سقوط الاقنعه (10) والاوراق المتساقطة ورقة الحكم الذاتي المحدود للفلسطينيين

فتحي علي رشيد
2018 / 1 / 22

مما لاشك فيه أن الناس في الظلمة الداكنة يصعب عليهم التمييز بين الخيطين الأبيض والأسود . كذلك في السياسة عندما تكون الأوضاع كالحة سوداء أومتردية كتلك التي تمر بها أمتنا العربية اليوم . حيث بات يصعب على الكثير منا التمييز بين الشرف والخيانة , وبين الأصالة والوضاعة والنتانة . وفي مثل هذه الحالات كما في أوضاعنا الراهنة , واستنادا لما مر علينا فلقد تداخل كما هو اليوم العمل البناء والقول الطيب مع العمل السيئ والقول الملغوم (الذي يحتمل التأويل ),مع القول الصريح والواضح . لكنه مهما طال الزمن ومهما عميت الأبصاروغسلت العقول , فإنه لابدوأن يأتي وقت يتمكن فيه الناس المتمسكين بحقوقهم من التمييز بين الخطأ والصواب .ومن معرفة ماهو الصح وما هو الخطأ. ومن التفريق بين الموقف الوطني الصحيح والموقف المتخاذل والملغوم . وإن صعب عليهم ذلك الآن ـ فإنه يتوجب على الخيرين والواعين منهم ـ كما يتطلب الحال ـ دائما وأبدا ـ مساعدتهم على إزالة اللبس والغموض , وإظهار الحقيقة .
ومن المؤسف أن نقول أن كثيرا من جماهير شعبنا , وعلى الرغم من مرور ربع قرن على اتفاق أوسلوا مازالت تبرر لهذه القيادة آثامها وخطاياها , وتبحث لها عن الحجج والمبررات للكثير من التنازلات والتراجعات التي قامت بها ـ وعلى الرغم من الكوارث والمصائب التي حلت بهم وبقضيتهم ومستقبلهم بسببها .
ولقد كشف كثير من المفكرين والباحثين والمناضلين الشرفاء أمثال منير شفيق وإدوارد سعيد منذ عام 1994 أن ذلك الاتفاق يمثل نقطة تحول جذرية في مواقف المنظمة ستقود إلى تصفية القضية الفلسطينيية .إلا أن أغلب العرب والفلسطينيين لم يتيقنوا من ذلك , كونهم لايمكن أن يصدقوا أو يتخيلوا أن قيادة هذا الشعب , القيادة التي زعم أنها ناضلت وضحت ,وقادت النضال الوطني وتصدت لكثير من المؤامرات .يمكن أن تخون شعبها وقضيته . أوأنها يمكن أن تطعنه في الظهر .كونها ( وهذه أحد أهم سمات الدجل السياسي ) أنها تدعي كما كانت ما تزال تتمسك بالحقوق , خاصة عند كل تنازل وتراجع وتقهقر. ولهذا نقول أن غالبية جماهيرنا الطيبة والبسيطة والصادقة كانت وظلت تتأمل وتحلم وتصدق وتبرر ماتقوله لهم قيادتهم ,انطلاقا من ثقتهم ( كجماهير ) بعدالة قضيتهم وصدق نواياهم ومن الثقة بأنها لابد أن تنتصر . وعلى الأقل ـ من أنه لابد أن وأن يأتي يوم يتحقق فيه جزء من حلم نبيل , حلم أن يكون لهم دولة أسوة بجميع بني البشر الذين لايزيدون عنهم في شيئ , وحتى تحول الحلم الذي طال انتظاره إلى القبول ولو بدويلة أو شبه دويلة على ماتبقى , أو على ما يمكن أن تتخلى عنه إسرائيل من أرض فلسطين التي احتلت عام 1967.
وبصدد هذه المسألة , أعتقد أنه كان يفترض بالفلسطينيين أو أغلبهم منذ عام 1999, أي بعدخمس سنوات من تكوين ماسميت سلطة الحكم الذاتي للفلسطينيين (قيل أنها سلطة وطنية فلسطينية ) حسب مانصت عليه اتفاقاقات أوسلوا . أن تنتهي المرحلتين الانتقاليتين الأولى والثانية , حتى تتحول سلطة الحكم الذاتي إلى سلطة دولة كاملة السيادة .حيث كان من المفروض حسب اتفاقيات أوسلوا , وهو ماجعل كثير من الناس الطيبين والبسطاء تقبل بالاتفاقيات استنادا لما تنص عليه "بأنه بعد خمس سنوات بعد الانتهاء من المراحل الإنتقالية ( من ب إلى أ ومن ج إلى ب ومنها إلى أ ,إي انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال مع تسليمها لسلطة الحكم الذاتي ) سيتم البحث في قضايا الحل النهائي (مسألة الحدود والقدس والمستوطنات والمياه والأمن والسيادة الكاملة ,واللاجئين ) بعدها يمكن أن تتحول سلطة الحكم الذاتي المحدود وبالتدريج إلى سلطة لدولة مستقلة . لكن للأسف وعلى الرغم من مرور 24 عاما , نقول ونؤكد على أن سلطة الحكم الذاتي المحدود لم تتطور بل على العكس تراجعت من سلطة حكم ذاتي إلى أداة لخدمة الاحتلال أو للتغطية على عمليات التوسع الاستيطاني ( الذي تضاعف أربع مرات مما كان عليه قبل دخول السلطة ) ولتبريرعمليات التهجير وزيادة إعداد المستوطنين خمس مرات . وتمزيق الضفة الغربية إلى خمسين قطعة معزولة عن بعضها بدلا من ثلاث قبل دخول السلطة . ومن المؤسف أننا ،نجد بيننا من يطلق على هذه الفئة من الأدوات الناطقة باسم القضية ,إسم أو مصطلح "سلطة وطنية " .
, وبعد أن تم تجاوز الخمس سنوات تم تأجيل الموضوع ( تحول الحكم الذاتي المحدود إلى شبه دولة ) إلى عام 2000 حيث جرت مفاوضات كامب ديفيد , دون نتيجة أو جدوى , ( وطبعا تلقي القيادة المسؤولية على إسرائيل وحماتها , وتبرأ نفسسها من أية مسؤولية ,منذ بداية ماسمي مؤتمر مدريد للسلام حيث قال شاميرلجماهير حزبه " أننا مستعدون لمفاوضتهم خمسين سنة دون أن نجعلهم يحصلون على شيئ " . وهكذا حصلت ماسميت الانتفاضة الثانية , دون جدوى , ودخل على الخط بوش الابن وميتشل ودون جدوى , وبدأت جولة جديدة من المفاوضات انتهت باتفات طابا وشرم الشيخ وتلتها جولات وجولات دون جدوى ,ودخلت الرباعية على الخط دون جدوى ,ثم انفردت أمريكا بالاشراف على المفاوضات ورعايتها بموافقة قيادة سلطة الحكم الذاتي وبإرادتها , الحرة ( وكما قال عباس في كلمته أمام المجلس المركزي , أصبح قرارنا مستقلا منذ أن خرجنا من بيروت , وومن يومها نحن كفلسطينيين , لانأخذ تعليماتنا من أحد , ومنقدر نقول لا لمين مكان وو ين مكان ) بما يعني أن تلك القرارات التي اتخذتها القيادة الفلسطسنية كانت من رأسها هي وليس نتيجة لضغط من أحد كما تروج . بما يعني أن أي قرار اتخذ وأي تخاذل أو تنازل أو تراجع حصل فإنما حصل من رأس القيادة نفسها ) , واستمرت المفاوضات تحت رعاية الإدارة الأمريكية حوالي عشر سنوات دون أي نتيجة مفيدة . بل على العكس تماما حتى فوجئ الجميع بقرار ترامب , الذي لايخرج القدس من مفاوضات الحل النهائي فحسب , بل ويخرج معها المستوطنات والحدود والمياه واللاجئين والسيادة . بما يفهم منه أن القيادة التي حصرت المفاوضات برعاية أمريكا ( المعروفة ) كان عليها أن تتوقع ماحصل بل ماهو أسوأ . (وهذا ماكان الكثيرون يحذرون القيادة الفلسطينية منه ) , حتى وقع الفاس بالراس , وحتى قطعت الإدارة الأمريكية ذلك الشك باليقين , وأثبتت أنها وإسرائيل منذ البداية وحتى الأن وفي المستقبل لاتريدان لادويلة ولاشبه دويلة , بل سلطة فلسطينيية قمعية ( كباقي السلطات العربية ) وفي فلسطين ـ خاصة ـ لتكون وتبقى وتظل مجرد سلطة لإدارة أمور الناس المعيشية , بما يخفف عن إسرائيل أعباء كثيرة وبخاصة أعباء الأمن ( 60ألف شرطي ورجل أمن فلسطيني تدفع أمريكا والاتحاد الأوروبي رواتبهم و60 ألف موظف يدفع الاتحاد الأوروبي رواتبهم , حيث يقوم الجميع بما تعجز عن القيام به كل قوات وجنود ورجال أمن الاحتلال ( كون أهل مكة أدرى بشعابها {إي بمعرفة أسماء أبناء فلسطين كلهم , وبخاصة المناضلين والشرفاء وسيرهم الذاتية , وأماكن أقامتهم وأسلوب عملهم }على حد قول جبريل الرجوب ) . وكان يفترض ( بعد ذلك القرار )بسلطة كهذه ممثلة اليوم بالمجلس المركزي واللجنة التنفيذية ورئيسهما محمود عباس (بعد أن ألغي ,أو لم يعدهناك أي وجود لمجلس وطني أوتشريعي أو منظمة تحرير ) . إذا كانت سلطة وطنية كما تزعم وتسمي نفسها , أن تتوقف فورا عن التنسيق الأمني وتراجع حساباتها , وأن تتخذ قرارات حاسمة كونها كما قال الزعنون وعباس تمر بنقطة مفصلية أومرحلة حاسمة , لايوجد بعدها , لاسلطة حكم ذاتي محدود ولا دويلة ولاشبه دويلة , بل مجرد أدوات للتغطية على الخطوات التي يفترض بالسلطة ( سلطة الأمر الواقع ) القيام بها لتمرير ماتريد أمريكا وإسرائيل القيام به لإنهاء ماتسمى القضية الفلسطينيية . وهذه هي حقيقة صفقة العصر إذا جاز لنا أن نسمي ذلك صفقة وليس خيانة . وأنا شخصيا أعتقد
أولا : أن حديث محمود عباس عن صفعة ترامب كما لوأنها هي صفقة العصر المزعومة ماهو إلا تسخيف والتفاف وتضليل للتغطية على الصفقة التي ترتب أجهزة سلطة الحكم الذاتي وبشكل خاص لجنتها التنفيذية ومجلسها المركزي والأمن العام والأمن الوقائي ( بالتعاون مع مخابرات وساسة كثير من الدول العربية والإدارة الأمريكية وإسرئيل ) للقيام بها منذ اتفاقيات أوسلوا. ولما هو مطلوب منها القيام به في المرحلة المقبلة .وأقصد بقاء سلطة الحكم الذاتي المحدود في رام الله والتمسك بها , بمباركة عربية ودولية حتى تتم التصفية النهائية للقضية الفلسطينيية ( صفقة القرن ) .حيث أكد كيري في أكثر من مناسبة أن الحفاظ على السلطة الفلسطينية ضروري من أجل بقاء وأمن إسرائيل.
ثانيا : أن قرارات المجلس المركزي ( تحويل قرار تعليق الاعتراف بإسرائيل وتجميد التعاون الأمني وفك الارتباط اقتصاديا بإسرائيل ,وجعل كلفة الاحتلال ثقيلة إلى اللجنة التنفيذية تُساقا مع ماتخطط له إدارة الحزب الديمقراطي في أمريكا } ماهي إلا نوع من المماطلة والالتفاف على قرارات مصيرية كان يجب أن يأخذها المجلس المركزي , بصورة حاسمة وبدون أي لف أو دوران أومماطلة أو مواربة أوتأجيل ـ هذا إذا كان يمثل سلطة وطنية فعلا لاقولا ـ فلقد طفح الكيل ( كمازعم السيد محمود عباس نفسه في خطابه أمام المجلس) .
ثالثا : يفترض بالفلسطينين الشرفاء والمخدوعين والصابرين والمرابطين إلى يوم الدين والمتمسكين بدينهم ووطنهم وشرفهم ومبادئهم ,بعد كل ماجرى, وبخاصة بعد تلك القرارات المواربة والملتبسة وبخاصة بعد الاصرار على التمسك بالمفاوضات والسلام ,وبالمقاومة السلمية كخيار وحيد فقط . أن يقطعوا الشك باليقين , وأن لايصدقوا كلمة واحدة مماتقوله هذه القيادة , وأن يدركوا أن تلك القيادة ( كما كانت حسب بنيتها وتركيبتها وفكرها وانتهازيتها وارتباطات وطبيعة الأشخاص المحسوبين عليها والناطقين باسمها ستظل وستبقى كما كانت وكما اختيرت ) لايمكن لها ولاتستطيع اتخاذ قرارات مغايرة لما اتخذته , ولما يمكن أن تتخذه لاحقا من قرارات في المراحل المقبلة .
وهذا ماقاله السيد محمود عباس علنا وصراحة عندما تعرض لإزاحة السيد أحمد الشقيري عن قيادة المنظمة . حيث قال " يللي ما بييجي على قد إيدهم بطيروه " يعني أن من يخرج على قرارتهم ,وما يريدوه ,يطيرونه , كما فعلوا بأحمد الشقيري ويحيى حمودة وعبد الرزاق اليحيى وأبوعلي إياد وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار ,وماجد أبو شرار ,وسعد صايل0 وخليل الوزير وصلاح خلف وأبو الهول وابو العمري وياسر عرفات , وغيرهم المئات , بل الآلاف ممن اغتيلوا غيلة وغدرا أو غرر بهم وتمت تصفيتهم بطريقة أو بأخرى .
وهذا مالمح إليه السيد محمود عباس وهدد به الحضور ضمنيا , مازحا , ردا على ماقاله أحدهم بعد أن قال بطيروه . "دير بالك على حالك " .:انا مش فارقة معي العترة عليكم انتو الشباب " .بمعنى إياكم أن تخرجوا عما يريدوه وإلا فإن مصيركم الطيران . إي سوف تصفون وتزاحوا من الطريق كما أزيح غيركم ومن هم أكبر منكم . يعني اخنعوا وسلموا . ونحن نعرف كما يعرفون هم ,معنى هذا , أنهم إن لم يذعنوا سوف تقطع عنهم الرواتب . وتسحب منهم بطاقات الفي آي بي , وإن خرجوا لن يعودوا إلى فلسطين , وإذا خرجوا لن يجدوا مكانا يأوون إليه . وسوف يفقدون العز والأبهة والفخامة .التي يرفلون بها بسبب ذلك الدور والوظيفة الملقاة على كاهلهم . ولهذا أنعذرهم !ونقول , كان الله بعونهم !.
فتحي رشيد
22 / 1/ 2018