ألفُ هُوْلة وهولة: الفصل الأول 3

دلور ميقري
2018 / 1 / 23

ما أنفك أقلّب أوراق هذه السيرة، هنا في جلستي المريحة قبالة الموقد القرميديّ، المُلبّس بالمرمر الطليانيّ الزاهي. لو كان الجوّ أكثر دفئاً، لانتقلت إلى التراس المحمي بالجدران الزجاجية والمطوق بأشجار الخوخ والكرز، المتألقة ببراعمها اليانعة. حديقة الفيللا، ستضحي شاغلي حينَ تتغلغل في تربتها الشمسُ الربيعية الحقة وتكتسي أشجارها بالأوراق. إذاك لن أكون مهتمة بعدُ بأوراق سيرتي هذه، المثقلة سطورها بأحاسيس الذنب وتأنيب الضمير. أيضاً أكون قد استغنيتُ عن جلستي هنا، وراء الطاولة الأنتيكية، المركونة في زاوية الموقد. ألا إنها لجلسة تقليدية جداً، غريبة عن شيمة كتّاب عصرنا الألكترونيّ!
الآن، في ظهيرة نهاية عطلة الأسبوع، يكون الوقت ليلاً في القارة العجوز. وإنني أنتظرُ هكذا وقت مناسب، بهدف مخابرة ذلك الكاتب المقيم في السويد، والمتعهّد نشرَ أوراق سيرتي. كلانا ربما يفكّرُ اللحظة، بأنها ورطة على شيء من الطرافة، أن نتبادل دَور الكاتب والناشر. إنّ هذه الصفة الأخيرة من المنطقيّ أن تكون جديرة بي، كوني امرأة أعمال وعلى جانبٍ من الثراء. ما أدهشني، وبغض الطرف عن تلك الفكرة، هوَ رفض الرجل لمساعدة مادية عرضتها عليه. في مقابل ذلك، عمدَ إلى طمأنتي بتأكيده أن صاحب دار النشر قد تعهّدَ على نفقته الخاصّة طبعَ هذا الجزء من السيرة المراكشية.

*
أكان عليّ أن أستعيد بعضَ ذكرياتي عن المدينة الحمراء، فيما أنا لابثة تحت وطئة النظرات المسحورة لامرأة اللوحة.. أن أستعيدها مغمضة العينين، مُلقيةً برأسي إلى وراء، مُنتشية بالعبق العاطر لمدينة الأمس آنَ انتشاره في أنفي؟
لشدّما كان " فرهاد " محقاً، حينَ قاربَ بين امرأته ومراكش: الفتنة والشر، الأصالة والزيف، المجد والنحس.. أم أنها " شيرين "، مَن فعلَ ذلك؟ سيان عندي الأمر، طالما أن الكلمات لا وريث لها!
المدينة هيَ ذي، تفغم أنفي بعبقها القديم، ذكرياتها الآفلة. إنها تحدّق فيّ، خِلَل سطور الأوراق، بعينيها البربريتين، المنعكسة فيهما ظلالاً خضرةُ النخيل وحمرة الجبل وصفرة الصحراء. لكأنما نظرات هذه وتلك ( المرأة والمدينة )، تتواطأ كلها على مشاعري، المُنساحة عبْرَ الزمن، لكي تعيدني مغلولةً إلى مقبرة الماضي. ثمة، أينَ توهمتُ أنني دفنت ميراثَ المدينة/ المرأة. ذلك كله كان وهماً، ولا شك، شبيهاً بواقع دفن " شيرين " ورجلها الفرنسيّ " غوستاف " في مقبرتين منفصلتين، اسلامية ونصرانية.

*
المدينة، لم تلبث إذاً أن بُعثتْ بين سطور أوراقي رممَ ذكرياتٍ وأطياف. فيما المرأة لا تني في مكانها المعهود، كلوحةٍ ضمن إطار مذهّب، مثبتة على جدار موقد النار. لعلها هيَ، " الشريفة "، مَن كانت بمثابة شَذْرة اللؤلؤ في عقد السيرة المراكشية، المكوّن من حبّاتٍ أربع. وأعني، مذكرات الأخوين الدمشقيين علاوة على سيرتي المتضمّنة مذكرات المسيو الفرنسيّ. وإنها الآن هنا، ترامي نظراتٍ ساخرة ومنتصرة على أشلاء الأوراق المتراصفة فوق طاولتي. بعيداً عن المجاز، دأبت مرافقتي السابقة على صفتها تلك بين أفراد جماعتنا، بحيث أن حدث إختفائها كان قد تسبّبَ بفرط عقدهم. ثمانية أعوام، بعد ذلك الحدث، ولم يُعرف عن المرأة خبرٌ. أما لو كانت " الشريفة " قد ظهرت لاحقاً، على أثر مغادرتي المغرب، فإنه سيكون أمراً مُشوّقاً لقارئ الجزء المُنتظر، الأخير، من هذه الخماسية!
لن أكون أكثر تحاملاً على " الشريفة " من الشقيقين الدمشقيين، ما لو دَعوتها ب " قرين إبليس ". إنها لم تكن منذورة، كإمرأة، إلا لشيطانها. وما أفتأ على ريبةٍ قائمة، فيما يخصّ مسألة زواجها الشرعيّ من " فرهاد ".. بله ومن رجلها الأول، " سيمو ". قبل ذلك، كانت الماكرة قد ألقت شباك غوايتها على صديقي الفرنسيّ " غوستاف ". وإنها مذكرات هذا الصديق ( أحتفظ بنسختها الوحيدة ربما؟ )، مَن ألقت حِزَمَ ضوءٍ ضافية على سيرة امرأة الشيطان. لقد بقيت صورة " الشريفة " راسخة في خيالي، ليسَ حَسْب كذكريات أو أفكار أو أحلام أو كوابيس.. كانت أكثر من ذلك؛ كانت أشبه بلعنة. لم يكن بلا طائل، أن أنعتها بقرين إبليس، طالما أنها كانت كحيّة الإغواء في الفردوس الأول. أعلم أنّ ما أقوله حماقة، وقد سبقَ لكثير من الأدباء أن تداولوا ذلك في مجازاتهم. بيْدَ أنني لم أعُد منتمية لطائفة الكتّاب. لا أقول ذلك تواضعاً. لقد هجرتُ الكتابة نهائياً مذ مغادرتي المغرب، وعلى وجه الدقة، آنَ أنهيتُ تسجيل آخر كلمات هذه السيرة المنكودة.