قلقاسٌ على مائدة قبطية

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 24

فاطمة ناعوت

ليس أشهى من حبّة تمرٍ قدّمتها لي يدٌ قبطية لأكسرَ بها صيامي مع آذان المغرب في أحد أيام رمضان 2013. كان ذلك يوم نزل المصريون يوم 26 يوليو في ذلك العام لنطالبَ جيشَنا العظيمَ بأن يحمي هُويتَنا ويذود عن كرامتنا ويضرب على يد الغِلِّ الإخواني البغيض بعدما أسقطناه عن عرش الجميلة. مازال ريقُها الحُلوُ في فمي. حبّةُ التمر الشهيةُ التي قدمتها لي صبيةٌٌ جميلةٌ، لمحتُ في رُسغِها صليبًا أزرقَ، بلون النيل، ولون عين حورس الفرعونية، فتأكدّتُ أن مصرَ ستظلُّ مصرَ واحدةً غيرَ قابلة للانقسام عصيةً على الشتات، غنيةً بشعبها الذي لا يعرفُ سوى الحبَّ ولا يعترفُ بالفُرقةَ والشقاق، مهما حاول المُبغضون. يومها استوثقتُ أن شعبنا الطيبَ الذكيَّ يعرفُ كيف يحفظَ عهدَ الله ويظل في رباطٍ إلى يوم الدين.
وليس أشهى من أقراص الكعك تخبزها معًا الجاراتُ المصريات، مسلمات ومسيحيات، في ليالي رمضان استعدادًا لعيد الفطر، وفي عشيات قدّاسات عيد الميلاد وعيد القيامة، حتى إذا ما عادت الصبيّاتُ في المساء من الأفران يحملن فوق رؤوسهن صاجات الكعك، تبدأ النسوةُ في رشّ السكر المطحون فوق أقراص الكعك الساخن بنار الفرن ووهج الحُبِّ في قلوبهن. فإذا ما أشرقتْ صباحاتُ العيد، طافتِ الصحونُ بين أبواب الدور محمّلةً بالكعكات والبيتيفور والبسكويت التي لا تعرفُ التمييز بين هلال وصليب ومصحف وإنجيل، فالكلُّ يذوبُ في فيوض الودّ والمحبة، مثلما تذوب أقراص الكعك على ألسنٍ طيبةٍ لا تعرفُ إلا كلماتِ السلام الطيبة.
كذلك، ليس أشهى من حبّات القلقاس البيضاء، تسبحُ في نهرٍ من الأخضر المشرق في صحنٍ قدّمته لي يدٌ مصريةٌ قبطية كريمة، يوم الجمعة الماضي 19 يناير، في عيد الغطاس المبارك.
يعرفُ قرائي والأقرباءُ عشقي للقلقاس. لكنني لا أعرف طريقة طهوه، ليس فقط لصعوبته، بل كذلك لأن زوجي وأبنائي للأسف لا ياكلون القلقاس، لسبب غامض. لهذا لم أفكّر في تعلّم طريقة عمله، لأنني مستحيلٌ أن أنفق ثلاث ساعات في المطبخ، من أجل طهو صنف من الطعام، سوف أتناوله وحدي. ما المتعة في ذلك، وما جدوى المذاق الطيب إن لم تصحبه صُحبةٌ طيبة؟! لهذا كنتُ كلّما اشتقت إلى صحنٍ من القلقاس أطلبه من أمي، رحمها الله، لتطهوه لي. وبعدما غدرت بي ماما "سهير" وغادرتني إلى رحاب الله، كانت أمّي الروحية، آنجيل غطّاس، شفاها الله وعافاها، هي الملجأ كلمّا طاف بي الشوق إلى القلقاس. وفي كلِّ عيد غطاس، تصلني عشراتُ الدعوات الطيبات من أُسرٍ مصرية كريمة، تدعوني لتناول القلقاس على مائدتها بين أفراد العائلة، ليس كأنني واحدة منهم، بل لأنني بالفعل واحدةٌ منهم. فكلُّ بيوت المصريين الطيبين بيتي، وكلُّ عائلات المصريين الشرفاء أهلي وسندي.
وفي غطاس هذا العام، الجمعة الماضية، اخترتُ أسرةَ السيدة الجميلة "أميرة لبيب" لأكون ضيفةً مُكرّمةً على مائدتها العامرة بكل صنوف الخير والحُب، وعلى رأس الصنوف الطيبة، تربّع ملكًا طبقُ القلقاس الأخضر الشهي. فكان الطعامُ الطيب والصحبةُ الطيبة معها وزوجها السيد "مجدي يوسف"، وأبنائهما يوسف وهاني، والصغيرة الجميلة "ڤيرونيكا".
ولماذا القلقاسُ في عيد الغطاس؟ لأنه ذاخرٌ بالرموز والدلالات العميقة التي تُكرّس مفهوم "عيد الغطاس" في الأدبيات المسيحية. فالقلقاسُ ثمرةٌ جذرية تنمو مدفونةً تحت الأرض. وتحت قشرتها السميكة تقبعُ طبقةٌ سامّةٌ تؤذي حنجرةَ الإنسان إن تناولها دون غمرٍ في الماء. فيرمزُ تقشيرُ الثمرة ونزع قشرتها إلى نزع ثوب الخطيئة عن الإنسان، حتى يتطهّر. ثم يرمز غمرُ الثمرة العارية في الماء إلى غمر الإنسان في ماء العماد للاغتسال من الآثام. تمامًا كما غُمر جسدُ السيد المسيح عليه السلام في ماء نهر الأردن بمساعدة النبيّ يوحنا المعمدان، أو النبي "يحيى بن زكريا"، الذي قال فيه القرآنُ الكريم: “يا يَحيَى خُذِ الكتابَ بقوّة، وآتيناه الحُكمَ صبيًّا، وحنانًا من لدُنَّا وزكاةً وكان تقيًّا، وبَرًّا بوالديه ولم يكن جبّارًا عصيَّا، وسلامٌ عليه يوم ولِد ويومَ يموتُ ويومَ يُبَعثُ حيًّا.” سورة مريم 12- 15. شكرًا للأسرة الكريمة التي اكرمتني بالحبّ والسلام.