خذوا إلهكم وغادروا أحلامنا

سعود سالم
2018 / 1 / 22

ها هي مدنكم تجتاحها الريح العاتية والعواصف الرملية، تتحول إلى خرائب ويباب، تفوح منها رائحة العفن والموت، يحتلها الذباب والكلاب. ها هي مدنكم وقراكم تتحول إلى مقابر مهجورة تصفر فيها العواصف والرياح وها أنتم تتحولون إلى قطعان من الأشباح غارقون في الندم والإحساس بالخطيئة والرغبة في غسل أيديكم من دماء ضحاياكم. ولكن أين تجدون الماء وقد جفت الأنهار تحت خطاكم وجفت العيون والبحار ؟ تهيمون جثتا متيبسة يأكل قلوبكم الخوف والقلق، وتصلون لإله طاغية سكران مسطول، فقد عقله من فرط ما أرتشف من دماء الأبرياء. تهيمون أمواتا في ساحات المدن الموبوءة بالقداسة والقذارة والملطخة جدرانها بالدم والأشلاء، ملايين الذباب، كالغيوم تلاحقكم في الليل والنهار ورائحة المجزرة تثير في أجسادكم شبق الأموات. تختنقون بالحر والغبار وتحرق جلودكم الجافة شمس الظهيرة في شوارع وساحات المدن المقفرة، العجز والملل والحقد والغيرة تنهش قلوبكم وصدوركم المسلولة. وإلهكم المزيف يتجول بوجه قتيل في الشوارع الممتلئة بالجثت المتفسخة المنتفخة ذات اللون الأزرق، تلاحقه الديدان المصعوقة بالرعب تلطم صدورها هلعا قبل أن تعود لقبورها المظلمة وتواصل النواح وصرخاتها التي لا تطاق : أهذا هو ما يريده الله ؟ ولكن أي إله ؟ ربما إلهكم هذا ما هو إلا الشيطان بعينه وقد أزاح الله من عرشه وأستوى على العرش مكانه ؟ فكيف ستتعرفون عليهم وكيف ستميزون بينهم وهم يتبادلون الوجوه والصفات في كل لحظة ؟ كيف ستفرقون بين الله والشيطان وهما توأمين ووجهان لعملة واحدة ويتبادلان الأدوار؟ أفهذه هي إرادة إلهكم الرحيم، وهل هكذا يحب الله عباده الفقراء ؟ جثثا على قارعة الطريق، فماذا حدث لكم ؟ وأي وباء أصابكم ؟ وكيف فقدتم إنسانيتكم ؟ وهل أنتم بشر ؟
ماذا فعلتم بالإنسان البسيط الكادح ؟ ماذا فعلتم بالأطفال الأبرياء ؟ ماذا فعلتم بالإمهات المتعبات المرهقات ؟ ماذا فعلتم بالحب وقطرات المطر وليالي السمر الدافئة وترقب لألأة النجوم ؟ ماذا فعلتم برائحة التراب المبلل بالمطر في الصباح ؟ ماذا فعلتم بارتعاشات القبلة الأولى ؟ ماذا فعلتم بالكلمات الرقيقة واللمسات الخفيفة ؟ ماذا فعلتم بحقول الكروم وحدائق الأزهار الظليلة في حر الظهيرة ؟ ماذا فعلتم ببراءة الفقراء ؟ ماذا فعلتم بالصداقة، بالإخوة، بالأبوة وبالأمومة بالدفء والحنان ؟ ماذا فعلتم برغيف الخبز الساخن بعد يوم طويل من الكد والعمل ؟ ماذا فعلتم بلذة كوب الماء البارد بعد عطش ؟ ماذا فعلتم بالشعر، بالرسم، بالموسيقى، بالرقص، بالفرح، بالبهجة والمرح ؟ ما فعلتم بالعقل، بالجمال، بالحقيقة ؟ ماذا فعلتم بالحياة ؟ وهل أنتم أحياء ؟
حرقتم المدن ودمرتم القرى، قتلتم، ذبحتم، قطعتم الرقاب والرؤوس، حطمتم، ضربتم بالقنابل والقاذفات والراجمات والطائرات والصواريخ وبراميل المتفجرات، بالسكاكين، بالفؤوس. سرقتم الماء والنار وجففتم البحر والأنهار وسرقتم الملح والخبز والبترول، سرقتم الليل والنهار، سرقتم براءة الأطفال والرجال والنساء، سرقتم التاريخ، سرقتم الحاضر والمستقبل. قتلتم، مزقتم، شردتم، حرقتم، فجرتم، ذبحتم، شنقتم، رجمتم، فماذا تريدون ؟ ماذا تريدون ؟ ومن أي كوكب أنتم قادمون ؟ أية لغة تتكلمون غير لغة السكاكين والسيوف والخناجر ؟ ماذا تريدون منا ؟ أخرجوا من أرضنا واخرجوا من زماننا وعودوا إلى عصوركم الغابرة، أطلبوا من آلهتكم -أو من أمريكا أو إسرائيل- أن تصنع لكم عربة أو سفينة زمنية تجتاز السنوات والقرون وتطوي الأزمان والأحقاب وتعود بكم إلى ماضيكم التليد. أخرجوا من زماننا وعودوا إلى زمانكم. فلا أحد يحبكم هنا، فأنتم وباء، كارثة، مصيبة، كالطاعون تفوح منكم رائحة الموت وتنشرون الخراب والدمار والعفن. لا أحد يحبكم هنا فعودوا إلى جنتكم واتركونا هنا في أرضنا البسيطة. فنحن لا نحبكم ولا نحب أصنامكم، لأننا لسنا عبيدا ولإننا لا نحب شيئا كما نحب الحرية، ولا حرية مع إلهكم .. وإنما الإستسلام ‪والتسليم والعبودية والركوع والسجود والإنبطاح والخنوع والخضوع والطاعة والإمتثال والرضوخ والإنصياع وخفض البصر .. الخوف هو المادة الأولى من دستوركم وشريعتكم، دستور العبيد .. عبيد العقيدة .. عبيد السلطة .. عبيد الخرافات والأوهام، عبيد المال ورأس المال. ولا نحب كلماتكم ولا آياتاكم ولا أحاديثكم ولا صلواتكم ولا طقوسكم ولا شعائركم، فغادروا زماننا وفضائنا وأحلامنا، واحملوا معكم إلهكم ونبيكم وكتابكم وشيوخكم وفقهائكم، وخذوا معكم أسلحتكم ومدرعاتكم وقنابلكم ورصاصكم وطائراتكم وجيوشكم وفيالقكم. غادروا حياتنا وتاريخنا .. فنحن لا نحب شيئا سوى الحياة ولا نعبد سوى الريح والمطر ورمال البحر وزماننا الحاضر وعيون البشر.