خمارة دليلة والزئبق -8-

علي دريوسي
2018 / 1 / 22

كنا نعمل ونعمل كل يوم حتى وقتٍ متأخرٍ نسبياً، كنت أنتظر المصعد المراد صيانته في الطابق الأول، بالأحرى كنت جاهزاً لتنفيذ تعليمات معلمي الذي أخذ مكانه في الطابق الأخير، أو كنا نلتقي كلانا في غرفة محرك المصعد، كان يقوم بأعمال الصيانة الكهربائية بأريحيةٍ وثقةٍ مثل أي خبير غربي قرأنا عن قصصه في معامل الغزل والنسيج مثلاً، بينما وأنا أنتظر صوته الهادر في بئر المصعد والآمر بأن أضغط بالفاحص الكهربائي على وصلةٍ ما كنت أغني بغباءٍ رومانسي: "لمن أغني في عصر الذرة والنترون، لمن أغني في هذا الزمن المجنون".
كنا نتوقف ظهراً عن العمل لمدة نصف ساعة، نذهب إلى مطعمٍ شعبي، يشتري وفيق لي وله سندويش فلافل أو جبنة وزجاجتي سينالكو، نأكل ونتحدث غالباً عن السنابل، النصف الثاني للمجتمع. مع الأيام تعلمتُ معه كيف يعيش أمثاله، ما الذي يشغل بالهم، ما الذي يضحكهم ويبكيهم ويربكهم.

قال لي مرةً حين رأى اِمرأة مُحجَّبة رشيقة الجسد ونحن نأكل في استراحة الظهيرة: والله يا أحمد سرعان ما تستقيم موزتي بمجرد أن تلتقي عقارب الساعة الثلاثة فوق بعضها البعض في الساعة الثانية عشرة تماماً، فما بالك حين أختلي بإمرأة تعجبني؟ ثم تابع بفلسفته التي اعتدت على سماعها: جوهر الحياة يكمن في التَّعَرُّف على تفاصيل جسد المرأة بهدوءٍ شديد وكأنَّك تتعرَّف خطوة خطوة على تفاصيل شوارع المدينة حيث تعيش.

وحكى لي مرة عن عمته أم محمود الضَروطة وكاد يقع أرضاً من شدة موجة الضحك التي اِنتابته حتى أنَّه غصَّ بأقراص الفلافل وهو يمضغها فاِضْطَرَّ إلى رمي بقايا سندويشته في برميل القمامة:
"عندما كبرت خالتي أم محمود بالعمر راحت ترفع صوتها في وجه زوجها، إذ صار يتهمها على غير العادة بأنَّ رائحة طعامها كريهة ومذاقه سيء، مع الأيام صارت تجلب له الماء حين يطلب كأس شاي، عندما يتكلم معها عن شيءٍ ما ترفع صوتها وكأنَّها تقاتله وتتهمه بالخرس وضعف الصوت، مع الأيام ضبطت نفسها وهي تضرط المرة تلو الأخرى في الساعة الواحدة، حتى أنَّ زوجها بدأ ينتقدها بشكلٍ لاذعٍ أمام الأولاد، مع الأيام نصحتها أختها بزيارة الطبيب.
ذهبت أم محمود إلى عيادة الطبيب، لتشكي له حالتها: أعاني يا دكتور منذ مدة من اِمتِلاء بطني بالغازات، في الحقيقة لا يقلقني الأمر كثيراً لكنه غريب بعض الشيء، فأنا أُطلقها دائماً من فتحة الشرج دون صوت ودون رائحة. سأعترف لك بأمر: لقد أطلقت في هذه الدقائق العشرة منذ وجودي لديك في العيادة أكثر من عشرين ريحاً، أظنك بل متأكدة أنك لم تلحظ ما حدث، لأنها خرجت بكامل الهدوء وبدون رائحة!
قال الطبيب بابتسامةٍ باردة: لا بأس يا أم محمود، خذي علبة الحبوب هذه، تناولي منها حبة كل ست ساعات لمدة أيام سبعة، ثم تعالي للمراجعة.
بعد اِنقضاء الإسبوع عادت إليه وهي في قمة الإنفعال، ما أنْ رأته حتى صاحت في وجهه: ما الذي فعلته معي بحق الشيطان؟ ما نوع هذه الحبوب التي أعطيتها لي؟ أظنها فاسدة كالحكومة التي أدخلَتْها إلى البلد، ما زال لديّ الكثير من الغازات في بطني، ما زلت أطلقها بشكل دائم دون ضجيج، لكن رائحتها صارت لا تطاق كرائحة الجيفة...
أجابها الطبيب بابتهاجٍ: رائع جداً، يبدو أنني نجحتُ أخيراً بإعادة حاسة الشم إلى أنفك، سأهتم الآن يا خالة أم محمود بمعالجة أذنيك لتعود حاسة السمع إليك."
*****

بعد حوالي أسبوعين اِنتقلنا إلى ورشةٍ أخرى لصيانة مصعد في بنايةٍ من عشرة طوابق، كانت بناية شاهقة كبرجٍ تحيط بها بنايات كثيرة أقل اِرتفاع، الأبنية متلاصقة كعلب الكبريت كما العادة في المدن، حتى أنَّه يُخيّل للواحد منا بأنَّ القفز من بلكون شقة إلى بلكون شقة مقابلة أو من نافذة إلى نافذة مقابلة أمر وارد الحدوث هكذا ببساطة دون أدنى مخاطر. معظم سكانها هم من الشريحة الميسورة في المجتمع، ناس أنيقون بملابسهم، شققهم جميلة من الداخل إذ سنحت لنا الفرصة أكثر من مرة لرؤيتها، كان لبعض الأسر خادمات في منازلها.
حدث أنْ كنا نعمل في الطابق السادس، الذي اِمتلكه شخص واحد، حوّله إلى شقةٍ رخامية رحبة، لم يكن الطابق جاهزاً للسكن بعد، كانت إحدى نوافذه تطل مباشرة على نافذةِ غرفة النوم لشقةٍ في بنايةٍ مجاورة، كانت النافذة عريضة ومفتوحة على مصراعيها وكانت اِمرأة يافعة تنظف بلاط الغرفة بكامل الحرية وهي تغني مع الشحرورة: "أخاف عليك تروح وتفوتني محتارة، وتخلي دمعي يبوح بالسر للجارة".

قال وفيق بصوتٍ خافتٍ مُحذِّرٍ: تعال يا أحمد وأنظر إلى هذا الملاك، لكن إياك والصوت العالي.
كانت المرأة شهية بقميص نومها الزهري، بشعرها الهاطل وبمجرى نهديها، وما إن اِنحنت وأدارت لنا ظهرها دون أن ترانا لمحنا كيلوتها الداخلي الأسود من خلال قميصها الشفّاف، رسم القميص معالم عجيزتها، أزهر شيء في داخلي، رفع رأسه وكأنَّه شمّ رائحة الأرض بعد مَطْرَةٍ صيفيّة.
أبعدني معلمي بيده هامساً: دعني لوحدي فأنا أعمل على تطبيقها منذ بضعة أيام.
جلستُ قرب باب المصعد، راقبته وهو يقترب من النافذة بخطواتٍ واثقةٍ، سمعته يقول: "مرحباً يا حلو، اشتقنالك، لوحدك في البيت؟" وسمعتُ صوتها دون أنْ أفهم ما أجابته. مرت دقائق قليلة ثم اِختفى وفيق أهيفُ القدّ عن الأنظار كما القمر وراء السَّحَابِ، خمَّنت أنَّه قفز إليها من النافذة المفتوحة كالنَّمِر الغاضِب.
*****

إقتربتُ من المشهد السينمائي ورحت أتنصتُ على صدى أَنَّاتَها وأسترق النظر، رأيته فوقها، على سريرها وقد استلقى بين فخذيها العاريين وفمه على رقبتها بعد أنْ مسمر يديها بيديه، رأيت جسده يهتز، ثم نهض مرتبكاً يزرر أفروله، أما هي فقد جلست على السرير عارية ليهطل شعرها متحدراً من كتفيها فوق ثدييها الناعمين المكورين بتناسقٍ عجيب كزوج من طيور الْقَطَا، تمتمت في سري شطراً من الشعر لبدوي الجبل: "كزغب الْقَطَا لو أنّه راح صاديا .. سكبت له عيني وقلبي ليشربا".

بقفزةٍ واحدة من نافذتها رجع وفيق إلى عمله، مشى باتجاه بئر المصعد ورائحة الجنس تفوح منه، أشعل سيجارته، ضحك وهو يقول: الملعونة طيبة، جسدها أسعدني، أستطيع أن أكمل عملي الآن بهمةٍ أكبر، اليوم كان دوري وفي المرة القادمة سيكون دورك، سأعلّمك كيف تدخل على النساء من النوافذ. وأضاف: الدرس الأول في علم الجيوش هو احترام الرُتُبات العسكريّة.
في ذلك اليوم عدت إلى البيت يلاحقني مشهد الظهيرة، جافاني النوم إلى أن مارست العادة السرية.
*****
يتبع