ألم والحب في قصيدة -رهبة الوجد- منصور الريكان

رائد الحواري
2018 / 1 / 23

ألم والحب في قصيدة
"رهبة الوجد"
منصور الريكان
هناك شعراء يتميزون بلغة وبشكل وبطريقة تقديم الشعر، وهذا التميز لا يعتمد على النظم والصناعة الشعرية بقدر حضوره في وجدان الشاعر، فما يقدم من شعر لا يأتي من الشاعر فقط، بل من الطاقة الابداعية الكامنة في الشاعر والتي تدفعه ليكتب القصيدة، فالشاعر الحقيقي يكون رهين لحظة التجلي، الحظة التي توجب عليه أن يكتب القصيدة، وإلا يكون قد فقد مولدوه الشعري، وذهب دون أن يظهره للحياة.
من هنا يأتي تميز الشاعر أو الاديب، فهو من خلال التوحد بينه وبين القصيدة يقدم لنا نص مميز يجعله مختلف عن الآخرين، فلا هو يشبه احدا ولا احدا يشبهه، "منصور الريكان" من الشعراء الذين خطوا لأنفسهم طريقة وشكل ولغة خاصة، بحيث يمكن لمن يتابعهم أن يتعرف عليهم من خلال اللغة والألفاظ والطريقة التي يستخدمنها في شعرهم، وحتى دون أن يضعوا اسمهم على القصائد، وهنا تأتي قمة التميز والتفرد، لا اجامل أن قلت أنني من الذين يستمتعون بشعر "منصور" فهو صاحب لغة حزينة ناعمة يستطيع أي متابع لشعره أن يجدها، وهذا الشكل من "الحزن الناعم" تميز به شاعرنا عن بقية الشعراء، فهو ممتع، رغم أنه حزين، وهادئ رغم افتراضنا أن يكون الحزين يحمل شيء من الغضب، فما هي الطريقة والشكل واللغة التي يستخدمها "منصور الريكان" في شعره؟.
هناك صيغة النداء التي لا تفارق القصائد:
" يا إلهي رهبة توقد نفسيْ
فانا المأزوم من وضعي وكلي قد وقعْ"
اللجوء إلى الله حالة طبيعية عند المؤمنين، وهذا اللجوء يشير بطريقة غير مباشر إلى حضور الإيمان عن الشاعر، وهذا ما يريح المتلقي كما يريح الشاعر.
نجد الشاعر يتألم بسبب هم شخصي حيث بدأ قصيدته بالتحسر على الحبية، لكنه كشاعر يحمل احساس مرهف، فلا بد أن تكون القضايا الأخرى لها مكانها في نفسه:
" يا إلهي صبغتني العادياتْ
وغراب البين ينعق في المدينةْ"
فقد تعدى الهم الشخصي ليحمل الهم العام، هم المدينة/الوطن/الشعب/الناس، ولا نقول هذا تحول أو انقلاب في حمل الهم، بل هو حمل يضاف إلى ما يحمله الشاعر من هموم، وهذا ما يجعلنا نقف مع الشاعر، وكأن همه الشخصي لا يكفيه، فكان الهم العام يزيد الخناق عليه.
بعد أن يحدثنا الشاعر عن همومه يبدأ في الانفراج شيئا فشيئا، فيخاطب المرأة/الحبيبة والتي بالتأكيد أنها تخفف وتهدئ من وتير الضغط الواقع على الشاعر، فالمرأة احد العناصر المهدئة والمخففة لحالات الضغط والقسوة:
" كلميني وارقصي تحت ستار الليل نامي واهدليْ
كالحمامات وغني في فرحْ
يا إله الشوق قلبي منشرحْ
فأنا المأسور فيها عذبتني وانجلى صوتي يناغيها وما أحلى اللياليْ
إذ أشم العطر فيها وأنامْ
صوتها يحوي المقامْ
غنج منها يراويني الشموس المبهرةْ
وأحييها وأنسل بدفئها أستريحْ"
من يقارن فاتحة القصيدة وخاتمتها يجب أن الشعر يبدأ من حالة الصفر ليصل إلى حالة السوية والعلامة الكاملة، وهذا ما يميز "منصور" فهو شاعر متفائل ومن المؤمنين بالحياة وبالمستقبل، لهذا نجده يختم قصائده بالخواتم البيضاء والمتفائلة، رغم القسوة والخراب الذي يحيط به.
قلنا أن هناك نصوص بيضاء ونصوص مطلقة البياض، وهنا نجد الشاعر ينقلنا من الألفاظ الصعبة والقاسية التي جاءت في البداية إلى ألفاظ ناعمة وهادئة وسلسة، وكأنه من خلال الخاتمة التي استحضر فيها "الحبية" يؤكد على الأثر الايجابي الذي تحدثه فيه وفي نصه الشعري، من هنا وجدنا الخاتمة مطلقة البياض بحيث تنسجم الفكرة/المضمون ومع اللغة والألفاظ.
"يا إله العشق قبل ثغرها
واجعل الوجد يطوفْ
فهي الضوء وما أجمل ما في الكلمات حين تنطقْ
وأراني القلب دقْ
ولكِ الرهبة مولاتي يا أحلى نغمْ
يطرق الوجد ثنايانا ونحلمْ"
لهذا عندما نقول أن "منصور الريكان" شاعر مميز لا نكون مجاملين له، بل لأنه شاعر اثبت بقصائده هذا التميز.
القصيدة منشورة على الحوار المتمدن على هذا الرابط
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=586708