صدام والفخ الامريكي / غزو الكويت وحرب الخليج الثانية / الحلقة الثانية

حامد الحمداني
2018 / 1 / 21


الحلقة الثانية
حامد الحمداني
21/01/2018
الحرب العراقية الإيرانية ونتائجها الكارثية على العراق

أولاً :القوة العسكرية للعراق بعد الحرب العراقية الإيرانية.
ثانياً : الوضع الاقتصادي للعراق بعد الحرب.
ثالثاً : الولايات المتحدة وإسرائيل والموقف من العراق.
رابعاً : العراق يدعو لعقد قمة عربية في بغداد.
خامساً:صدام يحول سهامه نحو الكويت.
سادساً: صدام يوقع معاهدة عدم اعتداء مع السعودية.
سابعاً: تصاعد التوتر بين العراق والكويت.
ثامناً : المخابرات الأمريكية تراقب التحركات العسكرية العراقية
تاسعاً: خطاب صدام حسين، و رسالتة للجامعة العربية.
عاشراً: جهود عربية لاحتواء الأزمة العراقية الكويتية.
أحد عشر: أسرار اللقاء بين السفيرة الأمريكية وصدام.

أولاً:القوة العسكرية للعراق بعد الحرب العراقية الإيرانية:

خرج العراق من حربه مع إيران، بعد ثمان سنوات من الدماء والخراب، وهو يملك جيشاً جراراً هو في واقع الحال أكبر جيش في الشرق الأوسط، ويمتلك ترسانة حربية ضخمة من شتى أنواع الأسلحة، التقليدية منها، وأسلحة الدمار الشامل الصاروخية، والكيميائية، والبيولوجية، والجرثومية، إضافة إلى الأعداد الهائلة من الدبابات، والمدفعية، والطائرات، وكميات كبيرة من العتاد، والقنابل التي جرى حشوها بالغازات السامة، كغاز السارين، والخردل، هذا بالإضافة إلى أن العراق كان قد قطع شوطاً طويلاً في بناء مفاعله النووي لغرض الحصول على السلاح الذري.

لقد كانت الأسلحة تنهال على العراق خلال سنوات الحرب من دول الشرق والغرب دون قيود، وكان النظام العراقي قد سخّر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية وموارده النفطية من أجل التسلح، كما ساهمت السعودية دول الخليج مساهمة كبرى في دعم العراق اقتصادياً، لضمان تدفق السلاح إليه، بسبب خوفهم من المد الإسلامي الإيراني من جهة، وبضغط من الولايات المتحدة من جهة أخرى.
لقد قُدّرَ ما كان يملكه العراق من الطائرات عند نهاية الحرب، بما لا يقل عن 500 طائرة من مختلف الأنواع، ومن الدبابات 5000 دبابة، بالإضافة إلى 3500 مدفع من مختلف العيارات، وأعداد كبيرة من الصواريخ المختلفة المديات، والتي تتراوح ما بين 150ـ 1250 كم، وكميات كبيرة من القنابل الكيميائية، والبيولوجية والجرثومية، هذا بالإضافة إلى القوة البحرية.

كانت هيئة التصنيع العسكري التي كان يشرف عليها [حسين كامل] صهر صدام حسين، تعمل ليلاً ونهاراً من أجل توسيع المصانع الحربية، وتخزين كميات هائلة من إنتاجها، وكان تحت تصرف حسين كامل 72% من موارد العراق النفطية، المسخرة للتسلح. لقد وسع النظام العراقي الجيش خلال سنوات الحرب، حتى تجاوز الرقم المليوني جندي وضابط، وإذا ما أضفنا إليه الجيش الشعبي، الذي أجبر نظام صدام جميع البالغين، وحتى سن الستين، على المشاركة بهذا الجيش خلال الحرب، فإن عدد قواته المسلحة لا يمكن حصرها.

لقد خلقت تلك الحرب من صدام حسين اعتا دكتاتور عرفته البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث جعل من نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبه عسكرية في الجيش، وهي[ رتبه مهيب ركن]،علماً أنه لم يسبق له أن خدم في الجيش [الخدمة الإلزامية]، فقد كان شريراً فاراً من وجه العدالة لقيامه بأعمال إجرامية، كان منها اشتراكه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء، وقائد ثورة الرابع عشر من تموز.

ركز الدكتاتور جهوده لإخضاع الجيش وضباطه، بإقدامه على إعدام أعداد كبيرة من الضباط، حتى بمجرد الشك في ولائهم له، وخلق أجهزة أمنية واسعة ومتعددة داخل صفوف الجيش وخارجه، لتقدم له التقارير عن كل حركات الناس وسكناتهم، وحماية نظامه الدكتاتوري الفاشي بشتى وسائل البطش والإرهاب والتعذيب والقتل والسجون.

ولم يكتفِ الدكتاتور بكل ذلك، بل أقدم على تصفية معظم قيادات حزبه، وخلق قيادات هزيلة بدلاً منهم، تأتمر بأوامره، ولا تتجرأ على معارضته.

وهكذا أصبح الحزب أداة طيعة في يده، وغدا ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، والقيادة القطرية لحزب البعث، والمجلس الوطني، ومجلس الوزراء، مجرد موظفين عنده، ينفذون أوامره لا غير، والويل كل الويل لمن يشك في ولائه له، وصار صدام حسين يتخذ وحده كل القرارات مهما كانت خطيرة، دون أن يجرأ أحد من أعضاء وزارته، أو قيادة حزبه، أو مجلس ثورته، على مجرد مناقشته، حتى ولو كان القرار يهدد مستقبل العراق وشعبه.

ثانياً:الوضع الاقتصادي للعراق بعد الحرب

خرج العراق من حربه مع إيران، بوضع اقتصادي لا يحسد عليه، فقد أستنفذ نظام صدام كل احتياطيات البلاد من العملة النادرة، والذهب، البالغة [36 مليار دولار]، وكل موارده النفطية خلال سنوات الحرب، والتي تتجاوز 25 مليار دولار سنوياً.
وفوق كل ذلك خرج العراق بديون كبيرة جداً للكويت، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة وفرنسا، والاتحاد السوفيتي السابق، والبرازيل، وألمانيا واليابان والصين والعديد من الدول الأخرى، وقد جاوزت الديون [90 ملياراً من الدولارات]، وصار العراق ملزماً بدفع فوائد باهظة لقسم من ديونه بلغت حدود 30 % ، مما جعل تلك الفوائد تتجاوز 7مليارات دولار سنوياً.

هذا بالإضافة إلى ما تطالب به إيران من تعويضات الحرب، بعد أن أقرت لجنة خاصة تابعة للأمم المتحدة بأن العراق هو المعتدي في تلك الحرب، وتطالب إيران مبلغ [160 مليار دولار] كتعويضات حرب.

لقد أثقلت الديون كاهل الاقتصاد العراقي، وتوقفت معظم مشاريع التنمية، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه تعمير ما خربته الحرب من أموال وجهود، فقد جاء في تقرير أمريكي عن وضع العراق الاقتصادي ما يلي:
{إن الوضع الاقتصادي في العراق لا يبشر بخير، دخله وصل إلى 25 مليار دولار، في عام1988، ولكن صورة الاقتصاد العراقي خلال السبعينيات قد تلاشت، وحل محلها وضع اقتصادي مظلم، وخراب واسع في أنحاء البلاد، وفي ظل الحكومة الحاضرة، وسياستها الاقتصادية، فإن الاقتصاد يتحول من سيئ إلى أسوأ، وإن ذلك يمهد لسياسة عراقية متهورة، في محاولة للخروج من المأزق الاقتصادي الذي يمر به}.

لقد أصبح العراق بعد حربه مع إيران يملك القوة، ولكنه في الوقت نفسه يعاني من اقتصاد متدهور، وديون تثقل كاهله، وجواره بلدان عربية ضعيفة عسكرياً، ولكنها غنية جداً، تغري ثرواتها أصحاب القوة، وخاصة بالنسبة إلى بلد مثل العراق، الذي يحكمه نظام دكتاتوري يقوده رجل كصدام حسين، هذا الرجل الذي أصابه غرور لا حدّ له، بعد أن أنتصر في حربه ضد إيران، وأصبح لديه جيش جرار، وترسانة هائلة من أسلحة الدمار الشامل، والأسلحة التقليدية، ومصانع حربية متطورة، ولكنه يفتقد إلى المال لسداد ديونه، وتعمير ما خربته الحرب، هذا بالإضافة إلى ما يتطلبه لإدامة جيشه، ومواصلة تسلحه، ناهيك عن إعادة بناء ما خربته الحرب، ومشاريع التنمية التي تحتاجها البلاد، والتي توقفت خلال سنوات الحرب.
ولاشك أن هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، التي خلقها النظام العراقي نتيجة تهوره، واندفاعه لتنفيذ المخططات الإمبريالية، بشنه الحرب ضد إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، والتي ظنها نزهة قد تدوم بضعة أسابيع، أو بضعة أشهر على أبعد الاحتمالات، وأراد لها مخططوها أن تدوم سنوات طوال، وبقوا يغذونها باستمرار، تارة يقدمون المساعدات للعراق، وتارة أخرى لإيران.

ولابد أن أشير هنا إلى أن العراق، الذي خاض ثمان سنوات من الحرب، لم يجابه خلالها نقصاً في السلع الغذائية، وغيرها من السلع الأخرى، فقد كانت الأسواق تُملأ كل يوم بكل ما يحتاجه البلد، حيث أغرقت الولايات المتحدة وحلفائها الأسواق بالمواد الغذائية، والألبسة، والأجهزة المنزلية كافة.

فقد كان على مشعلي الحرب أن يخففوا ما استطاعوا من التذمر الشعبي من تلك الحرب المجرمة، التي حصدت أرواح نصف مليون من خيرة شباب العراق، ورملت مئات الألوف من النساء، ويتمت مئات الألوف من الأطفال، وأصابت بالعوق الدائمي ما يقارب المليون، ومزقت قلوب الآباء والأمهات، حيث يندر أن تجد عائلة عراقية لم تفقد عزيزاً لها في تلك الحرب الكارثية، بل لقد شاهدت لافتة عزاء لإحدى العوائل تشير إلى استشهاد سبعة أبناء، وكل ذلك من أجل أن تستمر الحرب، لكي يعبئ كبار الرأسماليين جيوبهم ببلايين الدولارات، على حساب بؤس الشعبين العراقي والإيراني وعذاباتهم، ودماء أبنائهم.