حوار مع السفسطائي المطلق - 2

أيمن عبد الخالق
2018 / 1 / 21

حوار مع السفسطائي-2
"المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها، والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ"....اينشتين
o الفيلسوف: كنت قد سألتك في الجلسة السابقة عن كيفية معرفتك بأخطاء الحس والعقل، مع أنّ معرفة الخطأ فرع معرفة الصواب، وأنت تدعي أنه لاسبيل لنا إلى معرفة الصواب أصلا!.
• السفسطائي: في الواقع لقد تأملت كثيرا فيما قلته لي، ولم أجد جوابا مقنعا يمكن أن أقوله لك، مع تيقني من وجود أخطاء للحس والعقل، وعدم صلاحيتهما للمعرفة الواقعية.
o الفيلسوف: سيأتي الكلام حول حقيقة هذه الأخطاء، والصلاحية المعرفية لهما، ولكن أردت فقط أن أنبهك على شيء واحد، وهو أنّ معرفتك بأخطاء الحس إنما كان عن طريق نفس الحس، واكتشافك لأخطاء العقل، إنما كان عن طريق نفس العقل، لأنك لم تكتشف تلك الأخطاء بعضلاتك، أو مزاجك الخاص.
• السفسطائي: نعم لابد أن نقول هكذا؛ لأننا لاندرك إلا بالحس أو العقل، ولكن كيف؟!
o الفيلسوف: نعم كيف؟!...هذا ما أريد أن أسألك عنه، مع أنك تنكر الصلاحية المعرفية لهما، فكيف تعتمد عليهما، وتكتشف الصواب من خلالهما؟!!.
• السفسطائي: هذا فعلا لغز محير، ولكن كيف يمكنك أن تبرر صدور هذه الأخطاء منهما؟
o الفيلسوف: لاتستعجل....سنتكلم حول ذلك...ولكن دعنى من فضلك أسألك سؤالا آخر يتعلق بأصل المعرفة البشرية
• السفسطائي: ماهو... تفضل
o الفيلسوف: أنت عندما تدعي استحالة المعرفة الواقعية مطلقا، فهل تعتقد أيضا بإمكانها؟
• السفسطائي: أمممم...لا بالطبع مستحيل أن أصدق بإمكانها، مع تصديقي باستحالتها
o الفيلسوف: لماذا ...ماالسبب؟...ماالشيء الذي منعك من ذلك؟
• هذا شيء واضح، لأنه يستلزم أن أكون متناقضا مع نفسي، وهو محال.
o الفيلسوف: وأنت تعلم من نفسك أنه محال؟
• السفسطائي: طبعا...أكيد...لأن النقيضين لايجتمعان، فكيف أصدق كلامي وأكذبه في نفس الوقت.
o الفيلسوف: ممتاز...إذا فقد تبين لك أنّ هناك شيئا تعلمه في الواقع، وهو قاعدة التناقض، مع أنك تدعي أننا لايمكن أن نعلم أي شيء!
• السفسطائي: أممم...هذا أمر غريب بالفعل، ولكن....أنت تحرجني بالفعل بمثل هكذا أسئلة
o الفيلسوف: أنا لم أقصد من حواري معك أن أجادلك، أو أحرجك، فليس هذا شأن الإنسان العاقل، بل أردت فقط أن أنبهك على إمكان التعرف على الواقع في الجملة، وأنّ طريق التعليم والبحث والتحقيق مفتوح على مصراعيه أمامنا.
• السفسطائي: أنا أُقدّر لك ذلك، ولكن تبقى نفس المشكلة قائمة، وهو فقدان الثقة في أدواتنا المعرفية من الحس والعقل، فماذا نفعل؟
o الفيلسوف: هذا من حقك الان أن أرفع لك هذه الشكوك حول أدوات المعرفة، ولنبدأ من الحس
• السفسطائي: نعم هذا ما أتوق لسماعه منكم
o الفيلسوف: إنّ الحس بأدواته التي نسميها بالحواس الخمس، وهي العين بالبصر، والأذن بالسمع، والأنف بالشم، واللسان بالذوق، وجلد البشرة باللمس، هي على ارتباط مباشر مع الأشياء في الخارج، وتنقل لنا بأمانة كل يقع عليها من ألوان وأشكال، وأصوات وأنغام، وروائح، وطعوم، وبرودة وسخونة، وذلك عن طريق الأعصاب التي تنقلها إلى المخ، كما أثبت العلم ذلك.
• السفسطائي: نعم صحيح....ولكن العلم أثبت أيضا أنها تتعرض في مسارها إلى المخ، إلى سلسلة من التغيرات والتحولات الكيميائية والفيزيائية، فكيف تنقل لنا آثار الأشياء بأمانة؟!
o الفيلسوف: وكيف عرف العلماء هذه التغيرات وتيقنوا بواقعيتها، أليس عن طريق نفس أدواتهم الحسية؟
• السفسطائي: أمممم....بجب أن نقول هكذا.
o الفيلسوف: إذن فكيف اعتمدوا على الحس، وصدقوه في إدراكهم، ثم عادوا ليشككوا في أمانته؟!!...أليس هذا تناقض؟
• السفسطائي: نعم صحيح..ولكن كيف نجمع بينهما، أقصد بين أمانة الحس، وهذه التغيرات المشهودة؟
o الفيلسوف: في الواقع أولا - إنّ هذه التغيرات المحسوسة لا تمثل حقيقة الإدراك، بل مجرد مقدمات إعدادية، لإدراك النفس الإنسانية هذه الصور الحسية، كما تبين في علم النفس الفلسفي، وثانيا – إن الحواس لاتحكم على وجودالأشياء في الخارج، أو أحوالها الخارجية، بل الحاكم هو العقل كما سأشرحه لك، فالحس كالكاميرا، أو المرآة ينقل لنا الأشياء بأمانة لارتباطه المباشر بها.
• السفسطائي: وماذا عن أخطاء الحس...هل تنكرها أيضا؟
o الفيلسوف: أنا لاأنكر الأخطاء الحسية، ولكن الحس غير مسؤول عنها، بل هو مجرد ناقل أمين وليس بحاكم، والحاكم هو الذي يصيب ويخطأ.
• السفسطائي: ومن هو الحاكم إذن؟
o الفيلسوف: الحاكم الوحيد – وكما ستعلم بعد ذلك – هوالعقل، وهو إذا تسرّع في أحكامه وقع في الخطأ، وإذا راعى قوانين وشرائط الإدراك أصاب كما سنبين ذلك لاحقا، ولو كان الحس هو المخطأ، ماعرفنا الصواب بالحس بعد ذلك، ولصحح الحس أخطاءه بعد ذلك
• السفسطائي: يمكن أن توضح لي ذلك أكثر
o الفيلسوف: أكيد...ينبغي ألا تقبل مني، أو من غيري شيئا ليس بواضح عندك، لأن المفروض أنك إنسان عاقل، والعاقل لايقبل أن يلقنه احد شيئا لايفهمه...الان اضرب لك مثالا، أنت تقول أن الحس يرى الشمس في السماء صغيرة جدا، مع أنه قد اكتشف بعد ذلك أنها أكبر من الأرض بأكثر من 300 ألف مرة
• السفسطائي: نعم صحيح، هذا ماأثبته العلماء
o الفيلسوف: وكيف أثبتوا ذلك...أليس عن طريق التجارب والتحاليل الحسية؟
• السفسطائي: بلى...أكيد
o الفيلسوف: إذن فقد اعتمدوا على الحس في هذا الاستنتاج العلمي، فكيف يصدقون الحس، ويكذبونه في نفس الوقت؟!!...ثم إن الحس بعد هذا الاكتشاف هل أصبح يرى الشمس كبيرة أم مازال يراها صغيرة كما في الأول؟
• السفسطائي: لا لم يغير من رأيه بل مازال يراها صغيرة.
o الفيلسوف: والحال أنّ المخطأ ينبغي أن يغير رأيه بعد أن تبين له الصواب، بل المخطأ الذي غير رأيه هو العقل، الذي تبين له بعد ذلك عن طريق التجربة، وبالاعتماد على مبادئه العقلية البديهية – كما سنبين ذلك – أنّ الأمر على خلاف مايشاهده الحس، وأنّ سبب مشاهدة الشمس صغيرة، هو بعدها الكبير جدا عن الأرض، والجسم الكبير نراه دائما صغيرا، ويزداد حجمه كلما اقترب منا، كحال السفينة الكبيرة نراها في قلب البحر صغيرة، ثم تكبر كلما اقتربت من الشاطئ.
• السفسطائي : الان اتضح لي الأمر، وارتفع اللبس والتناقض
o الفيلسوف: وقس على ذلك سائر ماتسميه بالأخطاء الحسية، حيث أن المخطأ فيها دائما هو العقل، وهو نفسه المصحح لأخطائه بالاعتماد على نفس الحس، ولكن عن طريق تكرار المشاهدات التجريبية، ومبادئه العقلية البديهية، والاعتماد على مساعدة الأدوات الحسية الأخرى، فالحس مجرد ناقل أمين، لايصيب ولايخطئ، بل ينقل لنا الأشياء كما وقعت عليه، ولكن طبعا بحسب قابلياته الطبيعية واستعداده الذاتي، وبشرط أن يكون سليما لا مصابا بالمرض.
• السفسطائي: سلمت معكم بأمانة الحس ونزاهته، ولكنكم قد اعترفتم بأخطاء العقل في أحكامه، فكيف يمكننا أن نعتمد عليه؟
o الفيلسوف: نعم هذا سؤال مشروع، وفي محله، ولكنه يحتاج إلى جواب أكثر تفصيلا، فلنؤجله للقاء آخر قريب إن شاء الله.