في ذكرى فيكتور أنبيلوف Viktor Anpilov*

مشعل يسار
2018 / 1 / 23

بقلم فلاديمير بوشين- ترجمة مشعل يسار

توفي فيكتور أنبيلوف. كنتُ واحدا من العديد من أصدقائه. وكان صديقه أيضا الرجل الخالد هوغو تشافيز. المؤرخة إيلينا سيانوفا سمته مارات الروسي (مارات كان خطيب الثورة الفرنسية- المترجم). وأتذكر كيف احتفلنا في إحدى القاعات الكبرى بعيد ميلاده الخمسين. كنا هناك كممثلين عن جريدة "روسيا السوفياتية" مع ناديا غاريفولينا (مناضلة راديكالية روسيا كانت من أوائل من انتقد زوغانوف على قوله الشهير: "إن روسيا استنفدت قدرتها على الثورة!")) التي لا تُنسى. قلت في صاحب العيد، وأنا أرفع نخبي على صحته، إنه كيروف أيامنا (الذي كان محبوب أعضاء الحزب البلشفي واغتيل عام 1936- المترجم). وهذا صحيح أيضا. ولكن الأصح والأكثر دقة أن نسميه أنبيلوف. لقد كان منبر الشعب. فهو أول من انتفض ضد الثورة المضادة والرأسمالية.

من لا يتذكر تلك "الحملات العارمة على تلفزيون أوستانكينو"، على إمبراطورية الكذب؟ ولا يزال يقبع هناك الكذابون أنفسهم. فهم اليوم يكزّون على أسنانهم وهم يفيدون عن وفاته. وفكرته حول تلفزيون الشعب؟ أولئك الذين كان يجب أن يدعموها ويطوروها ويستكملوها بقوا صامتين كصمت القبور. بعد تشكيل لجنة الطوارئ (التي حاولت يائسة بائسة إنقاذ الاتحاد السوفياتي- المترجم)، كان على أنبيلوف أن يختبئ. ولكنهم تعقبوه، وألقوا القبض عليه. لكم ابتهجت آنذاك المذيعة سفيتلانا سوروكينا التي كانت مختفية منذ فترة طويلة.

فيكتور كان في حاجة إلى منبر عالٍ، ولم يكن يمكن أن يكونه غير منبر الدوما. ولكن أحداً لم يكن يفكر في ذلك. لم يكن الحزب الشيوعي الروسي (حزب زوغانوف- المترجم) الذي كان مفترضاً أن تتمثل مهمته الأساسية في جمع كل القوى اليسارية، يجد له مكاناً بين نوابه المائتين في كتلته البرلمانية. فهو خطِر لأنه شجاع وحازم وحيوي ونشط. من كان مثله لا يحتاجون إليهم. كان فيكتور ذا سمعة وشهرة واسعة، والشهرة هي رأس مال في السياسة. هم لم يفهموا هذا حتى الآن. لقد وصلت بهم الأمور إلى أن طردوا من صفوفهم حتى الممثل المحبوب شعبيا نيكولاي غوبنكو، والمناضلة الشجاعة سفيتلانا غورياتشيفا التي واجهت دون خوف يلتسين نفسه، والممثلة ذات الشعبية يلينا درابيكو. علام طردوا؟ هذا باق غير معروف. حل هذا الذكاء على رأس رئيس كتلة الشيوعيين فطردهم. ذات مرة وصل إلى مقاعد الدوما رجل آخر لا يهدأ ولا يلين هو فيكتور تولكين، زعيم حزب العمال الشيوعي الروسي. كانت حساباتهم تقول، على ما يبدو، أنه من أجل راتب جيد في مجلس الدوما سوف يتهذب ويتربى سياسياً وسوف يفضل التسامح على المواجهة، أي سيتشبع روح التملق. ولكنه ظل هو هو، حتى أنه وصف ذات مرة الرئيس بالجبان. وكيف تريد أن نصفه إذا كان يخاف من ضريح لينين (ويغطيه بالشراشف والكرتون خلال الاحتفالات الكبرى في الساحة الحمراء- المترجم)، ومن إعادة اسم ستالينغراد (إلى مدينة فولغوغراد حسبما فضل تسميتها الأمين العام خروشوف آنذاك انتقاما من "عبادة الفرد" كما زعم- المترجم)، إذا لم يكن ليجرؤ على القول إننا لم ننتصر وحسب على أحدهم (في الحرب العالمية الثانية – المرتجم)، بل انتصرنا على ألمانيا النازية، إذا كان حتى يخاف في يوم النصر من ذكر جنرالاتنا الكبار في الحرب العالمية الثانية، ومن القائد الأعلى للنصر. تولكين حُرِم شهراً كاملا من الكلام في مجلس الدوما، وتبرؤوا منه كمشاغب في الانتخابات التالية، فمن دون هؤلاء يصبح أكثر أماناً القيام بالتدمير الذاتي: كان لهم 200 نائب ثم صاروا 92 نائباً ثم 43 فـ21 (؟)...
يجب على الحزب الشيوعي الروسي أن يضع نصباً تذكارياً لفيكتور أنبيلوف، ليس في أي مكان، بل أمام "إمبراطورية الكذب" إياها.
فلتبق خالدا في الذاكرة، صديقي العزيز...


* فيكتور إيفانوفيتش أنبيلوف هو زعيم حركة "روسيا العاملة"، وأحد منظمي وقادة حزب العمال الشيوعي الروسي. أيقظ كثيرين في أوائل التسعينات، وقاتل حين لم يكن هناك بعد لا الحزب الشيوعي الروسي ولا غيره من المنظمات الوطنية اليسارية. وقال لحظة الإفراج عنه يوم 26 فبراير 1994 من سجن ليفورتوفو (إثر "انقلاب لجنة الطوارئ" المزعوم):
"لو أصبح الخبز أرخص بينما كنت أنا في السجن، لو أصبحت خيرات التقدم أكثر في متناول الكادحين، لكان يلتسين على حق، ولكان النضال ضده لا معنى له. ولكن ما دام الخبز أصبح أكثر تكلفة، وأصبح إفقار الشعب العامل أكثر شراسة على خلفية ترف وثروة قلة قليلة، فإن نضالنا ضد رأس المال سيستمر. ومعا سننتصر!".
في 15 يناير/كانون الثاني عام 2018 صمت صوت فيكتور أنبيلوف إلى الأبد. فقد توفي هذا السياسي المثقف والعريق نتيجة سكتة دماغية كبرى.