أسئلة الوجود في رواية -أديب في الجنة- محمود شاهين

رائد الحواري
2018 / 1 / 22

أسئلة الوجود في رواية
"أديب في الجنة"
محمود شاهين
هناك العديد من الأسئلة تلازم وجودنا، من نحن؟، وكيف وجدنا؟، ومن أوجدنا؟، من هو الله؟، وما هي ماهيته؟، وأين هو؟، وكيف ولماذا خلقنا؟، وما علاقتنا بالكون؟، ما هو الموت؟، وما هو جحيم؟، وما هي جنة؟، وما هي الطاقة؟، وهل نستطيع أن نستغني عن الله؟، وهل نستطيع التحرر من أفكارنا الدينية؟، أسئلة كثيرة أخرى يقدمها الملك "لقمان" وعلينا أن نتوقف عندها.
رغم أن الرواية فكرية بامتياز إلا أنها تقدم لنا عالم خيالي، عالم الجنة وما فيها من نعيم، وتقدم لنا العوالم الأخرى وما فيها حياة، فالملك "لقمان" جال في الفضاء ووصل إلى ما لا يمكن للعقل البشري أن يصله، حتى أنه قدم لنا معجزة تتجاوز كوكب الأرض لتصل عظمة معجزته إلى العوالم الأخرى، فبعد أن واقع زوجته "نور السماء" حملت ب "سحب السماء" الذي حملت به وولدته خلال يوم واحد، وكبر في اليوم الواحد ثلاثة أعوام، "سيكبر ثلاثة أعوام في اليوم الأول لولادته، ومثلها في اليوم الثاني ومثلها في اليوم الثالث، وهكذا إلى أن يكمل ثمانية عشر عاما في ستة أيام، ليكون بذلك آية للبشرية تهديها إلى الصواب وطريق الخلاص" ص365، وهذا "سحب السماء" ما كان ليكون لولا تحرر الراوي من الأفكار التقليدية، فأراد به أن يكون "معجزة إلهة لم تحدث في تاريخ الخلق البشري من قبل" ص368و369، وكان "سحب السماء" غاية في الجمال حتى أن العديد من الأميرات والربات وقعن في حبه وتمنين أن يحظين به كزوج أو كعشيق، حنى أن هناك حروب كونية حصلت بسببه، وكانت آخر تلك الحروب مع أبو الربة "عشتار" الذي خاض حربا خاسرة مع الله رب الملك "لقمان" وانتهى به الأمر إلى الانتحار.
ما هنا يمكننا القول أن الرواية تعد خرقا وتجاوزا للأفكار التي نحملها، إن كانت على مستوى العقائد الدينية أو الفكرية التي نحملها عن الله وعن الكون وعنا نحن البشر، وعن الجن، وعن الجنة والجحيم والقيامة، وعن الزمن والوقت، عن المجتمع المثالي الذي نسعى له، عن الجنس عن الموت، عن الكون والعوالم الأخرى التي لا نعرف عنها شيئا.
التوحد
يحاول أن الراوي أن يفسر لنا حقيقتنا وعلاقتنا بالكون وبالخالق، وما هي العلاقة التي يمكن أن تفسر ـ منطقيا ـ حقيقة وجودنا، فهو يقدم أفكار وعلينا أن نتوقف عندها متفكرين بما جاء فيها، فهي ليست مقدسة بالتأكيد، لكنها مهمة لنتشيط الذاكرة والعقل ولفحص قدرتنا الإيمانية والعقائدية على الصمود أمام هذا التيار الجارف من الأفكار.
يقدم تفسير نشأت الكون بقوله: "فعملية الخلق يا صاحبات وأصحاب الجلالة، تكاملية بين الخالق وخلق، فلا خلق دون خالق ولا خالق دون خلق، ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وفناء أحدهما فناء للآخر، فالله في كل كائن في الكون وفي كل إنسان، يسري بطاقته العظيمة الخلاقة في كل جسد، وفي كل مكان، دون أن يحد وجوده مكان أو زمان، ونحن دون طاقته السارية فينا، لن نقدر على فعل شيء، أو أن نقوم بأية حركة" ص16، بالتأكيد لن نتفق في كل ما جاء به "لقمان" فهو ينفي وجود الخالق في حالة نفي وجود المخلوق/المخلوقات، وهنا نطرح سؤال: هل المقصود بالمخلوقات الكائنات العاقلة، الإنس والجن والملائكة؟ أم الجمادات والكواكب الأخرى؟ فإذا كانت الاجابة كل المخلوقات العاقلة وغير العاقلة فهذا يقودنا إلى أنه يمكن أن نستغني/نلغي وجودنا نحن، ونؤكد بقاء ووجود الخالق، ما دام هناك مخلوقات أخرى ـ الجمادات والكواكب ـ موجودة، لأن عدم وجودنا هنا لا يلغي الموجودات الأخرى ومن ثم لا يلغي وجود الخالق، لا يلغي وجود الله.
ومن مظاهر التوحد بين الخالق والخلق:
"لنشهد أن لا إله إلا الله
ونشهد أن الإنسانية حبيبة الله
هي إليه تستند
وهو عليها يعتمد
لا غنى للخليقة عنه
ولا غنى له عن الخليقة
فهو الواحد في الكل
والكل في الواحد يتحد" ص25، يحاول الملك "لقمان" أن يمرر مفاهيم خاصة به من خلال التوحد بين الخالق والمخلوق، وهنا المقصود بالمخلوق الإنسان دون سواه من المخلوقات الأخرى، فهناك الكواكب والمجرات والجمادات وحتى الحيوانات والأشجار التي تعتبر جزء اساسي وحيوي من الكون المخلوق، فهل هذه المخلوقات تستطيع الاستغناء عن الخالق؟، وهل الخالق يستطيع أن يستغني عنها؟، الاجابة على السؤال الأول بالنفي، لأن الخالق هو من يسير الكون ومن أوجد الاسباب لبقائها موجودة وفاعلة، بينما الاجابة على السؤال الثاني بالتأكيد، لأنه ليس بحاجة إليها، وهو في غنى عنها، ولا يشكل ـ فنائها ـ بالنسبة له أي مشكلة، وبما أنه المالك المطلق للكون وما فيه ويقدر أن يخلق عوالم أخرى من لا شيء، فإن فناء هذه المخلوقات لا يزيد أو ينقص من ملك الخالق شيء.
"لقمان" يحاول أن يمنطق أفكاره ويجعلها عقلية مجردة، يقول عن الله: "لم يكن هناك ومنذ الأزل إلا الخالق وحده، الذي كان يخلق نفسه بنفسه لنفسه، وظل يخلق نفسه بنفسه لنفسه، وما يزال يخلق نفسه بنفسه لنفسه" ص108، هل يمكننا القبول بفكرة أن الخالق يخلق نفسه بنفسه ولنفسه؟ أم يكفنا أن نقول أن الله موجود منذ أن لم يكن هناك احدا/شيء/ سواه، وكل ما بعده هو/هم مخلوق منه؟.
يحاول "لقمان" في موضع آخر أن يخلط الخالق بالمخلوق فيقول:
"أنا الله أل بلا حد
لا غنى للخلقة عني
ولا غنى لي عن الخليقة
فنحن الواحد في الكل
والكل في الواحد يتحد" ص133و134، لا أدري لماذا يصر "لقمان" على هذا الجمع بين ماهتين مختلفتين، ماهية الخالق وماهية المخلوق؟، ولماذا لم يفصل بين المخلوقات العاقلة إن كانت بشرية أم جنية أم نورانية أم غير العقلانية مثل الحيوانات والأشجار، وبين المخلوقات الأخرى من جمادات وكواكب ومجرات أو أي مخلوقات نحن لا نعرفها، وهي بالتأكيد موجودة؟
فهو يتعمد أن يوصلنا إلى هذه المقولة: "فالوجود واحد وليس وجودين، خالق ومخلوق، فالجميع حسب رأي جلالتكم خالقون ومخلوقون" ص140، فالمقطع الأول خاطئ لأنه هناك خالق ومخلوق، والمقطع الثاني صحيح نسبيا، بمعنى أننا نحن البشر مخلوقون وخالقون في الأرض، من هنا نحن نعمرها ونوجد فيها كل ما هو جديد، لكن لا يمكن أن نقول عن الخالق بأنه مخلوق أو أنه يخلق ذاته أو يخلق نفس.
"ويقول: "عملية الخلق تكاملية بين الخالق والمخلوق" ص145، فكرة صحيحة نسبيا، بمعنى أن الخالق الذي خلقنا وخلق الكون، أوجد الأسباب التي يمكننا من خلالها أن نطور العديد من الوسائل الخدماتية أو المعرفية التي تقربنا من المعرفة ومن الراحة وتبعدنا عن الجهل والتعب، من هنا كلما خلقنا/وجدنا/اخترعنا شيء يبنى عليه ليسهل وليكون مقدمه لخلق/ايجاد/اختراع شيء أكمل وافضل واجود من سابقه.
يحاول "لقمان" أن يجمع المتناقضات من خلال قوله:
"أنا في الهيولى البدائية كنت
دون أن يكونني أحد
أوجدت نفسي بنفسي لنفسي
دون أن أدري ما الغاية وما القصد
وبقيت دهورا كامناً
لا أدري إن كانت أدري ما أريد
وما لم أرد" ص156، هل يمكن أن يكون الخالق "لا يدري ولا يعرف" فهو أقرب إلى المجرب منه إلى الخبير العليم الحكيم، فهو كالإنسان الأول يخوض تجارب دون أن يدري ما سيصل إليه أو ستصل له التجارب/الأفعال التي يقوم بها، ومن خلال هذه الطرح يريد "لقمان" أن يقنعنا أن الخالق والمخلوق هما واحد ولا يمكن الفصل بينهما، ليس في الماهية فحسب بل بالتفكير وبالأعمال والأفعال والغايات والوسائل التي ينتهجها، وهذا الاسقاط البشري على الخالق يتماثل مع ذلك الذي كان في بداية تشكيل المجتمعات البشرية التي اعطت الآلهة صفات بشرية، واعمال كالأعمال التي يقوم بها الناس، فجعلوا منها الأرباب والربات وهي تغضب وتفرح وتتزاوج وتنجب، وهذا الورائية كان على "لقمان" أن ينتبه لها، ويقدم أفكارا متطورة ومتجاوزة ما قدمته المجتمعات القديمة، لا أن يأتي بها كما جاءت قبل أكثر من خمسة آلاف سنة.
وهذا ما كان فعليا عندما جسد "لقمان" الله في هيئة إنسان وقدمه لنا بهذه المشهد: "...احتضنته واحتضنني، نشرع في البكاء على كتفينا، نبكي فرحا بلقائنا وحزنا على عدم تحقيق طموحاتنا، فقد بدا الله حزينا لأنه لم يستطع بعد أربعة عشر مليار عام من عملية الخلق أن يحقق الوجود الكامل والإنسان الكامل، وأنا بدوري فشلت في أن أهدي إنسانيا إلى إيماني حسب رؤياي، جففنا دموعنا ونحن نعود إلى جلوسنا، أحدنا في مقابل الآخر، سألت الله:
ـ لماذا كلفت نفسك وتجسدت في صورتي لتظهر لي يا إلهي؟ قال:
لأنني في حاجة إليك لأن تكون معي على كوكب الأرض وليس في الكون كله." ص344، فالله هنا هو الصورة البدائية التي شكلها الإنسان القديم عن الله، فجعله يقوم بعين الأفعال والأعمال التي يقوم بها الإنسان، فتجاوز الصورة المطلقة التي جاءت بها الله في آخر رسالة سماوية، رغم أنه كان يمكن أن يأخذ بها ويقدمها كفكرة تنسجم ما الله المطلق وليس مع الله المجسد بشريا، لكن يمكن أن "لقمان" ما زال يعيش في عالم الأساطير والتجسيد البشري، فلم يستطع أن يتحرر بعد مما علق في ذهنه من افكار بشرية عن طبيعة وماهية الله، فقدمه لنا بصورة إنسانية كاملة لهذا وجدناه يبكي كما نبكي.
حتى عندما أريد "لقمان" أن يقربنا من الفكرة الصوفية والتي تتمثل بالتوحد بين الخالق والمخلوق كما جاء عن الحلاج، قدمها لنا بشكل بدائي: "...وستكون دون البشر أول إنسان يتحد مع وجودي ويحل في وهو حي، ودون أن يذوق طعم الموت، أتمنى لك وجودا جميلا في وجودي، وسأجعل من اتحادك بي وحلولك في آية وعبرة ومعجزة للبشرية كلها، ...ومد الله يديه ووضعهما على كتفي قبل أن يعانقني مودعا، قال:
ـ أنت بعد اليوم لن تكون أنت، وصورتي هذه لن تكون ثانية، أودعك ايها الحبيب" ص345، لا ادري لماذا يصر "لقمان" على أن يكون الله على هيئة إنسان، وليس دون تحديد، وهذا يعطيه عظمة أكبر، فالتجسيد دائما يقلل من المجسد، ويجعله ضمن المنظار المحدد، المعلوف، على النقيض من الفكرة غير المجسدة، وهذا ما جاء به القرآن الكريم عندما صورة "شجرة الزقوم" ب"رؤوس الشياطين" فلا نحن عرفنا الشجرة ولا شاهدنا رؤوس الشياطين" وهذا ما جعل الصورة اكثر اتساعا وغير قابلة التحديد، فكان وقعها وأثرها على القارئ/المستمع أكثر وأكبر.
الطاقة
يحاول "لقمان" أن يستخدم المصطلحات العلمية في تقديم أفكاره عن الله والخالق والخلق، فيستخدم "الطاقة" كوسيلة علمية يمكنه من خلالها أن يقنع البعض بما يقدمه من افكار:
"ـ ما هو الخلق مثلا؟
ـ الخلق تحولات وتجليات الطاقة والمادة.
ـ وأين توجد الطاقة والمادة؟
ـ الطاقة تسري في الكون والكائنات وتتجلى كمادة في الكون والكائنات.
...
ـ هل هي أزلية؟
ـ أجل.
ـ هل هي مكتملة؟
ـ أبد ليست مكتملة ولا تعرف ما هو الكمال المطلق ومتى تبلغه رغم قدرتها العظيمة.
وعملية الخلق كيف تتم؟
ـ عملية الخلق تكاملية بين الطاقة والمادة، أي بين الخالق والمخلوق، فالكائنات تخلق نفسها بنفسها بفعل الطاقة الناتجة عن العناصر المادية التي توفر لها وتفاعلها مع الطاقة الكلية السارية في الكون" ص116، يمكن قبول هذا الافكار بشكل نسبي انتقائي وليس بشكل كلها، فهي تتفق جزئيا مع قول "بن رشد" هناك السبب الأكبر هو خلق الله للكون وما فيه، وهناك السبب الأصغر وهو أن الإنسان مسؤول عن أفعالة وعماله" فعملية الخلق الأولى تمت وصدرت عن الله، وهي مستمرة من خلال تعاقب الفصول ومتواصلة، فهي مكتملة نسبيا، لهذا نجد في كل عام عين الفصول والأيام، لكنها في ذات الوقت تعمل ضمن مسلسل لا بد أن ينتهي في زمن معين، فهي من خلال تعاقب الأيام والسنون تعمل للوصول إلى نهايتها، لهذا هي غير مكتملة ـ نسبيا ـ فكمالها يعني نهايتها، لأن الموت هو النهاية الطبيعية لأي بداية، لأي مخلوق.
يحاول "لقمان" أن يجرد الطاقة عن محيطها الإنساني بحيث تكون مادة صرفة: "أن الطاقة ليست إلهاً، وغير قادرة على كل شيء، وبالتالي هي ليست إلهاً، إنها طاقة سارية في الكون والكائنات يتم بواسطتها فعل ما هو خير وفعل ما هو شر أيضا في عملية الخلق" ص150، بهذا الشكل يحاول "لقمان" أن يبرر الأفعال التي لا يرضى عنها والتي تسبب الخراب والموت، فهي منفصلة عن أي فعل إنساني، ومتحررة من الخضوع للمفاهيم والأفكار الأخلاقية والمثالية التي يحملها "لقمان".
لكنه في موضع آخر يقدمها لنا على أنها متوحدة مع الخالق،ـ أو هي والخالق شيء واحد: "الخالق: طاقة أو قدرة سارية في الخلق كله، لم ينزل تشريعات ولم يرسل انبياء، وهو محبة مطلقة وخير مطلق وعدل مطلق، 1. يفهم الانبياء على أنهم عرفوا دورهم في المجتمعات بأن يكون أنبياء، فكانوا، أي هم من قرروا أن يكونوا أنبياء وليس الطاقة الخالقة أو الخالق، أي كما يختار الإنسان أن يسلك طريق الفلسفة والحكمة.
2. الطاقة طورت نفسها بنفسها عبر مليارات السنين، من المادة التي وجدت فيها، وما زالت تتطور لتصل إلى الكمال ما غير معروف بالضبط، لهذا فالخلق غير مكتمل حتى الآن
3.
الطاقة لا تنفصل عن المادة والمادة ولا تنفصل عن الطاقة.
الوجود مكون من مادة وطاقة ولا شيء غير ذلك.
8. الكائنات تخلق نفسها بنفسها بفعل الطاقة الناجمة عن العناصر المادية الأولية التي توفرت لها" ص178و179،
الفقرة الأولى تشير إلى أن الإنسان هو من يقرر أن يكون نبي أو رسول، وليس السماء، الله، فهو من يختار ويحدد ماهية ذاته، وهذا يحمل شيء من عدم المنطق، فكيف يختار/يتشكل/يريد الإنسان ليكون صاحب رسالة دون أن يعلم ماهية هذه الرسالة وماذا سيقول فيها، وما هي الفكرة التي تحملها رسالته؟ ومن هي الجهة التي سيوجهها لها، وما هو السبب الذي يجعله أن يكون ـ دون غيره ـ صاحب رسالة، اسئلة من حقنا أن نطرحها على "لقمان".
في النقطة الثانية يعدينا "لقمان" إل فكرة الخلق الذاتي للكون وما فيه، وهي أيضا فكرة غير منطقية، فعل المادة/الطاقة جاءت بنفسها ولنفسها وتعمل بنفسها، وهي تسير دون وجود خطة واضحة لها، فكيف تعمل دون وضوح الخطة، الهدف الذي تسعى إليه؟، فهي هنا أقرب إلى العمل الطبيعي اليومي والذي يتماثل مع تعاقب الأيام والأشهر والفصول، دون وجود أي هدف غاية منه سوى تكرار ذاته ليس أكثر.
وفي النقطة الثالثة يجمع بين المادة والطاقة فهما مصدر للحياة والكون، وهنا يجبرنا "لقمان" على التوقف، فهذا الأمر يمكن أن ينطبق على الجمادات وحركة الطبيعة، أما فيما يتعلق بالكائنات الحية، من أشجار وحيوان وإنسان فلا يمكن تكون صحيحة لأن هناك" روح" وهي لا تخضع لمسائل المادية، وإنما لشيء خارق للطبيعة/للمفاهيم الإنسانية، فعندما تذهب الروح يمسى الجسد بلا فعل ويبدأ في التفكيك والتحليل، وهذا يقدنا إلى نفي النقطة الأخيرة التي يتحدث فيها عن خلق المادة لذاتها، فهل يخلق الجسد الميت جسد حي؟ وهل يمكن للميت أن يصبح حي؟، من هنا كان على "لقمان" أن يفصل بين العناصر الجامدة والعناصر الحية ليكون أكثر منطقية في طرحه للأفكار.
والطاقة تتماثل مع الله في عدم الفناء: "ـ أبدا الطاقة لا تموت، كأهم تجليات المادة وتحولاتها" ص257، "لقمان" يحاول أن ينحي فكرة الله المطلق ويستبدلها بالطاقة، والتي يعطيها صفات ربانية، بحيث تكون هي الله، وهذا ما جاء بشكل واضح عندما قال: "إن كل فعل نقدم عليه هو بفعل الطاقة السارية في اجسادنا، لكن ليس بتحكمها فيه، فنحن إن ارتكبنا خيرا أو شرا نرتكبه بفعل هذه الطاقة دون أن يخالجني شك بأن الطاقة مع فعل الخير وليست مع فعل الشر" ص273و274، إلغاء منطقي لفكرة الشيطان/الشر، لأنه يحملنا نحن الفاعلون تبعية هذا الفعل، إن كان جيد أم سيئ، فهي يحرر الطاقة من أي صفات إنسانية أو ربانية، لأنها في النهاية ناتجة عن مادة، والمادة بحد ذاتها لا تحمل صفات إنسانية، خير أو شر، لهذا نقول بأن هذا القول في هذا الموضع صحيح تماما، لكن هل قصد لقمان" المادة والطاقة بصفتها المجردة؟ أم أراد شيء آخر؟.
يجيبنا بقوله: "بأن الخالق العظيم ليس إلا طاقة الطاقات السارية فينا من أعلاه إلى أدناه، وأنها تتمظهر وتتجلى في الوجود بكل مكوناته، وأن الكائنات الحية لا تستطيع أن تقدم على فعل أي شيء دون هذه الطاقة، وإذا أردنا الدخول في عملية الشروع في الفعل الدى العقل، فإنما نرى أن أمرا طاقويا فوق إلكتروني هائل السرعة يصدر عن الدماغ إلى المجال لطاقوي الحيوي المحيط بالإنسان، المتصل بطاقة الكون الكلية والعقل الكوني، ليقوم بالتفكير أو الفعل" ص283و284، إذن الطاقة لم تكن مقتصرة على مفهومها المجرد، بل أراد بها "لقمان" أن يؤكد على أنها والخالق شيء واحد، كما هو الحال بين الكون والخالق، بين المخلوق والخالق، وبالتأكيد أن هذا الجمع أو الخلط غير مقنع ولا يتوافق والطبيعة الإلهية التي تتجاوز المادة/الطاقة وتتميز علنها بمسألة الروح.
الخيال والواقع
يشكك "لقمان" بين وجودنا الواقعي ووجودنا في الخيال، فهو يعمل على (لخبطة) مفهوم الوجود، هل هو حقيقي، واقعي، أم خيالي وهمي، "يقدم في بداية الرواية أسئلة عديدة حول الواقع والخيال، لكنه يحاول أن يجيب على بعضها في متن الرواية، يقول: "نعم أنتم حقيقة، لكن بقدر أنتم خيال، الوجود الحقيقي هو الله وحدة، وما الوجود المتجلي إلا مجرد وهم" ص104، إذا ما توقفنا عند قوله السابق "يخلق نفسه بنفسه ولنفسه" فهذا يتناقض مع قوله هنا أن "الحقيقي هو الله وحده" فبما أن كل الموجودات الخالقة والمخلوقة تحمل بين ثناياها الوهم والخيال فأين هو الواقع؟ الحقيقي؟ أم أن "لقمان" مصاب بحالة من عدم الوضوح والجمع و(اللخبطة) بحيث لا يريدنا أن نمسك بأفكاره، فيجعلنا نضيع بين الوهم والحقيقة، كما ضيعنا بين طبيعة الخالق والمخلوق؟.
هذا الجمع بين المتناقضات، وعدم تحديد الأنواع والأصناف حسب طبيعتها، ليست المادية فحسب بل الروحية يقدم عليه "لقمان" فيقول على لسان زوجته الجنية "نور السماء": "إذا كان الوجود نتاج خيال طاقة ما ولتكن إلهاً فنحن نرى ونلمس تحقيق خيال! حتى تخيل، ما هو مجسد واقعيا، يغدو مجسداً، كما أنا الآن مجسدة مع أنني جنية" ص111، عندما تشتبك الأمور على "لقمان" يحاولا الزوغان من خلال استخدام مصطلحات تسهل عليه عملية الهروب إلى الأمام، فيستخدم كلمة "طاقة وجنية" محاولا أن يقنعنا بوجهة نظره.
وهذا الأمر يعيده في أكثر من موضع، يقول: "نحن في واقع متخيل ومتخيل غير واقعي" ص190، عدم تحديد المسافة الفاصلة بين الواقع والمتخيل/الوهم/الحلم يشير إلى عدم اكتمال الفكرة عند "لقمان" لهذا نجده يمارس الجمع والخلط بين عناصر غير متحدة أصلا وغير متوافقة لا في المفهوم ولا في العناصر ولا في الطبيعية.
فعدم وضوح الفكرة واكتمالها عند "لقمان" جاء في هذا القول: "هذا الواقع ناتج عما تخيلته أنا، وما تخيلته أنا ناتج عن عقلي، وما عقلي وما نتج عنه من خيال وتحقيق إلا بفعل الطاقة السارية في جسدي المتصلة بالطاقة الكونية السارية في الخلق، وإن شئت الألوهة، وإن شئت الخالق العظيم! وطالما أننا نحس بوجودنا فهو من منظورنا واقع واقعي، بغض النظر عما إذا كان من منظور الألوهة واقعا حقيقيا أو افتراضيا متخيلا" ص272، هل هذا تراجع عن فكرة الخلط والجمع بين الخيال والواقع؟ أم أنه لعبة جديدة قام بها "لقمان" حاول من خلالها أن يزيدنا تشويشا؟ أعتقد أن في أخر الفقرة السابق ما يشير إلى أن الفكرة لم تكتمل عند "لقمان" لهذا نجده يضيف ويطورها كلما فكرة فيها أكثر، ويمكن له أن يزيد ويزيد إلى ما شاء الله دون أن كل أو يمل، فبما أنه يتحدث عن فكرة "الخلق غير مكتملة، والتي خلقت نفسها بنفسها ولنفسها، ودون أن تعلم/تخطط/تضع الاستراتيجية المناسبة لما تقوم به، فأن الأفكار التي يطرحها تخضع لعملية التجريب والتطور إلى أن تصل إلى ما هو مقبول منطقيا ، ولا أقول مقنع.
وهذا ما اعترف به وأقر به "لقمان" عندما قال عن خالقة وموجده "محمود شاهين" "المشكلة أيها الأديب أنك ترى الحقيقة خيالا ولا تريد أن ترى الخيال حقيقية، وآمل أن لا يضيع عقلك بينهما" ص435، بهذا يمكننا القول أن الفكرة التي يقدمها "لقمان" لم تكتمل ولم تنضج كفاية عنده، فقدمها لنا بشكل "بيضة خداج" لا هي قابلة لنمو لتكون طيرا، ويصعب أكلها لأنها غير ناضجة بعد.
الفكر

إذن "لقمان" يقدم لنا أفكارا غير كاملة وهي في طور التطور والتكوين، ولا يدري إلى أين سيصل بها ومن خلالها، وإلى أين ستوصله، وبما أنها أفكار ستكون المساحة المتاحة لها واسعة، بحيث يكون من الصعوبة تحديدها أو الامساك بها، من هنا يعمل "لقمان" بشكل منهجي على الافلات من تحديد ما يريده بدقة وبوضوح، يقول: "وأنا لن أتأكد من صحة أفكاري إلا بلقاء الله نفسه، وإن لم ألتقيه سيظل فهمي اجتهادا كغيره قابلا للخطأ والصواب" ص179، فكل ما يقوله يبقى ضمن دائرة الشكل والنقاش والحوار والتجريب، لكنه يضعنا في خانة المستحيل عندما طالب بلقاء الله نفسه ليؤكد الأفكار الأخرى التي لا تتوافق مع أفكاره وتخالفها، فمن أين نأتي أو كيف نعمل على ايجاد هذا اللقاء بين الخالق والمخلوق؟
يعود بنا "لقمان" إلى المربع الأول من خلال اللعب بالمصطلحات وتداخلها، يقول: "...لأن الدخول في العقل الإنساني والدماغ والنفس والروح والضمير والزمان وحتى المكان والله نفسه ووجوده، مصطلحات أوجدها العقل البشري بعد اختراع اللغة قبل بضعة آلاف معدودة من السنين، ولم تكن معروفة للبشر قبل ذلك، وهي مسائل أو مصطلحات أعجزت العقل البشري حتى الآن عن إيجاد أجوبة قاطعة عنها، وخاصة فيما يتعلق بالله والعقل" ص282، بهذا الكلام يبرر "لقمان" لنفسه ولنا الأفكار والتحليلات التي يطرحها، فبما أن هناك مسائل ما زالت غير مكتملة عند البعض وغير حقيقية وقابلة للنقاش فمن حقه أن يدخل فيها ويقدم ما اعتقاده فيها. ولكنه هل فعلا أن "العقل الإنساني والدماغ والنفس والروح والضمير والزمان وحتى المكان والله نفسه ووجوده" أوجدها العقل البشري؟، ولم تأتي من الخارج، من عالم غير محسوس وغير ظاهر لنا؟ وما الدليل على أنها من اختراع العقل البشري؟ فمن المكن أن تكون هناك بداية لغوية أوجدها الخالق في الإنسان الأول وتم تطويرها ونموها إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن دون أن ندري، أليس باستطاعة الله الذي أوجد الكون وما فيه بقادر على خلق لغة أو لغات بشرية تتطور كما تتطور بقية المخلوقات الأخرى كما هو حال الإنسان والكائنات الحية لأخرى؟
وهذا الأسئلة قريبة من السؤال الذي وجهه الإمبراطور "للقمان"
"ـ أتساءل لماذا ليس في الإمكان أن يكون العقل أولا وبه تم خلق الوجود!
ـ لأنه لا يمكن أن يوجد عقل في العدم ومن العدم، هل ستعيدنا إلى البدء بالكلمة ليكن كذا فكان! أي أنه كان يوجد عقل إلهي في العدم ويعرف لغة أيضا؟" ص321، هناك احتمل أن يكون الخالق أوجد اللغة/الفكرة قبل أن يبدأ في خلق المادة والكون، وبما أننا نحن البشر والكائنات الحية من حيوانيات وجن وملائكة لسنا مادة فقط بل مادة وروح، والروح لا يمكن أن تعرف أو الامساك بها بالمطلق، لأنها شيء نحس به ونشعر بوجوده ولا يمكننا أن نجسده بالمادة، يمكننا الافتراض بوجود عقل/فكرة خارج المادة المحسوسة لنا نحن البشر، وبما أننا نؤمن بوجود التخاطر وبوجود الجن وبالأعمال الخارقة التي يقوم بها البعض يمكننا الإيمان والجزم بوجود العقل/الفكر قبل وجودنا المادي كبشر وقبل وجود المادة نفسها الكواكب والمجرات.
الاسئلة
أهم ما في الرواية الأسئلة التي تطرحها، فهي تحفز العقل على الخوض في تفاصيل تعتبر من المحرمات والمحظورات، ومع هذا استطاع "لقمان" أن يقدمنا منها حتى وأن لم يقنعنا بما يقدمه، يبقى إثارة أفكار الوجود مهمة وحيوية لنا ولعقولنا، لأن الإثارة تحفز وتنشط العقل وتخلق فضاءات غير متاحة في الحالة العادية، لهذا نقول ان "لقمان" فعل بعقولنا ما لم يفعله أحد وجعلها تبحث وتستفسر عن العديد من المسلمات والحقائق، خاصة ما يتعلق منها بالوجود والكون والله.
"ـ ما المقصود بالربوبية؟
ـ هي الإيمان بوجود رب لكن أحدا لم يعرف طبيعته وجوهره بعد" ص142.
"...فهو لا يعتبر الإلحاد ولو مجازا خارج دائرة الإيمان، فالإلحاد إيمان بالوجود" ص147.
"ـ هل ترون أن الألوهة تدرك وجودها، وأن كانت عقلا هل هو منزه عن المادة؟
وهل يحق لأي إنسان أن يعتبر نفسه إلها أو عقلا أو خالقا؟
فلماذا تبحثون عن الله؟ هل تشكون في وجوده" ص294،
"هل ترى أن الخالق في بداية التكوين، قد مر بتجارب كثيرة إلى أن بدأ الإمساك بحقائق نظرية؟" ص299.
"إذا اعتبرنا أن الذات الخالقة مدركة لوجودها، فلا يعقل لمن يتحد معها أن لا يدرك وجوده، كونه جزءا منها؟" ص312.
"هل نعتبر أن من يقتل إنسانا يقتل الله؟" ص317.
"إلا ترون أن من أبدع القوانين وأوجدها قادر على خرقها؟" ص332.
"لماذا ورث الخالق هذه المهارات للحيوان ولم يورثها للإنسان رغم أنها نتاج طاقوي أيضا" ص382.
"لماذا لم يجسد الخالق تخيله بنفسه وتركه للإنسان وربما للكائنات الحية الأـخرى أن تراه مجسدا وهو ليس كذلك؟" ص428.
"لماذا أراد الخالق أن يجعل الإنسان المتخيل يتجلى ـ بمعنى أدق أن يرى نفسه متجليا ـ والكائنات المتخيلة بدورها، تتجلى، قبل أن يكتمل تخيل وتصور عملية الخلق بركتها؟" ص432.
نترك هذه الأسئلة كما هي دون الخوض فيها، لكن تبقى اسئلة "لقمان" مشروعة لتقديم افكاره والتي أراد بها ومن خلالها أن يؤكد فكرته حول الكون وما فيه، والمتوحد مع الخالق، وعلى تطور الكون معرفيا/فكريا وماديا وطاقويا.

لقمان والله
يتناقض "لقمان" مع ما قدمه لنا من افكار عن الانبياء والرسل، فقد سبق وأن قال أن الانبياء هم من يختارون أن يكونوا أنبياء، ولا يختارهم أحدا، لكنه عندما يحدثنا عن ارتباطه بالله ينسف ما قاله في السابق: "ليس في مقدوري أن أصف لك شعوري ومدى فرحتي وأنا أدرك أن الخالق اصطفاني من بين البشر وأنني الآن أزف إليه في هذا المعراج المهيب لأحل في ذاته وأتد بها إلى الأبد" ص348، وهذا دليل إلى أن الأفكار التي يقدمها "لقمان" لم تنضج بعد ولم تكتمل، لهذا تبدو احيانا متناقضة وغير متوافقة مع بعضها البعض.
المسيح
يقدم لنا "لقمان" فكرة جديدة عن المسيح، فهو يطرح حول شخصيته مجموعة من الأسئلة من الواجب أن نتوقف عندها، لما فيها من إثارة عقلية: "إذا كان الخالق هو يسوع المسيح فمن كان يدير الكون خلال أيام موته الثلاثة؟ وفي الإمكان أن أتساءل بدوري، رغم محبتي للمسيح: هل كان المسيح إلها منذ ولادته؟ وهل كان يدير العالم وهو طفل؟، وإذا كان هذه هي الحال، فمن خلق الخلق وأداره قبل ولادته؟" ص164.
القيامة
أثر المعتقد الديني لا بد أن يكون حاضرا عند الإنسان حتى لو أظهر أشكال من التمرد وعدم اليقين بهذا الدين، "لقمان" يرسم لنا مشاهد تشير إلى أثر المعتقد الديني عليه من خلال حديثه عن مشاهد تتماثل مع تلك التي تتحدث يوم القيامة، "ازدحمت في الأفق أفلاك، ودنت كواكب من كواكب، وتألفت في السماء نجوم، وهام في الكون أقمار دنت من أقمار، وطارت شهب شهبا ومذنبات، ...وتفجرت في أديم الأرض طاقة أحالت عناصر الأجداث إلى كائنات طاقوية وطاقات، أحدثت لجة في معمعة الخلق، فتأججت نيران براكين وانفجرت مرسلة إلى السماء نذيرا بهول القادم من آيات" ص296 بكل تأكيد هذه الصورة تتماثل مع ما جاء في الكتب السماوية عن يوم القيام، لكن "لقمان" يقدمها لنا بلغته وبطريقته الخاصة.
إذا كان ما سبق يتحدث عن الأرض والكواكب والنجوم، فكيف سيكون حال المخلوقات الأخرى، الإنس والجن؟: "أما ما يتعلق بتساؤلك عن الجن، فهم يفقدون قدراتهم يوم الحساب ويعودون إلى طبيعة أقرب إلى الطبيعة البشرية" ص459، أيضا هذه الفكرة مأخوذة عن الكتب السماوية ولم تأتي من خيال "لقمان" وهذا يؤكد إلى أن أثر الفكر الديني حاضر ومؤثر فيه رغم ما يبديه من أفكار مغايرة لما هو سائد.
الدين
يقدم "لقمان" فكرته عن دور وواجبات الدين فيقول: " أن المعتقدات كانت تسعى لبعث الأمل في النفس البشرية بعد الموت، بإيجاد حياة أخروية في ملكوت السماء مع الله أو في جنته" ص290و291، وهذا الأمر "الإيمان باليوم الآخر" ما زال يمثل أحد أهم أركان الإيمان، وبدونه يفقد المؤمن أهم عنصر في العقيدة السماوية.
عقيدة "لقمان"
يقدم لنا لقمان عقيدة جديدة يقول فيها: "17ـ الطاقة الخالقة الكلية ليس لديها جنة ونار ولا حساب ولا عقاب ولم تنزل تشريعات وقوانين ولم تحلل ولم تحرم.
19ـ جهنم والحساب والعقاب ليست قيما لا تتناسب مع أية قيم رحمانية خيرانية جمالية تتمثل في الألوهة.
20ـ الجنة هي الكوكب الذي نعيش عليه إما أن نحيله إلى قيم خير وحق وجمال أو نحيله إلى جحيم كما يحدث اليوم على كوكب الأرض.
20ـ العبادة مسألة تخص الإنسان بينه وبين نفسه وبينه وبين خالقه" ص181و182، لنا أن نقرأ ما يقدمه "لقمان" وأن نبدي رأينا فيما جاء في عقيدته التي يدعو إليها، فهو يؤمن بالخير الموجود في الإنسان، وما دونه ليس له أي قيمة، وكان أن النار والجنة غير وادة في عقيدته، لكن هل فعلا كان "لقمان" مقتنعا فيما يقوله في هذه المقاطع، سنجيب من خلال ما يحدثنا به لاحقا. لنتأكد بأنه كل الأفكار اتي يطرحها هي أفكار قيد التكوين والتشكيل والنمو، ولم تكتمل بعد.

المجتمع المثالي
يسعى "لقمان" لوجود مجتمع إنساني مثالي بعيدا عن الحرب والقتل: "أدرك الآن أن الغاية من وجودكم هي تحقيق قيم الخير والعدل والحق والجمال والمحبة ورفعة الحضارة الإنسانية، وأن عملية الخلق لديكم تكاملية بين الخالق والمخلوق وأن لا غنى لطرف لديكم عن الآخر" ص47، يحاول "لقمان" أن يجمع بين أفكاره المجرد عن الكون وبين نظرية أخلاقية يسعى لتكون منهج للناس، وكأنه بهذا يهرب إلى الأمام، لأن البشر ليسوا متماثلين في فهمهم للخير الذي ينشده "لقمان" ولكل أمة أو قومية أو طائفة دينية مشروعها الخاص والمتناقض مع الأمم والجماعات الأخرى، ولهذا نجد انتشار الحروب بين المجتمعات.

الموت
يحدثنا "لقمان" عن الموت ضمن رؤية خاصة، يقول عنه: "فعندنا يوجد موت ودفن، والطاقة الحيوية تخرج من الجسد وتنضم إلى الطاقة الخالقة بينما تتحلل الطاقة المادية في التربة لتغذيتها" ص45، فهنا اعتراف من "لقمان" بأن الروح "الطاقة الحيوية" تذهب إلى "الخالق" وهذه اشارة إلى أن الفكرة السابقة لم تكن مكتملة وغير واضحة عنده، لكنه يعمل جاهدا على تقديم أفكار إنسانية بعيدة عن العقائد الدينية السماوية.
لا يكتفي "لقمان" بما قاله بل يضيف إليه: "أن الإنسان لدينا يدرك أن موته هو مشاركة ضرورية في تجديد الحياة واستمرارها، ... هل يشعر المرء بوجوده المادي الطاقوي بعد الموت" ص173، كلنا يعمل ان الموت حالة طبيعية لكل الكائنات الحية، لكن "لقمان" يثير سؤال يشير إلى عدم حسم مسألة الموت تماما عنده، فهو ما زال يشك بوجود حياة أخرى بعد الموت، لهذا نجده يتساءل عن الشعور به بعد الموت.
لكن "لقمان" كشخص يفكر بطريقة مادية يرى في الموت جانب علمي واقعي فيقول: "فالموت عندي ضرورة لاستمرار الحياة وتجددها، حتى لا ينضب مخزون الأرض وبالتالي الكون من المادة والطاقة" ص291، رغم منطقية ما جاء به "لقمان" إلا أنه يتناقض مع فكرته حول المادة والطاقة التي لا تفنى وانما تجدد شكلها.
العقل الباطن للراوي
الراوي "لقمان" لم يستطع أن يتحرر من كونه رجل/ذكر، لهذا نجده يركز كثيرا على الفتيات الجميلات المرتديات ما يثيره هو، احيانا نجده يتحدث عن مكان متعلق بالنساء لكنه يقدمه لنا من منظور الرجل/الذكر، كما هو الحال في هذا المشهد: "قدمت الرئيسة مرافقتها في الحفل الاستقبال، ... ارتدت الفتيات تنانير قصيرة زرقاء تكشف أفخاذهن، وقمصانا بيضا وربطات كحلية، وارتدى الشباب الملابس التي تحوي الألوان نفسها" ص144و115، إذا ما توقفنا عند هذا الوصف نجد "لقمان" يركز على ملابس الفتيات ويمر مرور الكرا على ملا بس الشباب، رغم أن الذي أقام الحفل هي امرأة وليس رجل، وهذا يشير إلى أنه لا يستطيع أن يتخلص من دوره كرجل مهيمن ومسيطر على شخوص وأحداث الرواية.
ونجده يصف الخدمة في الاحتفال بهذا الوصف: "... وأجمل الفتيات لخدمة الضيوف" ص119، بما أن الضيوف كانوا ذكورا واناثا كان من المفترض أن يكون الخدم من الجنسين، ليتمتع كل جنس بنظيره، لكن "لقمان" الرجل المسيطر والمهيمن يبقى ينظر إلى الأشياء وإلى الأشخاص من منظر الرجل/الذكر.
الأب والأم
قلنا في موضع غير هذا أن الأب غالبا ما يقدم بشكل سلبي على النقيض من الأم التي تأتي بصورة الضحية، من هنا نجد الراوي يتعاطف معها، فهي تتماثل معه في حالة القهر والاضطهاد، "لقمان" يحدثنا عن الأب القاسي: "كان أبي أقسى أب يمكن أن يتخيله المرء... عاشت معه أمي أياما مريرة تحت وطأة ظلم فظيع، ...وما أن يجدها حتى يسوقها أمامه ويجلدها برسن البغل على ظهرها إلى أن يعيدها إلى البيت.... تذوقت طعم سيط أبي منذ نعومة أظافري، المرة الأولى حين كنت في حدود الخامسة" ص437، إذن الأب سالبي وقاسي ويتماثل مع السلطة الحاكمة، بينما الأم جاءت بصورة الضحية التي تهان وتضطهد كما هو حال العامة من المجتمع.
وهذا ما أكده لنا حين قال عنه: " أبي إله ظالم جدا، ولا أظن أن هناك إلها أكثر ظلما منه، وليس في استطاعتي أن أكون معه" ص468.
المكان
هناك عقدة عند الفلسطيني تجاه المكان، لأنه كفلسطيني مطلوب منه أن يلغي مكانه وجغرافيته ومطلوب منه أن يلغي "فلسطينيته" وبما أن غالبية الفلسطينيين أجبروا على ترك وطنهم مكرهين ومجبرين نجدهم يحنون لهذا المكان فنجده حاضرا في غالبية أعمالهم الأدبية، فهو جزء منهم ومن وجودهم وشخصيتهم.
فعندما يسعى "لقمان" لجمع السلاح من سكان الأرض نجده يخاطب جنوده بهذا القول: "ألم يرى جندك من كل أسلحة الدمار الشامل على أرض فلسطين إلا سكاكين الفلسطينيين أيها الملك؟" ص21، وهذه الفقرة تشير إلى انحياز "لقمان" لفلسطين ولشعب فلسطين.
"وكد الملك شمنهور أنه تم بناء المدن المدمرة وفي مقدمتها مدن حلب وحمص ودرعا وحماة ودوما وكل المدن والبلدات المحيطة بدمشق وغيرها" ص24، "لقمان" الذي عاش في سورية وشب فيها وقدمت له كل ما تقدمه الأوطان لأبنائها فنجده يوفي لها الجميل من خلال دعوته لبناء المدن والبلدات التي خربتها الحرب.
وبعد أن يعم الأرض السلام وينعم أهلها بالحياة، نجد "لقمان" يخصص لنا بلاد الشام دون سواها بهذا الوصف: " ـ أريد أربع حوريات من كوكب جلالتك!.
ـ على عيني، أنا انتمي لمنطقة عربية يقال لها بلاد الشام، فيها أربعة بلدان هي سورية والأردن ولبنان وفلسطين، أنظري هؤلاء حوريات من بلاد الشام" ص329، هذا التخصص للمكان يشير إلى المكان الذي يعشقه لقمان" وينتمي إليه، لهذا خصه دون غيره من الأماكن.
يحدثنا "لقمان" عن القدس، مسقط رأسه من خلالك " استأجرت غرفة صغيرة في بلدة قريبة من القدس" ص439.

الرواية من منشورات مكتبة كل شيء، حيفا، الطبعة الأولى 2017.