رؤى مختلفة ومتصارعة إزاء حق الشعب الكردي في تقرير مصيره (2 - 4) كوارث الرؤى والسياسات الشوفينية والإسلامية السياسية إزاء القضية الكردية

كاظم حبيب
2018 / 1 / 24

خلال العقود المنصرمة من القرن العشرين حتى العام 2003م مارست الرؤية الأولى (القومية الشوفينية) كل أساليب وأدوات القهر والزجر والقوة والعنف والحرب والتدمير الاقتصادي والتخريب العمراني والحصار اللاإنساني التي كانت متوفرة في أيدي النظام السياسي الفاشي، كما استعان بالغير أيضاً لكسر شوكة الشعب الكردي وفرض الحل الشوفيني عليه، كما مارس كل أساليب وأدوات الحقد والكراهية العنصرية في حملات الإبادة الجماعية بتنظيم مذابح الأنفال واستخدام الأسلحة الكيميائية لهذا الغرض، وكذلك التعريب والتطهير العرقي، ولكنها لم تفلح في الوصول إلى ما كان يبتغيه، قهر إرادة ومقاومة الشعب الكردي، كما إن القوى التي تمارس الأساليب والأدوات ذاتها لن تفلح الآن وفي المستقبل أيضاً.
فحكومات العهد الملكي جربت ومارست سياسات تميزت بالشوفينية ورفضت منح الشعب الكردي حقه في ممارسة حقوقه القومية المشروعة والعادلة وشنت الحملات العسكرية ضده وخربت قراه وطاردت سكانه وفرضت الدمار والخراب عليه في فترات مختلفة، كما أعدمت أربعة من الضباط الكردي في العام 1946، ولكنها لم تستطع لوي عنق هذا الشعب وفرض حلولها عليه، إذ واصل النضال في سبيل تلك الحقوق وكان أحد الأسباب المباشرة لأضعاف الملكية ونخرها من الداخل وإسقاطها أخيراً في العام 1958، إضافة إلى الأسباب الأخرى، وخاصة غياب الديمقراطية وكبت الحريات العامة وغياب العدالة الاجتماعية واعتقال وتعذيب السياسيين، ومنهم الكرد أيضاً، وسجنهم سنوات كثيرة وإعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، والخضوع التام لإرادة المستعمر البريطاني. وقد أشار السياسي الكبير الفقيد الأستاذ عزيز شريف وهو يعرض المسألة الكردية بقوله: "ظاهرتان للمسألة الكردية في العراق:- الظاهرة الأولى تمثل الوجه السلبي للمسألة الكردية أي أثر السياسة الاستعمارية الرجعية التي قضت باستعباد الشعب الكردي وتمزيق أوصاله وإبقائه في مستوى من العيش البهيمي. أما الظاهرة الثانية للمسألة الكردية في العراق فإنها تمثل الوجه الإيجابي لهذه المسألة وهو كفاح الشعب الكردي في سبيل حرياته وفي سبيل تقرير مصيره." وكان يؤكد أيضاً: " لا يجوز للعرب , وليس في صالح قضيته أن يكون سوط العذاب بيد الجلادين المستعمرين يلهبون به جلود الأقوام المضطهدة ويقطعونها على ظهورها." (راجع: عزيزي شريف، المسألة الكردية في العراق، ط 4، مطبعة مكتب الإعلام المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني، 2004، ص 29). إلا إن الحكومات العراقية المتعاقبة كانت أدا بيد المستعمر البريطاني لا ضد الشعب الكردي فحسب، بل وضد الشعب العراقي بأسره.
ثم جاءت الجمهورية الأولى التي ثبتت المادة الثالثة من دستورها المؤقت على ما يلي:
"المادة (3) يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية". إلا أن هذا الدستور قد أكد أيضاً على ما يلي في مادته الثانية:
"المادة (2) العراق جزء من الأمة العربية". والتي تتعارض مع رؤية الكرد والواقع، إذ أن إقليم كردستان العراق لا يشكل جزءاً من الوطن العربي أو الأمة العربية، بل إن العرب والقسم العربي من العراق يشكلان جزءاً من الأرض العربية والأمة العربية، في حين أن الكرد هم جزءٌ من الأمة الكرية وأرضهم تعتبر جزءاً من أرض كردستان المجزأة والموزعة على أربع دول.
وحين طرح موضوع الوحدة أو الاتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة، اقترح الكرد أن يكون لكردستان العراق وضعاً خاصاً ضمن هذه الوحدة إن تحققت، أن يتمتع إقليم كردستان بحكم ذاتي داخل الدولة العربية الموحدة أو المتحدة، وأن يثبت ذلك في الدستور. ومن هنا بدأ الخلاف بين القيادة الكردستانية والقوى القومية التي بدأت تهاجم مقترح الكرد من منطلق قومي يميني شوفيني، ثم احتدم الصراع الفكري والسياسي وانتقل إلى الحكومة العراقية، ولاسيما تبلور في موقف عبد الكريم قاسم. فبدأت المشكلات تتفاقم بين الطرفين وحصلت مناوشات بالسلاح ضد الجماعات الكردية المناوئة للحركة الكردية المسلحة والمرتبطة مع الحكومة العراقية، مما دفع الحكومة إلى ممارسة القوة المسلحة والطيران في مهاجمة مواقع ملا مصطفى البارزاني بمنطقة بارزان، مما أدى إلى إعلان القيادة الكردية ثورة أيلول/سبتمبر 1961.
رفض الحزب الشيوعي العراقي هذه الحرب ورفع شعار "الديمقراطية للعراق والسلام لكردستان" الذي وجد التأييد من جانب القوى الديمقراطية والتقدمية العراقية. واتخذ الحكم موقفاً مناهضاً لهذا الشعار واعتقل المزيد من الشيوعيين والديمقراطيين وصدرت أحكاماً قاسية بالسجن بحق المعتقلين. لم يستمع الطرفان إلى صوت العقل، إذ تحولت الحرب إلى عامل مهم وحاسم من عوامل تشكيل تحالف سياسي مناهض لحكومة عبد الكريم قاسم وإسقاطه في انقلاب شباط 1963، حيث مارس الانقلابيون الأساليب الفاشية الدموية في قتل المعارضين والمقاومين لهذا الانقلاب. لقد حظي الانقلابيون بتأييد ودعم ومساندة واسعة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وكل الدول المجاورة، ولاسيما دول حلف بغداد (السنتو) وشركات النفط الاحتكارية.
لم يستمر تحالف القوى المتعارضة طويلاً، إذ سرعان ما بدأ البعثيون والقوميون حربهم ضد الشعب الكردي. وفي حينها صرح صالح مهدي عماش، وكان وزيراً للدفاع، بأن الحرب ضد الكرد ليست سوى "نزهة ربيعية"، وكانت وبالاً على الجميع. وعمد البعثيون إلى الاستعانة بمصر وسوريا، ولكن مصر رفضت تقديم العون في الحرب ضد الكرد في حين وافقت سوريا البعثية على ذلك، كما أيدت تركيا وإيران بشكل غير مباشر تلك الحرب ضد الكرد. وفشلت القوات العراقية والسورية عن تحقيق أي نصر بل تعرضت لهزائم منكرة. وكانت القوات التي تصدت للعدوان مكونة "من القوات الكردية من البيشمركة بقيادة الملا مصطفى البارزاني وحسو ميرخان وتشكيلات الأنصار الشيوعيين في بهدينان ومجموعة هرمز ملك جكو من المناضلين الاشوريين.. بالإضافة الى العديد من الضباط الشيوعيين الذين فروا من الجيش العراقي بعد الانقلاب وفشل انتفاضة معسكر حركة فايدة 1963. " (راجع: صباح كنجي، حملة فهد الشاعر ..، الحوار المتمدن، العدد 5765، بتاريخ 22/01/2018).
وفي التاسع من سبتمبر/أيلول 1963 اتخذ الاتحاد السوفييتي موقفاً صارماً ضد العدوان العسكري على الشعب الكردي "إذ قدم وزير الخارجية السوفيتي أندريه غروميكو مذكرة استنكار شديدة اللهجة إلى كل من سفراء العراق وإيران وتركيا وسوريا، للقمع الدموي ضد الأكراد في العراق والتدخل في منطقة كردستان العراق". (المصدر السابق نفسه).
ما أن حل خريف عام 1963 حتى اشتدت الخلافات بين البعثيين والقوميين. واستطاع القوميون الناصريون اليمينيون تنظيم انقلاب عسكري جديد ضد البعثيين وتسلموا حكم بالبلاد. ورغم إن القوى القومية حاولت التخفيف من إرهابها المشترك مع البعثيين ضد الشعب وقواه الديمقراطية، إلا إنها لم تتعلم من تجارب سابقاتها إزاء المسالة الكردية، إذ شُنت الحرب مرة أخرى ضد الشعب الكردي، والتي قادت إلى المزيد من الدماء والدموع والخراب والخسائر الاقتصادية. وحين أصبح الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيساً للوزراء قبل وفاة عبد السلام عارف وفي فترة حكم أخيه عبد الرحمن عارف 1965-1966، وكان قومياً معتدلاً ومتزناً، حاول معالجة المسألة الكردية بالطرق السلمية وطرح مشروع الإدارة المركزية، الذي لم يكن يلبي طموحات الكرد بالحكم الذاتي.
وأخيراً قاد البعثيون اليمينيون المتطرفون أتباع ميشيل عفلق انقلاباً عسكرياً جديداً بالتعاون مع قيادة القوة العسكرية لحماية القصر الجمهوري ومع قيادة الاستخبارات العسكرية، إذ أطاحوا برئيس الجمهورية عبد الرحمن محمد عارف ورئيس الوزراء طاهر يحيى في 17 تموز/يوليو 1968.
ومنذ ذلك الحين حتى يومنا هذا يعيش الشعب العراقي مآسي متلاحقة وكوارث لا نهاية لها، ولاسيما الشعب الكردي وبقية القوميات بالإقليم. وحين عجز النظام الجديد عن مواصلة الحرب ضد الشعب الكردي في العام 1969/1970، قرر الدخول في تفاوض واعترف بوجود الشعب الكردي أولاً، وأقرَّ ببعض حقوقه في العام 1970 على وفق بيان آذار ثانياً. ولكن لم تتم الفرحة بهذا المكسب طويلاً، إذ سرعان ما بدأت قيادة البعث ومجلس قيادة الثورة بالعمل المكثف لنسف اتفاقية أذار والتآمر على القيادة الكردية ومحاولة جادة لاغتيال الملا مصطفى البارزاني، القائد الشعبي للكرد وقوات البيشمركة، وسعت إلى سلب الحكم الذاتي من محتواه لأساسي. وقادت هذه السياسة إلى المزيد من التوتر ومن ثم الحرب والخراب والدمار.
وأثناء ذلك تسنى للنظام البعثي، وبدعم مباشر من إيران والولايات المتحدة، على توجيه ضربة قاسية جداُ للحركة الكردية المسلحة في العام 1975، بعد أن تمكن من عقد اتفاقية الجزائر التي تآمرت فيها ثلاث دول هي الولايات المتحدة وإيران والعراق، وحصلت على دعم من إسرائيل وبريطانيا ودول الجوار الأخرى. وكانت هذه واحدة من أكثر التجارب المريرة لحركة التحرر الوطنية للشعب الكردي في تعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تحدث عنها قادة الكرد فيما بعد بقولهم، علينا أن نتعلم من دروسنا في التحالفات الدولية، ولاسيما مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل. والسؤال الآتي المهم يطرح نفسه بقوة: هل تعلم قادة الحركة التحررية الكردية حقاً من هذا الدرس؟
بعدها خاض النظام السياسي الفاشي الحروب الداخلية والخارجية ليبرهن على قوته وقدراته العسكرية مستجيباً لأطماعه التوسعية في المنطقة. وساعد الكثير من الدول المنتجة للسلاح على تسليحه بأسلحة دفاعية وهجومية متطورة وحققت ارباحاً طائلة على حساب دماء وحياة الشعب العراقي. فكانت الكوارث والمصائب تتوالى والموت يحصد مئات الآلاف من العراقيات والعراقيين، والخراب يأتي على المدن ونيران المدافع والصواريخ تلتهم رؤوس الناس والنخيل الشامخة، وتزداد مديونية العراق الخارجية ويتدهور الاقتصاد الوطني إلى الحضيض ويسقط الشعب العراقي ضحية الفاشية والحرب والحصار الاقتصادي.
ومع قرب نهاية الحرب العراقية الإيرانية نظم الحكام الفاشيون ونفذوا حملات ومجازر الأنفال واستخدموا الأسلحة الكيمائية ضد الشعب الكردي وبقية سكان كردستان وقوات البيشمركة في الفترة الواقعة بين شباط/فبراير وأغسطس/آب من عام 1988. وكانت العواقب كارثية ومريرة، حيث حصد الموت أرواح عشرات الآلاف من الناس الأبرياء، كما أن حياة عشرات الألوف الأخرى من الكرد لا يعرف مصيرهم حتى الآن، رغم العثور على الكثير من القبور الجماعية التي دفن فيها ضحايا الإبادة الجماعية للسكان. لقد كانت أبشع مجزرة عنصرية ترتكب بحق شعب كردستان العراق في القرن العشرين. وهي التي نفذت بدناءة وخسة باسم العروبة والقومية وحماية الوحدة العراقية والعربية! ولم تنقطع سلسلة الاعتداءات على الشعب الكردي بل تواصلت في أعقاب انتفاضته وانتفاضة الشعب العراقي كله في ربيع عام 1991 في أعقاب الانكسار العسكري وهروب القتال المسلحة من الكويت والمحرقة التي تعرضوا لها في الصحراء الواقعة بين الكويت والبصرة. لقد اجًبر أكثر من مليون إنسان كردي ومسيحي وعشرات ألوف العرب وغيرهم إلى الهروب وترك العراق والاحتماء بتركيا وإيران والسعودية. وكانت الحصيلة مأساوية.
في العام 2003 أسقط حماة النظام العراقي الفاشي من الدول الأجنبية، ومن ساعد على قيامه في عامي 1963 و1968، دكتاتورية البعث وصدام حسين، لا حباً في سواد عيون الشعب العراقي المقهور، ولا دفاعاً عن حقوق الإنسان وحقوق القوميات المغتصبة، ولا توطيداً للأمن والسلام بالعراق والمنطقة، بل دفاعاً عن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية الاستعمارية بصيغة جديدة، وحاصة نفط العراق وموقعه الاستراتيجي وقربه من إيران والخليج، ولاسيما لدى البنتاغون أكبر ترسانة للسلاح المتطور في الشرق الأوسط بدولة قطر، وقربه من روسيا الاتحادية أيضاً، إضافة إلى مصالح الحليف الاستراتيجي الثابت للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، دولة إسرائيل، الدولة المحتلة للضفة الغربية، في دولة فلسطين المرتقبة، والجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية. ولكن هذا النظام الذي أُسقطَ على أيدي القوات الأجنبية، أقام المحتل الأمريكي والبريطاني على أنقاضه نظاماً سياسياً طائفياً مناهضاً لحقوق الإنسان وحقوق أتباع الديانات الأخرى وحقوق القوميات ومتعارضاً مع مصالح الشعب العراقي ومستقبل أجياله واقتصاده. وهنا اعتبر قادة الكردُ الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، والبعض منهم إيران، حلفاء مهمين لهم اعتمدوا عليهم في سياساتهم الداخلية والخارجية، ولم يستفيدوا من دروس الماضي ووضعوا، كما يقول المثل الشعبي، كل بيضاتهم في سِلال هذه الدول التي لها مطامع صارخة بإقليم كردستان وعموم العراق. وكانت العاقبة وخيمة!
ورغم إن القوى الإسلامية السياسية الطائفية التي تسلمت الحكم بالبلاد بتأييد من الولايات المتحدة وإيران، قد تحالفت مع القوى والأحزاب الكردستانية قبل إسقاط الدكتاتورية وشاركت في الحكم الطائفي المحاصصي بعد إسقاط دكتاتورية البعث، بدعوى مظلومية الكرد والشيعة، واعترفت تكتيكياً بحقوق الشعب الكردي في الحكم الذاتي أو الفيدرالية، ولكنها لم تعترف بأي حال بـ "حق الشعب الكردي في تقرير مصيره بنفسه" ورفضت ادخال هذا الحق في الدستور العراقي الجديد الذي أقر في العام 2005.
خضع المتحالفون الكرد لهذه الإرادة غير الديمقراطية بتوصية من الولايات المتحدة. ولم يكف أصدقاء الشعب الكردي عن التنبيه إلى الحليف السياسي الشيعي الطائفي من جهة، وإلى الحليف الأمريكي بمصالحه التي تصطدم بمصال الشعب العراقي كله من جهة ثانية. ولم يتم الإصغاء لذلك!
لقد تمتع الكرد في الحكم الجديد بالفيدرالية التي أعلنت حتى قبل ذاك، أي في العام 1991/1992، وثُبِتَ هذا الحق لأول مرة في الدستور العراقي الجديد. ولكن لم توضع القوانين الضرورية المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم الفيدرالية، باعتبار الإقليم جزءاً من الدولة العراقية وينظمها الدستور، بدعوى عدم وجود توافق. وبالتالي تصرف الطرفان كل على حسب هواه ورغباته واجتهاداته دون أي اعتبار للدستور ولا حتى البدء بوضع القوانين المنظمة للعلاقات السياسية والإدارية والاقتصادية، بما فيها النفطية، والخارجية، مما تسبب في صراع دائم بين الحكومتين، مع اعتمادهما على المساومة المخلة بين الطرفين لمصالح ذاتية، كما حصل في العام 2010 بطهران، دون اعتبار لمصالح الشعبين وبقية القوميات، مما أدى إلى المزيد من المشكلات، بسبب الحكم الفردي الذي ساد في الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، إضافة إلى سيادة الفساد المالي والإداري في الحكومتين وعموم البلاد، وكذلك الإرهاب على صعيد العراق العربي، ومن ثم اجتياح الموصل وبقية مدن وأرياف محافظة نينوى.
وخلال هذه الفترة تصرفت القيادات الكردستانية، وهي في الحكم، التي تعرض شعبها قبل ذاك للكثير من التمييز والتهميش والإقصاء، والكثير من الحروب والموت والخراب على أيدي الحكومات العراقية المتعاقبة، بطريقة نمَّت عن وضع نفسي معقد ناتج عن تلك التركة الثقيلة من السياسات الاستبدادية والمخلة بروح المواطنة المتساوية، والشعور بأن التعامل مع الشعب الكردي لم يكن سوياً واعتباره شعباً من الدرجة الثانية. ونتيجة لذلك برز الكثير من الاعتداد بالرأي والتعالي على الآخر ورفض الاستماع لرأي الآخرين من أصدقاء الشعب الكردي، الذين نبهوا بأن هذا الأسلوب يمكن أن يقود إلى عواقب غير سليمة. وقد أدى هذا النوع من السلوك إلى ردة فعل حادة لدى العرب عموماً في مناطق الوسط والجنوب وبغداد والموصل، وكذلك بين صفوف القوى اليسارية والديمقراطية العراقية. وإذا كان البعث وصدام حسين قد بذلا المستحيل لتشويه سمعة الكرد وفشلا في الغالب الأعم كثيراً، فأن الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية نجحت القوى الإسلامية السياسية الطائفية والشوفينية من جهة، وسلوك وسياسات القادة الكرد وأحزابهم السياسية من جهة أخرى، في الوصول إلى ما فشل في الوصول إليه حزب البعث وصدام حسين. لقد تغير الموقف التضامني مع الكرد إلى نوع من الرفض محمولاً بشيء من الكراهية ومقترناً بالجهل العام أولاً، وبتأثير قوى الإسلام السياسي ثانياً. مما ساعد على توفير أجواء مناسبة غير صحية، لعمل رئيس الوزراء السابق أساساً، ومن ثم الحالي، في التصرف غير الحكيم والبعيد عن روح المواطنة والمسؤولية إزاء الشعب الكردي في أعقاب الاستفتاء.
وقد برز بوضوح كبير إن القوى الإسلامية السياسية دون استثناء لا تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولا تعترف بالقوميات ما دامت هناك قوميتها هي المهيمنة على الحكم. وقد تجلى ذلك بشكل صارخ في سياسات رئيس الوزراء السابق المستبد بأمره، الذي يتهمه المجتمع صراحة بإفساد الدولة العراقية بكل سلطاتها، وبالطائفية الجامحة والمتطرفة والشوفينية النتنة. كما تميز الحكم بكردستان بضيق الأفق القومي وبممارسة سياسات فردية غير حكيمة، قادت بدورها إلى تعقيد العلاقة بين الطرفين.
لقد امتلك الحكم بالإقليم عملياً صيغة هي أقرب إلى الكونفدرالية منها إلى الفيدرالية قبل إجراء الاستفتاء. وعلى الباحث ألّا يحمل ما حصل في العلاقة بين الحكومتين إلى عقدة الاستفتاء، إذ أن القوى الإسلامية السياسية كانت تنتظر فرصة من هذا النوع لإنزال ضربتها بالقوى الكردستانية وتقليص المكاسب التي تحققت للكرد، وقد أُبلغ القادة الكرد بهذا الاحتمال دون أن تتولد قناعة لديهم بما يمكن أن يحصل! وكان في هذا سذاجة وقلة خبرة وقلة حكمة.
قادت سياسة المالكي لا إلى تخريب العلاقة مع الكرد والإساءة للمجتمع وإدارة الحكم بالبلاد والخضوع التام للإرادة الإيرانية وولاية الفقيه الإيراني، علي خامنئي، فحسب، بل ومارس سياسة عدوانية شديدة ضد السكان من أتباع المذهب السني، وأفسد الجيش والإدارة الحكومية والقضاء أيضا، مما أدى إلى اجتياح داعش للموصل ومن ثم نينوى وقبل ذاك تحقيق الهيمنة الفعلية لـ "داعش" على الأنبار وصلاح الدين والكثير من مناطق ديالى. وكانت الكارثة المريعة التي حلت بالشعب العراقي كله، ولكن ما حصل، لبنات وأبناء الوطن من الإيزيديين والمسيحيين والشبك وتركمان تلعفر كان بمثابة إبادة جماعية وتطهير عرقي وسبي واغتصاب وبيع النسوة الإيزيديات بسوق النخاسة الإسلامي، وكان تدميراً لجزء مهم وأصيل من تراث العراق الحضاري بمحافظة نينوى.
لقد شاركت البيشمركة الكردية مع القوات المسلحة العراقية بكل أصنافها، والتي أعيد تنظيمها، مع متطوعي جهاد الكفاية، والعشائر العربية، في تحرير المناطق التي احتلت من داعش بعد أكثر من ثلاث سنوات من احتلالها، وحصل الانتصار العسكري، ولكن الفكر الديني المتطرف والخلايا النائمة لداعش والتأييد الفكري والسياسي ما يزال فاعلاً، والذي يتجلى بوضوح في العدد المتزايد من التفجيرات والقتل الجماعي ببغداد مثلاً.
خلال هذه الفترة لم تتحسن علاقة الحكومة لاتحادية برئاسة حيدر العبادي مع رئاسة وحكومة الإقليم، بل تعقدت أكثر، بسبب تصريحات مسؤولين كرد أكدوا فيها بأن قوات البيشمركة لن تنسحب من المناطق التي حررتها، سواء كان ذلك بكركوك أم بالمناطق الأخرى المتنازع عليها أولاً، واستمرار مشكلة استخراج وتصدير النفط بكركوك ومناطق أخرى بالإقليم، وعدم دفع رواتب البيشمركة من جانب الحكومة الاتحادية وقضايا أخرى عديدة. ان هذه العلاقات المتوترة قد ضيقت الخناق على الإقليم ودفعت برئيس الإقليم، مسعود البارزاني، إلى اعلان ممارسة الحق في الاستفتاء بشأن الموقف من "استقلال كردستان" بالإقليم (أي في أربيل والسليمانية ودهوك) وبالمناطق المتنازع عليها، ولاسيما كركوك وديالي وبعض مدن وأرياف محافظة نينوى مثل سنجار. علماً بأن الحرب ضد داعش كانت ما تزال مستمرة بالموصل وأقسام من نينوى والحويجة، والتي أضاعها والموقف منها لم تكن مناسبة لإجراء مثل هذا الاستفتاء، ولاسيما في المناطق المتنازع عليها. ورغم رفض الدول ذات العلاقة الطيبة برئاسة وحكومة الإقليم، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا وأستراليا، وبقية الدول الأوروبية والعالم، عدا حكومة إسرائيل، ورغم نصيحة الأصدقاء العرب والأحزاب الديمقراطية العراقية، بما فيها الحزب الشيوعي العراقي والتيار الديمقراطي، بأن الوقت غير مناسب لإجراء هذا الاستفتاء، رغم كونه من حيث المبدأ حق مشروع من حقوق الشعب الكردي، إلا أن رئيس الإقليم أصرَّ على إجراء الاستفتاء، الذي حظي بتأييد الأحزاب الكردستانية. وقد تحقق ما كان الجميع يتوقعه، إذ صوت 93% ممن شاركوا في الاستفتاء إلى جانب الاستقلال، الذي لم يُحدد متى سيمارس هذا الحق. وفي الوقت الذي أشاعت نتائج الاستفتاء فرحة كبيرة في صفوف الشعب الكردي مصحوبةً بقلق مفهوم لما يمكن أن يكون عليه موقف الحكومة الاتحادية والدول المجاورة، أثارت غضب النظام السياسي الطائفي بالعراق والكثير من الأحزاب والقوى السياسية، ووجدوها فرصة ثمينة لانتزاع الكثير من المكاسب التي تحققت للشعب الكردي ولرئاسة وحكومة الإقليم، وبعضها خارج إطار الدستور، وممارسة شتى أساليب الضغط السياسي والمالي على حكومة الإقليم لانتزاع الاعتراف بإلغاء نتيجة الاستفتاء. وهو أمر لا يمكن تحقيقه، إذ من غير المعقول أن يقوم الشعب الكردي بإلغاء رأيه باستفتاء جديد. ولكن حكومة الإقليم اكدت احترامها لقرار صدر عن المحكمة الاتحادية قضى باعتبار الاستفتاء غير قانوني ونتيجته باطلة. رفضت الحكومة الاتحادية ذلك حتى الآن، لأنها ترغب في تكريس مبدأ عدم حق الشعب الكردي في تقرير مصيره أو حتى حقه في الاستفتاء على ذلك. وهو أمر لا يجوز القبول به ولا التنازل عن هذا الحق المثبت دولياً.
إن هذا الموقف يؤكد طبيعة النهج الفكري والسياسي للقوى والأحزاب لإسلامية السياسية الرافضة لمبدأ حق تقرير المصير للشعوب عموماً، ومنها الشعب الكردي بالعراق أو إيران أو تركيا أو سوريا. إنه موقف أيديولوجي شوفيني وطائفي في آن واحد، ولا يختلف عن موقف الشوفينيين العرب، وهو موقف فكري وسياسي متخلف ويتعارض مع لوائح الأمم المتحدة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات.
ملاحظة مهمة: ورد في الحلقة الأولى إن انتفاضة الشيخ عبد السلام البارزاني حصلت في عام 2010 خطأً، والصحيح هو عام 1910، فاقتضى التنبيه والتصحيح، وشكراً للصديق الأستاذ ضياء الشكرجي على التنبيه.