اليأس في قصيدة -لا وقت لدي- عمار خليل

رائد الحواري
2018 / 1 / 24

اليأس في قصيدة
"لا وقت لدي"
عمار خليل
لكل حالة نفسية تلازمنا نستخدم ألفاظ تناسبها، أو تعبر عن حالتنا وما نشعر/نمر به، وعندما نكون في حيرة من أمرنا وعدم قدرتنا على تحديد ما نريده بدقة، نكون كمن يعبث بالأشياء للتسلية ليس أكثر، فتبدو كمن يضيع الوقت أو يسعى لتضيع الوقت، فلا يوجد يقين يجعلنا نشد الهمة أو نسرع، وهذه الحالة تنطبق تماما على قصيدة "لا وقت لدي".
"عمار خليل" يقدم على خوض تجربة عاطفية غير مقتنع بها، أو هو متردد تجاهها، لهذا نجده يستخدم ألفاظ تعبر عن عدم القناعة بهذه العلاقة وعدم إيمانه بمتابعتها، لهذا نجده يكرر عبارة "لا وقت لدي" وكأنه قرفان/يأسان من متابعة هذه الطريق، أما فيما يتعلق بالألفاظ فنجده يعتمد على الألفاظ المايعة أو التي تعطي معنى الانسيابية، أو معنى الخلل والعطب وعدم سلامة الشيء:
" لا وقت لديْ ..
لا وقت لدي ..
فأنا المشغول بلا شيءٍ !
وأظل أفتشُ ..
في جيبي المثقوب على .. ذكرى
لأخيْط شعوري
ا
ل
م
ن
س
و
ل
بلا إبرهْ .."
فكرة العبث حاضرة في المقطع السابق وأيضا الالفاظ تخدم وتنسجم مع المضمون، حتى عندما قطع الشاعر لفظ "المنسول" كأنه أريد به أن يؤكد على حالة العبث التي تلازمه.
يؤكد لنا "عمار خليل" ما يمر به من مشاعر مضطربة فيقول:
" لا وقت لدي ..
م
ط
ر
ي
يتدفق ..
من مزراب العطشى
أجمعه في .." يأخذ المطر معنى الانسياب وعدم الثبات في مكان معين، وهذا المعنى يخدم الحالة التي يمر بها الشاعر، لهذا وجدنا يعبر من خلال اللفظ عما يشعر به.
ويوكد لنا حالة العبث التي ترزمه من خلال هذا المقطع:
" لا وقت لدي ..
وأنا المتدلي ..
أحاول مسّ جدائلها
أتأرجح كالوتر
ا ل م ق ط و ع
على عو دٍ
لم يعزف بالمَرّهْ "
فعل "أتأرجح، مس، لم يعزف" تعطي مدلول (المياعة) وعدم حسم الأمور، ونجد الوتر المقطور الذي لا يفيد في العزف، كل هذا يعطي دلالة إلى الحالة البائسة التي يحاول الشاعر أن يعبر عنها في قصيدته.
يحاول الشاعر أن يهدد تلك المرأة التي لا تلقي له بالاً من خلال اقناع ذاته بأنه يهدد، فيرفع وتيرة الصوت عنده ويبدو شبه متزن فيقول:
" لا وقت لدي ..
سأعيد شرايني
في درب الزعتر
فوق تلال الشمس
لأصنع يومًا عطرهْ "
ها هو يعود إلى الطبيعة التي تمنحه شيء من الاتزان والهدوء، لكن هذه العودة ليست طبيعة/عادية بل تمثل حالة هروب وعدم القدرة على المواجه، وهذا ما أكده لنا في المقطع الاحق:
" لا وقت لدي ..
سأرتب مكتبتي
وأعيدُ بلا خوف
كتب الحب
وكوشان القلب المسكون
بلا أجره .."
بعد أن يعود الطبيعة التي منحته شيء من الاتزان يتقدم من الكتابة /القراءة التي ستعطيه مزيدا من الهدوء والسكينة والاتزان.
لا ندري هل حقا الشاعر تخلص من حالة عدم الاتزان أم أنه ما زال يعاني منها، خاصة بعد أن التجأ للطبيعة وللكتابة/القراءة، فاهو يتغنى بالمرأة الأخرى، وكأنه بهذا التغني يريد أن يرد على المرأة الأولى، أو يريد أن مآثره لكي تتحسر على فقدنه وتحاول أن تتقرب منه، من خلال فعل الرقص وطبيعة المشهد الرومنسي الذي يرسمه:
" لا وقت لدي ..
إني أختار ببطئ ٍ
ربطة شَـكْـلِـــي
أحْضُرُ فيها ..
حفلة ميلادي ،
كي أرقص ،
فوق الشمع وأطفئها
تهديني امرأة ٌ
من عينيها زهرهْ ."
لم تكن تلك المشاهد إلا وهما من الأوهام التي يحاول فيها "عمار خليل" أن يقنع ذاته بأن تلك المرأة التي لا تلقي له بالاً هي التي خسرته وليس هو الذي خسرها، رغم عدم قبولها به وحتى أنها لم تعطيه شيء من اهتمامها، لهذا نجده يعود إلى حالته الأولى التعبة واليائسة فيقول في خاتمة قصيدته:
" لا وقت لدي ..
فأنا مشغولٌ ..
مشغولٌ ..
مشغولٌ مثل الضوء
على
دَرَج ِ
العتمة ْ ..
لا أحمل قنديلا
لكني أحمل ... فكرهْ . "