رد متأخر لكنه مفيد (حول دراسة مهمة للكاتب اليساري علاء اللامي )

سلام كاظم فرج
2018 / 1 / 22

رد متأخر جدا لكنه مفيد (حول دراسة مهمة للكاتب اليساري علاء اللامي ..)
سلام كاظم فرج..
ابتداء لابد من بيان فهمي وتعريفي لمصطلح الكتلة التأريخية بعيدا عن غرامشي وسوريل وماركس وانجلز وبرودون..
الكتلة التاريخية هي كتلة بشرية تجمعها / أهواء/ مصالح / قيم / علاقات إجتماعية / وسائل إتصال/ قدرة على إنتاج قادة /شعراء / فنانين/ مفكرين/ خطباء / كتاب./.قضاة وتمتلك ما يمكن ان نسميه بالقوة الناعمة.. والكتلة التأريخية في بدايات تشكلها تكون حبلى بإمكانية التغيير الجذري لما هو سائد ومهيمن ..
يقول الأستاذ اللامي :وينسب سلام كاظم فرج مفهوم الكتلة التأريخية الى ابن خلدون وهذا خطأ إذ يخلط بينها وبين مفهوم العصبية عند ابن خلدون. وبينها وبين تكتل الطبقات لدى ماركس وانجلز..
في الوقت الذي أعبر فيه عن تقديري العالي للجهد القيم الذي بذله الأستاذ اللامي في دراسته لابد من الرد على ملاحظته هذه.. كنت في معرض تعريفي لمفهوم الكتلة التأريخية وفق غرامشي وهو تلميذ نجيب لماركس وانجلز ولينين وفيلسوف ماركسي مهم أحاول تبسيط المفهوم لتقريبه من جمهرة واسعة من القراء معتمدا على قراءة قديمة لكتابه الفذ الأمير الحديث وكراسات السجن وهي مجموعة رسائل لوالدته كتبها معلنا قطيعته مع الستالينية( واعتقد ان رؤية الأستاذ اللامي لغرامشي بإعتباره قد تأثر بالمفكر السنديكالي (جورج سوريل)واقتبس منه مفهوم الكتلة التأريخية) راجع إلى ادبيات اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي المنحازة لستالين والماكنة الإعلامية له... فكما هو معروف تاريخيا ان السنديكالية (النقابية ) تطلق بما يشبه الشتيمة عند قدامى الشيوعيين وفقا للهجوم الشرس عليها من قبل لينين في مجمل كتاباته .. وقد اضمحلت بعد نجاح ثورة أكتوبر لكنها بقيت كنوع من الشتيمة الرادعة لكل من ينحرف قليلا او كثيرا عن الخط الستاليني السائد آنذاك.. وإلا فإن غرامشي أبعد ما يكون عن النقابية او البرودونية الفوضوية.. لكن قطيعته مع ستالين جعلته هدفا لانتقادات شتى حجمت تأثيره في وقتها لكن فكره بزغ مجددا في الستينات والسنين اللاحقة..
اما عن مفهوم العصبية او الشوكة (لدى ابن خلدون)فقد أوردته كمقدمة لفهم معاصر وراهن وعراقي او عربي لمفهوم الكتلة التاريخية.. فالعصبية تعني وجود كتلة بشرية تلتقي مصالحها وأهواءها على مجموعة من القيم فتؤسس حراكا(تقدميا او رجعيا لافرق) واطلق ابن خلدون مفردة العصبية على تلك الحراكات الممتدة من الجاهلية حتى تشكل الدولة العربية في عصر الخلفاء الراشدين ثم الامويين فالعباسيين... ودرس بدايات نشوء الدولة العربية في الاندلس وتشكلها وقوتها ونهضتها ثم تدهورها وإضمحلالها وأرجع كل ذلك الى قدرة العصبية (وشوكتها )على تحقيق التغيير سلبا او إيجابا ووضع نظرية اعتدها صالحة لدراسة كل المجتمعات السابقة واللاحقة.. وأعطى أهمية للدور الاقتصادي في تشكل الافكاروالقيم الجديدة من خلال مفهوم (العمران) والذي يناظر مفهوم الحضارة ويناظر المفهوم الماركسي لتأثير التغيير في البنى التحتية على البنى الفوقية.. وجادل في الصراع الذي اعتبره سرمديا بين قيم البداوة والمدنية استنادا الى توفر وسائل الإنتاج ونوعيتها ولا أشك بتأثر كل من اوغست كونت مؤسس علم الاجتماع المعاصر وماركس بأطروحة ابن خلدون الفذة في فهم تأريخ المجتمعات .. لكن الثورة الصناعية في اوربا اوجدت قيما وتحديات جديدة جعلت من تبلور الماركسية الى ما وصلت اليه امرا حتميا ..وبهذا بقي ابن خلدون ممثلا لعصره فقط دون ان تفقد اطروحاته قيمتها واهميتها في فهم جذور حراك الطبقات او تشكلها.. من اجل ذلك اعتبرنا ان الحديث عن مفهوم العصبية والشوكة ممر لفهم ما عرف فيما بعد بالكتلة التأريخية بغض النظر عن من استعملها أولا كمصطلح..
وإن كانت قد وردت كمفردة في كتابات سوريل فإن الفضل في تأسيسها وانتشارها وتأصيلها يكون لانطونيو غرامشي بلا جدال..
يكرر الأستاذ اللامي بشكل لافت جملة وكأنه يدفع تهمة عن فكرته ...الجملة تقول (اننا لا ندافع عن مفهوم إصولي غرامشي ما بقدرتعلق الأمر بمنهجية التحليل النقدي التي نتبناها..).. هذا التكرار والتوكيد (وهو مهم وصحيح ومفهوم) ينقلنا الى حقيقة ثبتها الأستاذ اللامي نفسه في مقالته .. لنقرأ ما كتبه علاء اللامي [يحاولون تطبيقَه على مجتمعٍ مائعٍ طبقيًّا ومشوّهٍ سوسيولوجيًّا كالمجتمع العراقيّ في أيّامنا؛ مجتمعٍ سحقتْه الدكتاتوريّةُ الصدّاميّةُ وحروبُها، ومعها الحصارُ الغربيُّ الضاري، سحقًا مخيفًا، فبات أقربَ إلى الهلام الغامض. فأيّةُ علاقةٍ تربط بين "الكتلة التاريخيّة" الغرامشيّة وواقعها الإيطاليّ من جهة، وبين الواقع العراقيّ الراهن من جهةٍ ثانية، حتى سَمح البعضُ لأنفسهم باستيراد ذلك المفهوم لتسويق التحالفِ مع أحد أطراف النظام العراقيّ؟ وهل كان مفهومُ "الكتلة التاريخيّة،" أصلًا، مفهومًا سياسيًّا يؤسِّس نظريًّا لنوع من التحالفات السياسيّة، أمْ هو مفهومٌ ثقافيٌّ ضمن سياق ابتكار غرامشي لمفهوم "المثقف العضويّ" عبر تنفيذ استراتيجيّته لبناء "الهيمنة الثقافيّة المضادّة" للهيمنة الثقافيّة الطبقيّة السائدة؟]..
نتفق مع الكاتب ان مجتمعنا العراقي مائع طبقيا ومشوه اجتماعيا. ونقر ان الدكتاتورية قد سحقته سحقا والحصار مسخه مسخا فبات أقرب الى الهلام الغامض..لكننا نجيب الأستاذ على سؤاله (أية علاقة تربط بين الغرامشية وواقعها الايطالي من جهة والواقع العراقي من جهة أخرى.؟.)
أقول له: ان ما تفضلت به صحيح..لكن السؤال الأزلي يبقى يلح: ما العمل؟؟ هل ننتظر توفر ظروف اجتماعية موضوعية وسياسية كما توفرت لتولياتي وغرامشي والتي جعلت من الحزب الشيوعي الإيطالي فيما بعد قوة جماهيرية هائلة ؟؟ ام نعمل بصيغ توفيقية (بشرط ان لا تكون تضليلية كما ظننت ظالما للمفكر محمد عابد الجابري..).. ان ما طرحه الجابري عن التجربة الإيرانية عين الصواب فالصراع المبكر بين قوى الثورة بدد الكثير من الجهود في تأسيس منظومة قيمية ديمقراطية فاعلة..
سنتفق مع الأستاذ اللامي حول مفهوم الكتلة التأريخية وفق غرامشي لم يكن سياسيا او مرحليا ولاعلاقة له بتأسيس تحالفات مرحلية بل هو مفهوم ثقافي أورده غرامشي في معرض شرحه لمفهوم المثقف العضوي ودوره في تحقيق الارتقاء الاجتماعي وتشكل كتلة اجتماعية وثقافية قادرة على التغيير الثوري نحو الأفضل.من خلال بناء هيمنة ثقافية مضادة للهيمنة الثقافية السائدة... واتفاقنا مع الأستاذ اللامي لا يطيح بفكرة الدكتور الجابري حول التحالفات التي اقترحها بين نخب عربية مختلفة فواقع غرامشي ونظريته يختلف تمام الاختلاف عن ما نحن فيه كعرب .. لكن نظريته صالحة لتبيان أهمية التأسيس لكتلة تأريخية تحطم اصنام الجهل والتبعية والاستغلال.. والعمل على تشكل وعي جديد فاعل ومؤثر يحمل بذور التغيير..وهيمنة تقدمية مدنية تكون بديلا لأسطرة الماضوية وهيمنتها على الحاضر من خلال جملة من الحراكات ومنها الحراكات الشعبية كالتظاهرات والانتخابات والكتابة في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والظهور في ندوات تلفازية وتقديم النظريات والدراسات المؤدية لمغادرة حالة الخذلان الثقافي والمعرفي..كل ذلك سيؤدي الى خلق الكتلة التأريخية التي وعد بها غرامشي ووضع أسس تطبيقها.. لكن اتباع فكرة غرامشي لا يعني بالضرورة التطبيق الحرفي لها.. فالشعب الإيطالي والشعوب الاوربية في زمنه كانت تعيش مرحلة نهوض حضاري جارف لكنه مهدد من قبل الفاشية وشتان بين ما نحن عليه الان وماكانت عليه اوربا زمن غرامشي..
اما بالنسبة لعراق ما بعد سقوط الدكتاتورية.. لم يكن تحالف اليساريين وخساراتهم المتكررة في كل تحالف إلا نتاجا لما ثبته علاء اللامي نفسه من حقائق(مجتمع مائع طبقيا وأقرب الى الهلام الغامض !!!) وليس نتاج أخطاء استراتيجية او تاكتيكية للحزب الشيوعي الذي اختلف معه ومع الكثير من سياساته.. لكني أفهم ان ليس بالإمكان له كحزب أبدع مما كان. ولو اكتفى بالتنظير المشابه لما تطرحه فصائل يسارية عراقية كثيرة كالحزب الشيوعي العمالي او اليسار الديمقراطي او ما يكتبه مفكرون مثل جناب الأستاذ اللامي لما سمعنا بوجود شيوعي واحد في عراق الحضارات .. ويحضرني هنا بيت شعر كتبه الشاعر الراحل كزار حنتوش في تهويمة من تهويماته الجميلة ( مثل شيوعي في جيبوتي غريبة ووحيدة وضائعة انت ايتها الروح..)..
وضياع الشاعر ووحدته وغربته وإغترابه في بلد الشعراء مأساة كبرى.. ودليل تفكك وإنمساخ( ان صح التعبير) لمجتمع كان فاعلا في الاربعينات والخمسينات.. ولكن ومثلما تفضل الأستاذ اللامي.. جرى ما جرى.. فما العمل؟؟
العمل على إيجاد صيغة توفيقية ليست تضليلية لمفهوم غرامشي ..ومن اجل ذلك سنكتب ان سمحت الظروف عن تعاون الأنصار الشيوعيين في اليونان أبان الحرب مع بعض فقراء القساوسة ورجال الدين الوطنيين .. وربما نتحدث عن رواية كازنتزاكي الاخوة الأعداء وموقف رجل الدين المتعاطف مع الشيوعيين الحمر لوجود ابنه الأكبر في صفوفهم.. والمتعاطف أيضا مع البيض بوجود ابنه الأصغر معهم.. وسنكتب ربما عن جدل التنظير والممارسة الميدانية , وأهمية المطلبية والنقابية وتقديم ثقافة الخدمات على ثقافة الأدلجة وأهمية الجريدة والمنشور القريب من حاجات الناس وأهمية تنسيق التظاهرات بين تيارات متناقضة الايدلوجية متفقة الحاجة الى الإصلاح والتغيير !!!بمعنى اننا إذا ابتعدنا مضطرين عن غرامشي فلم نبتعد ابدا عن اليسار وحراكه تأريخيا !!!

http://al-adab.com/article/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%91%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%8C-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82%D9%87%D8%A7%D8%8C-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%88%D9%8A%D9%91