آل سعود: الأحلام الإمبراطورية

نضال نعيسة
2018 / 1 / 24

تجربة التوسع والنفوذ الإمبراطوري السعودي (العربي) في الإقليم ضاربة الجذور في القدم، وقد ذاق عرب الجزيرة العرب عسل الحكم الإمبراطوري حيث كان حكام واباطرة وملوك وولاة إمبراطورية الغزو العربية أو ما عرف بـ"دولة الخلافة الإسلامية"، التي حكمت من مكة، العاصمة الروحية التقليدية للعرب المسلمين حول العالم، صُنـّاعها، فيما كانت العاصمة السياسية تتنقل بين مكان وآخر، حتى الصين شرقاً والأندلس -إسبانبا- غربا، معظمهم من أصول عربية قبلية –قرشية- من الجزيرة العربية، حيث كان هذا الانتماء المقدس كفيلاً بإعطاء شرعية مقدسة وتفويضاً للحاكم العربي الإسلامي وسلطة مطلقة يحكم من خلالها باسم السماء..وكان معاوبة بن إبي سفيان القرشي، وهو من طلقاء مكة الذين أسلموا عنوة بعد "الفتح"، أول إمبراطور –خليفة- حاكماً للإمبراطورية العسكرية الجديدة التي تمددت وتخطت أسوار الصحراء لتحط رحالها بداية في دمشق ومن ثم تتنقل بين بغداد والقاهرة وقرطبة والقسطنطينية-الأستانة- حتى انهيارها المهين والقضاء على رجل أوروبا المريض في العام 1923 على يد "أبو الأتراك" أتاتورك.

ومازال حتى اليوم، حكام الجزيرة العربية يستمدون شرعية سلطوية من هيمنتهم وسيطرتهم على "المقدسات الإسلامية" والإشراف عليها وإدارة شؤونها، بحيث صار الحج، تالياً، موضوع مقايضات سياسية وابتزاز مع الدول الإسلامية، وتبوأت لذلك المملكة الزعامة الروحية للعالم الإسلامي، ومكة، على سبيل المثال، هي الىن مركز منظمة المؤتمر الإسلامي، والدعوة الإسلامية، التي تكرّس وتعترف وتقر بزعامتها الروحية للعالم الإسلامي أو ما يعرف بمنظومة الدول العربية والإسلامية أي ذات الأغلبية السكانية التي تعتنق الديانة الإسلامية، وهي –أي منظمة المؤتمر- شكل من أشكال النفوذ الإمبراطوري الروحي على الأقل، أعطى المملكة سلطة اعتبارية ووجاهة في وقت ما على هذه الدول، لاسيما بعد أفول الحقبة القومية وانهيار المشروع الليبرالي الوطني والدولة الوطنية الحديثة لصالح صعود تيارات الإسلام السياسي على تنوع أسمائها ومرجعياتها لكنها جميعاً كانت تستلهم الأنموذج الإمبراطوري القديم.

ظلّت هذه التجربة الإمبراطورية حيث خرجت تلهب أحلام كثيرين ولهما للطامحين السياسيين بما فيه جماعات إسلامية وأحزاب قومية عربية لإعادة -بعث- "الأمة"، وإعادة بناء المجد الإمبراطوري السالف "المجيد" لكن أحقية ذلك واحتكاره ظل في المركز الإمبراطوري ويستمد شرعيته من هناك أي من أرضي نجد وحجاز باعتبارها المولد والموئل والحاضن للصعود الإمبراطوري التاريخي ا لعرب الصحراء بتلك المرحلة من التاريخ حيث كان هناك فراغ جيو-استراتيجي إمبراطوري واضح بسبب ترنح وضعف وتفكك وقتال دام عبثي استنزف الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ما مهد لصعود القبائل الرعوية العربية الغازية لتملأ ذلك الفراغ والجيب الجيو-استراتيجي القريب فيما عرف لاحقاً بـ"الحضارة العربية الإسلامية".

لم تغب هذه الحقائق التاريخية عن مخيلة وأحلام العرش السعودي الذي كانت المنطقة هدفا لتطلعات إمبراطورية تسعى جاهداً لإخضاع دول الجوار وظهرت على الدوام محاور وأحلاف وحركات منها الثورة العربية الكبرى لاسترجاع النفوذ المفقود بعد انتقاله لبني عثمان، ولاحقاً حلف بغداد، والحلف السعودي المصري السوري في السبعينات، وليس آخرها التحالف العربي في حقبة ربيع العرب لينتقل بها الحلم الإمبراطوري من مرحلة الهيمنة والنفوذ السياسي والمالي والروحي إلى مرحلة الاحتلال والإخضاع العسكري.

كانت تجربة الحريرية السياسية في لبنان إحدى تجليات الحلم الإمبراطوري السعودي والتي اقتصرت على النفوذ السياسي واستخدام القوى الناعمة الدبلوماسية والسياسية والإعلامية الدعائية، لكن هذا لم يشبع النهم الإمبراطوري السعودي الذي كان يسعى للسيطرة والنفوذ والتحكم المباشر واستطال وامتد حلمه ليصل أيضاً لدمشق ويحاول إخضاعها لسلطانه ونفوذه المباشر، عبر نقل الحريرية السياسية لها وتشكيل هيئات وواجهات سعودية تحكم بالوكالة والنيابة عنه كجماعة الائتلاف ومؤتمرات الرياض 1-2 هذه المرة وبقية القصة معروفة.

ليس من المجدي، ولا هو موضوع بحث، تحديد ورسم ما هي مسارات ومآلات هذا الحلم الإمبراطوري السعودي، القائم والمستمر عبر الزمان، بفعل عوامل بيئية ومقتضيات ضرورية ووجودية حياتية لسكان الصحراء وتطلعات إمبراطورية تفتح أمامهم أسوار البيئة المغلقة برمال الصحراء الشاسعة، وليس فيما إذا كان قد تحقق هذا الحلم أو سيتحقق في يوم ما، فتلكم قضية أخرى مطروحة للبحث والنقاش، غير أنه من المجدي تماماً، والمفيد إلقاء الضوء على الجذور التاريخية والخفايا والأحلام الإيديولوجية والأبعاد السياسية وأن أطماع ودوافع تلكم الكتلة البشرية ما زالت قائمة برغم تبدل الظروف والأزمان والمعايير والحسابات، وأما قضية مشروعيتها من عدمه فتلكم إشكالية أكثر حدّة وإيلاماً، وتشكل موضوع جذب دسماً وأكثر ثراء لمزيد من الأبحاث والدراسات.