ومضى رأفت سيف.. الرفيق المنير

مصطفى مجدي الجمال
2018 / 1 / 21

حينما كنت طفلاً عشت لفترة في مدينة دمياط.. وكنت أتردد على الجامعة الشعبية (بذور الثقافة الجماهيرية فيما بعد) وأشاهد أكشاك التليفزيون في الميادين.. وذات يوم حين كنت في حوالي العاشرة من عمري استوقفتني صورة رجل شاب عفيّ مهيب له صوت عميق قوي يتحدث في مؤتمر الاتحاد الاشتراكي، ويتحدث عن الحريات فيما أذكر في حضور الزعيم جمال عبد الناصر.. وتعرض للمقاطعات.. لم أفهم كنه الأمر وقتها، ولكن علق بذهني جسارة المتحدث وافتخرت بأنه من الدقهلية، محافظتي التي كنت مغتربًا عنها وقتها..

احتفظت بهذه الصورة في خيالي ولم أتصور يومًا أن صداقة ورفاقية عميقتين ستقوم بيننا.. فحينما دخلت جامعة المنصورة انخرطت منذ اليوم الأول في نشاط الطلاب اليساريين من "الجيل الذهبي" بالجامعة، ولم يمر وقت طويل حتى دخلنا في أنشطة الأحزاب المفروض عليها السرية والمحجوب عنها الشرعية.. وسرعان ما وجدنا أنفسنا أمام حقيقة نشأة حزب يساري علني هو حزب التجمع..

وهو ما كان فرصة وتحديًا في آن واحد.. وقرر الحزب الذي أنتمي إليه ألا أنتمي بشخصي للحزب العلني، بل وطًلِب مني صراحة ألا أتردد عليه.. وكان هذا من باب تقسيم الأدوار المتفق عليه، ولكن بالطبع كسرنا هذا عمليًا وطبيعيًا بالحضور المنتظم في أنشطة التجمع الجماهيرية، خاصة أثناء وبعد انتخابات مجلس الشعب عام 1976.

في البداية ذهبت مع القائد اليساري الاستثنائي المرحوم الدكتور سالم سلام (أستاذ الأطفال في طب المنيا فيما بعد) وآخرين إلى مقر الاتحاد الاشتراكي بدافع الفضول لرؤية الجزء المخصص لمنبر اليسار فيه.. ففوجئت بذلك الشخص الذي علق بذاكرتي منذ الطفولة.. وسألته فرد بالإيجاب أنه هو.. وكان ينظر إلينا بشغف ويبتسم لأسلوبنا وللمعارف التي نمتلكها رغم صغر سننا وحداثة تجاربنا..

رأيت منذ اليوم الأول كوكبة غير عادية من المناضلين الذين توهّج بهم منبر اليسار في الدقهلية، والذين عرفت أسماءهم فيما بعد، وصاروا جميعًا أقرب الأصدقاء على الإطلاق. لا أستطيع أن أعدد كل الأسماء.. فيكفي أن تعرف أن منبر اليسار في الدقهلية كان يضم إلى جانب رأفت سيف شخصيات بقامة عبد الغفار شكر، الشيخ مصطفى عاصي، الزعيم المفوه محمد طه، الزعيم الفلاحي الشيخ عراقي، المناضل العمالي عطية الصيرفي، محمود فودة أيقونة دكرنس، القائد المحبوب أحمد فتيح الذي اختطفه الموت مبكرًا، رشدي عبد الباري ناظر مدرسة الملك الكامل والكادر الحدتاوي العتيد، أبناء سندوب رفاق الشهيد أحمد حجي مثل فايز عقل والمتولي شهيب وإبراهيم وردة، طبيب الشعب الدكتور سيد أبو العينين، عادل عبد الباقي المدرس والفنان، رفعت عبد اللطيف أستاذ الفيزياء، المصرفي الكبير محمد حال، صلاح جناح التاجر بسوق السمك، حامد زعبل الشيوعي القديم صاحب ورشة النجارة.. وقائمة طويلة جدًا من المناضلين العضويين المعروفين جيدًا في مواقعهم..

وإلى جانب التفاعل مع التجمع "من خارجه"، كان لنا أيضًا أنشطتنا الحزبية الخاصة بنا.. وكنا لا نتدخل في قرارات التجمع وسياساته، ولم نفكر يومًا في وقوع منافسة بين الحزبين، إذ كنا نعتبر كل إنجاز للتجمع هو إنجاز خاص بنا، وإخفاقاته أيضًا تعود علينا.

اتسع نشاط الحزبين السري والعلني، واندمجا وتنافرا معًا في العضوية والمعارك الانتخابية وتوزيع المنشورات والحوارات في الندوات والمؤتمرات.. كانت هذه فترة انتقالية خطيرة في تاريخ مصر من انفتاح طفيلي وكامب ديفيد واستفحال الدولة البوليسية وتصاعد التيار الفاشي..

أزعم أن شخصي المتواضع هو من اقترح على قادة التجمع في الدقهلية عقد ندوة أسبوعية باسم "ندوة الأربعاء"، استلهمتها من "حديث الأربعاء" لطه حسين.. وبالفعل انتظمت هذه الندوة لتكون مدرسة حقيقية لنشر الفكر، وتعميق الجدل السياسي الفارز، والتقارب الرفاقي المطرد.. وكان كبار المثقفين الوطنيين يحبون الحضور إلى المنصورة فقد اشتهرت ندوة الأربعاء بارتفاع مستوى مناقشاتها.. حتى أن مفكرًا موسوعيًا بقامة محمد سيد أحمد جاء ليتحدث عن "علم المستقبل" (وكان صرعة وقتها) ففوجئ بثقافة الحاضرين وعمق المناقشة معه، وأثناء عودته للقاهرة أبدى لصديق دهشته البالغة من هذا المنجم من المثقفين الثوريين في مدينة نائمة على ذراع نيل الدلتا..

كان حضور الندوات كثيفًا أيضًا.. وتكونت في أوارها الهادئ جماعة من الكوادر السياسية الشابة بمختلف ألوانها ومن كل الاتجاهات.. فإلى جانب الكوادر اليسارية، كانت الندوات فرصة لحضور وتفاعل شباب وقتها من أمثال عبد الحليم قنديل وحتى أيمن نور الوفدي..

أما المايسترو الحقيقي والمباشر في كل هذه العملية، وفي قيادة سفينة التجمع بكافة تناقضاتها الطبيعية، فكان رأفت سيف، الذي كان يدير النقاشات بين المتنافرين في "برج بابل" هذا بروح ديمقراطية أصيلة، فضلاً عن قوته الكاريزمية التي تحول دون أي شطط.

كان رأفت سيف واسع الثقافة، كما كان ملمًا بأدق الأوضاع المحلية في المحافظة، وبالطبع في قريته منية سمنود/ مركز أجا/ دقهلية.. وكنت أتعلم منه الكثير في الممارسة، وكم كان رفيقًا في تصويب أخطائنا ولا تمر أي أزمة إلا وتنتهي باعترافنا بصحة موقفه.. كما كان يستمع إلينا باهتمام حقيقي، ليس كأب أو كقيادة أعلى إنما كرفيق حقيقي.. فهذا الرجل مذهل في تواضعه رغم أنه يمتلك كافة عناصر "الخيلاء" التي يتوق إليها كثيرون، من مهابة المظهر وعمق الفكر والجسارة وحب الجماهير له وشرفه وشفافيته..

الرفيق رأفت سيف كان حلو المعشر، تحب أن تجلس إليه، لمجرد الجلوس معه، فهو عنوان الأفكار النيرة واللطف والتهذيب مع الصراحة الكاملة والتعاطف الإنساني مع الجميع..

بمرور السنوات تعمقت علاقتنا.. ورغم فارق السن بيننا، والمسافة الشاسعة بين خبراتنا ومؤهلاتنا (بل وحتى الفارق الكبير بين حجمينا الجسديين) أصبحنا صديقين حميمين.. والأمر ذاته كان مع آخرين أترابي مثل الدكتور عبد العزيز عبد الحق والدكتور أحمد حاتم.. وفي الحقيقة أنه كان يتعجب لقدراتنا الخاصة جدًا على المرح والنكات والقفشات رغم ما رأى في هذه المجموعة الشابة من ثقافة ومعارف ومواقف جادة.. كان يضحك معنا حتى تدمع عيناه، وكان يحكي لنا أدق خصائص نفسه مثلما نحكي.. وفي الواقع تماهينا تمامًا..

كنت أسير مع رأفت في شوارع المنصورة فلا يكف الناس عن السلام عليه وإيقافه.. أما حينما كنت أسير معه في أجا (دائرته الانتخابية) فكنت أشعر أنني أسير مع زعيم بحجم الوطن.. حتى وهو ليس عضوًا بالبرلمان كانوا يحمّلونه بالشكاوى والطلبات، وهو يستجيب بدأب ويعيد لهم الكثير من حقوقهم.. فرغم كونه على رأس المعارضة بالدقهلية كان المسؤولون التنفيذيون يقيمون له ألف حساب..

اجتماعات كثيرة كنا نعقدها في منزله وتستقبلنا زوجته ببشاشة وكرم.. كانت راضية وسعيدة أيّما سعادة بحب الناس لرأفت، رغم يقين الجميع بأن رأفت (بإمكانياته ومواهبه وطبيعته الإنسانية الطاغية) كانت كفيلة بأن تضعه في مصاف قيادة الدولة لو قبل أن يقدم أقل تنازل عن انتمائه وشرفه.. لكنه اكتفى براتبه من وزارة التعليم وآثر راضيًا أن يستمر في شقته المتواضعة بأرض الشناوي بالمنصورة وبيت العائلة في منية سمنود.. ولم تكن له سيارة حتى الثمانينيات حين اشترى سيارة فيات 125 مستعملة..

خاض رأفت الانتخابات كثيرًا.. ففي الاتحاد الاشتراكي رشح نفسه للجنة المركزية.. لكن القيادة السياسية استبعدته (كان مؤتمر الاتحاد الاشتراكي ينتخب ضعف أعضاء اللجنة لتنتقي القيادة نصف الناجحين).. كما رشح نفسه في انتخابات مجلس الشعب.. لكن الجلاد زكي بدر (كمدير أمن الدقهلية ثم مدير مصلحة الأمن العام ثم وزير الداخلية) كان يترصده شخصيًا وآخرين في الدقهلية.. فقد كان يشرف شخصيًا على تزوير الانتخابات، ويتواجد بشخصه لتهديد مواطني أجا إن انتخبوا رأفت، بل هدد ضباط الشرطة أنفسهم علنًا بأنه "سيعلقهم" إن نجح رأفت سيف..

أما أهل رأفت والمتحمسون له فقد تعرضوا لمضايقات لا تحصى.. وأذكر أنه في المرة التي نجح فيها رأفت رأيت فلاحين يبكون.. نعم يبكون ويقولون له "انجح بقى يا أخي"..

مر الزمن وجئت للعيش بالقاهرة.. وقلت فرص اللقاء مع رأفت.. وحينما رأيته مريضًا جزعت ولعنت المرض الذي يغتال بالتدريج كائنًا وكيانًا هائلاً ومنيرًا كرأفت.. وبعد ذلك كانت رؤيته على هذا الحال أشق على النفس حتى من عدم اللقاء..

في الختام أقول إن الحياة سائرة رغمًا عن رغباتنا، ووفق قوانينها الخاصة، لكني أتساءل هل ستظل مصر تنجب أشخاصًا استثنائيين كرأفت وغيره؟.. أتمنى.. لقد تكوّن هؤلاء في آتون نضال هائل استمر لعقود وفي أحوال متناقضة ومتقلبة، وضحوا بكل ما يستطيعون من أجل عزيزتهم مصر، وحبًا في الشعب المصري المظلوم الصبور.

كان الرفيق منير متفائلاً دومًا بذلك، ويتوقعه، ويوقنه..

وداعًا يارفيقي وصديقي وأخي الأكبر.. وقادم إليك عما قريب..