موعد لجلسة الفصل والتنازل، بعد ذلك تحديد الدية مبدئيا وعليه أن يتهيأ لدفع المبلغ لهم، وافق الشيخ عناد على الأمر ووكل الرجل أن يمنحهم ما يريدون، فقط أنه بحاجة لغلق القضية بأي صورة كانت.
جبار وأخوته لم يهدأ نشاطهم في المدينة وفي أماكن أخرى قريبة للترويج للشيخ ونشر الدعاية والتحدث مع كل من يعرفونه، كما لم تخلو دارهم من الناس الذين كانوا يأملون من وراء مساندتهم عناد تحقيق بعض المكاسب الشخصية، فهناك الكثير من الملفات تراكمت لديهم منها طلبات توظيف وأخرى تخص قضايا معلقة ونزاعات قضائية ومشكاكل على أراض ومنازعات زراعية أو عن قضايا مختلفة، أشياء وأشياء كلها تتعلق بفوز عناد وصعوده المنتظر للبرلمان.
الكثير كان لا يثق بما يجري وكل وعود عناد وكلامه المعسل بالأمل والأحلام الوردية، ولكنهم يطمعون بالتغيير الذي حصل لعله يكون صادقا معهم هذه المرة وقد تغير على ما يبدو وكبر سنا وعلما، سيما وأن جبار وأخوته تعهدوا لهم شخصيا أن كل هذه الملفات ستكون متحققة بالتأكيد، فقط لو وقف الجميع وقفة رجل واحد لنصرته وأنقاذ مدينتهم من الإهمال وقلة الخدمات، ويذكرونهم دوما بأفضليته على غيره وأنه مرشح المرجعية ولم ينافسه أحد من المدينة، إنه أملنا أن نكون أفضل ونؤدي واجبا شرعيا تجاه رب العالمين.
في اليوم التالي أتصل أبو غانم بالشيخ وقد أخبره أن الدية وحسب ما متعارف عليه بين العشائر ستكون بحدود مبلغ خمسة وعشرون مليون دينار، تفاجأ الشيخ عناد بالمبلغ وطلب أن يتدخل بقوة لتخفيضه، فالمبلغ باهض جدا وقد لا يكون متوفرا معه بعد ما أنفق الكثير من مصاريف للدعاية وما أنفقه على الشرطه أيضا، ولن يذكره بما أعطه من هدايا وشراء السيارة، وعده الرجل أن يعمل المستحيل وأن سيضغط بقوة للتقليل منه، أنتهت المكالمة والشيخ يحاول أن يستوعب الرقم وكيفية تدبير المبلغ، لاسيما وأن أمامه الكثير من النفقات المقبلة حتى موعد الأنتخابات.
فكر في أول أجراء ممكن أن يلبي حاجته وإن كان أحتمالا هو أن يبيع بيت البصرة الذي حصل عليه أيام إدارته لمكتبها، لكن الوقت غير كافي وقد ينجح أو لا ينجح بذلك، لكن ما من خيار أخر وليس هناك من إمكانية في تدبير أي مبلغ الأن وفيهذا الظرف العصيب، قد يخسر شيئا لكن طريق التعويض مفتوح أمامه بعد مدة قليلة، هذا التدبير لا يعد خسارة في الموزون العقلي أبدا، لذا قررأن يضحي به ويعرضه سريعا للبيع.
هنا حضرت صباح كوسيط صالح للمهمة وطلب منها أن تذهب فورا إلى البصرة لتبيع البيت الذي سبق أن وعدها أن ينقل ملكيته لها، رفضت في بادئ الأمر وذكرها أن فوزه يعني أن تبيع البيت وسيكون هناك الأفضل منه، أو ستجد نفسها في حال أخر لو لم تساعده على ذلك، رضخت للأمر أخيرا وقررت أن تصطحب معها السائق والسيارة وأن تذهب فجرا إلى البصره لتفعل ما يمكن فعله، وفعلا حصلت على مشتري سريع وإن كان الثمن غير مناسب تماما لقيمة البيت، وافق الشيخ على العرض وأستلمت العربون وعادت بعد يوم واحد وقد وقعت عقد البيت مع المشتري.
أتصل بأبي غانم ليستوضح منه عن أخر التطورات في القضية فأخبره أن الجماعة (قافلين) على مبلغ العشرين مليون دينار وأن لا مجال أكثر من ذلك، وافق على مضض وطلب منه الحضور فورا لأستلام المبلغ على أن ينهي التنازل باليوم التالي، لم يكن أمامه إلا الرضوخ أو البقاء في دائرة الخوف والقلق وخسارة الأنتخابات وربما دخول السجن، أبو غانم ذهب إلى دار أبو محمد وأقسم له أن الشيخ أدى اليمين المطلوبة كما هي وبحضور عدة أشخاص مستعد لأحضارهم للشهادة، أكتفى الرجل بما سمع وسلم أمره إلى الله وأتفق معه على الذهاب صباحا لتقديم التنازل عن الشكوى ورفع الشك والأشتباه عن شيخ عناد.
مباشرة من دار أبو محمد ذهب الوسيط إلى النجف ليستلم المبلغ ويعود سريعا به، فقد تم الأتفاق وسيكون غدا المدعي بالحق الشخصي أمام المحكمة للتنازل وأغلاق الدعوى، وأوعده أنه سيأت بالتنازل وقرار غلق القضية غدا إن أمكنه ذلك، شعر الشيخ لأول مره أنه أزاح أخر عقبة أمامه للوصول إلى قبة البرلمان قريبا، وما عليه إلا أن ينتظر أبو غانم وقرار غلق القضية نهائيا ليعود للمدينة ويصلح أمره مع عشيرته ومواصلة الحملة الأنتخابية، فالأيام لم تعد إلا على عدد أصابع اليدين ولا بد من أكمال المشروع.
حضر الرجل أمام قاضي التحقيق في المدينة وطلب رفع الشك والأشتباه ضد الشيخ عناد وغلق القضية نهائيا، دونت أقواله وقرر القاضي أن ظروف القضية وتنازل والد المجني عليه عن الشكوى وللجواز القانوني قرر حفظ التحقيق وغلق الدعوى وألغاء كافة القرارات السابقة الصادرة من المحكمة، أثناء خروجهم من المحكمة جلس أبو غانم وأبو محمد في المقهى بأنتظار وصول الأوراق التحقيقية لمركز الشرطة، ليتمكن من أستنساخ القرار وأستلامه كما هو متفق مع الضابط، أخرج الرجل مليونين وخمسمائة ألف دينار من جيبه وسلمها لأبي محمد براءة ذمة من الشيخ، وخمسمائة ألف دينار أخرى زعم أنها منه أكرامية لأنه قدر وساطته وتدخله بالموضوع.
مباشرة من مركز الشرطة إلى دار الشيخ أبو شعلان شيخ عشيرة عناد ليخبره أن لا عذر لهم الآن مع الشيخ عناد، وأن القضية أغلقت ولا بد أن يقفوا معه الآن وهو في الوقت الحرج، لم يكن الشيخ أبو شعلان لديه أي سبب يمنعه من أستقبال الشيخ عناد وأجراء المصالحة كما أراد الرجل، وأشترط أن يأت الشيخ عناد للمضيف هنا ويتم الصلح والعودة للعشيرة دون أي شرط، حمل أبو غانم كلام أبو شعلان وذهب مباشرة إلى النجف ليسلم القرار ويعلمه بموقف أبو شعلان والعشيرة منه، وأنه بإمكانه الحضور للمدينة أمنا مطمئنا ويلتق بالمساء ومعه أهله وأقرباءه.
الآن تحرر الشيخ عناد ولو بثمن غال جدا من كل تأريخه السابق، وأصبح بإمكانه أن ينام قرير العين وحلم المقعد النيابي قريبا منه، هكذا رجع إلى داره وطلب من تقية أن تتهيأ للسفر معه للمدينة فلم يعد هناك مشاغل في النجف، وأنه متفرغ تماما ليقود حملته الأنتخابية بنفسه من هناك، كانت تقية هي الأخرى على نار لتعود إلى أهلها وتتبختر أمام نساء المدينة وعلى قريباتها ومعارفها بأن زوجها سيكون عضوا في البرلمان، وستكون هي السيدة المطاعة التي لا يرد لها طلب لا مع الشيخ ولا مع الحكومة، أتصلت بأخيها جبار وأعلمته أن الشيخ سيحضر غدا ولا بد من عمل وليمة للحاضرين ودعوة وجهاء المنطقة للألتقاء بالشيخ.
بعد أنتهاء الوليمة وخروج أكثر الناس بعد السلام والكلام مع سماحة الشيخ، أصطحب أبو غانم عناد لوحده في سيارة الشيخ وذهبا لمضيف أبو شعلان وكان هناك كل أقرباء عناد وأولاد عمومته، أنزل من السيارة خروفين وبعض المواد الغذائية ليكون عشاء اليوم صلحا بين عناد وأهله وعلى نفقته، رفض الشيخ شعلان وحاول أرجاع ما تم أحضاره، لكن أبو عناد هددهم بأنه سيزعل منهم وأنه يعتبر عناد وعشيرته هم أهله، وهكذا تم المراد وتصالح الرجلان والجميع بعد ذلك ليقوم الشيخ أبو شعلان أمام الحاضرين بأنه جندي من جنود المرجعية الدينية، وطالما أنها أختارت سماحة الشيخ عناد فالواجب الأوجب أن تقف العشيرة كلها معه وتسانده لأخر لحظة.
أمتدت الجلسة إلى وقت متأخر في مضيف أبو شعلان وتشعب الحديث فيها إلى شؤون السياسة والدين وعن مستقبله الذي ينتظره وما سيجر ذلك من الخير على العشيرة، طلب أبو شعلان في ختام الجلسة أن ينقل مكتب الدعاية وأمرها من جبار له ولأولاد عمومته لأنهم الأحق والأولى بذلك، كان الأمر محرجا له ولكنه وافق على فتح مكتب أخر هنا، وأن يكون مختصا فقط بشيوخ العشائر والوجهاء وكبار القوم، وترك مكتب جبار لعامة الناس، كان حلا موفقا للجميع، خاصة وأن شيخ مثل أبو شعلان لا يمكنه أن يتحمل عبء من هب ودب، وأتفقوا على طريقة العمل وكيفية كسب بقية رؤساء العشائر وشيوخها، وأقفل عائدا إلى بيت صهره على أن ينتقل غدا للسكن في بيت أهله القديم بعد تأهيله على وجه السرعة.
قضى الشيخ ثلاثة أيام في مدينته وهو على أتم الأستعداد للحلم وكل الناس ترحب به وتقدم له فروض الطاعة والتأييد، كيف ولا وهو مرشح المرجعية ومعتمد السيد وأبن المدينة البار بأهلها، أبو غانم لم يترك شخصية محلية إلا ورافق عناد للذهاب إليها والحديث وطلب التزكية والولاء، كما أن جبار وأخوته كانوا على درجة من الحماس وكأنهم هم من سيصبحوا أعضاء في البرلمان، أبناء عمومته وأقرباءه من جهة أخرة شدوا من وتيرة اللقاءات والدعم والتأييد له، لم يبقى جدار في المدينة إلا وعليه صورة شيخ عناد واللا فتات التي تدعو لأنتخابه نصرة للدين والمذهب.
هكذا وبجهود الجميع أصبح عناد الحلاق سابقا وسماحة الشيخ حاليا حديث الناس بين مؤيد بقوة له وبين متساهل في الموضوع نظرا لتأريخه، وبين مشهر به وناقم عليه من بقية أنصار الأحزاب والكتل السياسية الأخرى، تحولت المدينة إلى حلقات من الجدال وتصل أحيانا للخصومة والعراك، فيما كان الشيخ يترقب الأيام الثلاثة الباقية لتعلن ساعة الصفر، في مساء مزعج جاءه أتصال من مكتب النجف للحضور فورا في أمر هام، وأن يترك كل شيء ويعود حالا بأسرع ما يمكن، فزع من هذا الأتصال الذي حاول جاهدا أن يعرف ما وراءه، لكنه لم يفلح في الحصول على أجابة إلا بعد عودته السريعة.
ترك تقية وأبنه وأستقل السيارة للذهاب إلى النجف وفي باله الكثير من الأحتمالات أو التصورات عن أمر الأستدعاء الفوري، كان يتوقع أن أحدا ما قد أوشى به أمام السيد، أو أن هناك من شكاه بقضية أخرى قد لا يعلم تفاصيلها، مرت القرابة ساعتين ليجد نفسه وجها لوجه أمام مدير مكتب النجف الذي يبدو أنه كان غاضبا منه أيضا، لم يتعود أن يعامله بهذا الجفاء والذي أفلح دائما في كسب تعاطفه مه ومساندته المستمرة له، كان القلق باديا على الشيخ عناد مع هذه المقابلة الجافة وسأله عن ما جرى، فسلمه كتاب من مفوضية الأنتخابات تؤكد أستبعاده من الترشح كون شهادته الدراسية التي قدمها مزورة.
السماء بكل ما فيها من عظمة وكبر وضخامة سقطت فجأة على رأس الشيخ عناد، والذي ظل يدافع عن كونه خريج أعدادية وأن هذه محاولة من بعض خصومه للتأثير عليه، وأنه سيثبت عكس ذلك، لم يتوقع أبدا أن يتمكن أحد من متابعة قضية الشهادة وأن يلوح بها ضده في الوقت الذي لم يبقى فيه إلا ساعات معدودة للنزول إلى حلبة السباق، أستأذن بالخروج وأخبر المدير أنه سيراجع المفوظية غدا لتصحيح الأمر وأعادة الحال إلى ما كان عليه، أخبره الشيخ مدير المكتب أن السيد يأمره بعدم العودة للمكتب أو مباشرة الحضور مرة أخرى إلا بعد أثبات موقفه أمام الجهات المختصة وبراءته من التزوير.
تحطمت كل أماله مرة واحدة وذهب كل ما كسبه في الفترة السابقة هباءا منثورا، ولم يعد أمامه إلا لرضوخ للأمر الواقع فهو يعرف أن إمكانية لتغيير الواقع أو أصلاح ما فسد، فلا تنفع مع حالته الجديدة أي محاولة علاج ولم يتمكن من أصلاح الحال بأي طريقة، لذا أتصل على الجميع هناك في المدينة أن ينهوا كل عملهم وأن يغلقوا المكاتب ويرفعوا الصور واللافتات أمتثالا لأمر المرجعية، التي أمرته بالتنازل لمصلحة مؤمن أخر يتمتع بثقتها أيضا ولتوحيد الجهود من أجل الفوز في المحافظة وبشكل مضمون.